العراق اليوم

النزعة الكسموبولوتية والطائفية السياسية

— أحدث انهيار خيار النموذج الاشتراكي الكثير من التبدلات والتغيرات في الفكر السياسي المعاصر تماشياً وانتقل التطور العالمي من ازدواجية التطور اشتراكي- رأسمالي الى سيادة وحدانية العالم الرأسمالي وفي هذا المنحى بات واضحا ان التغيرات الجديدة في العلاقات الدولية تشترطها حركة التطور الرأسمالي بعد انتقالها الى السيادة الدولية.
— ارتكازاً على ذلك يتعين على الباحثين والكتاب تحديد مضامين التغيرات العالمية الجديدة بهدف وضوح النهج الفكري الدي تعتمده قوى اليسار والاشتراكية في كفاحها الهادف الى بناء دولة العدالة الاجتماعية.
–لقد انتجت وحدانية التطور الرأسمالي كثرة من الإشكالات الفكرية – والسياسية منها تحديد طبيعة المرحلة الجديدة من العولمة الرأسمالية؟ ومنها ماهية الأساليب الكفاحية المعتمدة في مكافحة الإلحاق والتهميش الناتجة عن ميول وحدانية التطور الرأسمالي؟ ومنها طبيعة الثورة الاجتماعية هليقررها بلد واحد أم ستجري في تكتلات دولية سياسية -اقتصادية؟. 
– أسئلة كثيرة ولا توجد إجابات محددة بل لازال الجهد الفكري لقوى اليسار والاشتراكية يتواصل لفك مضامين الملفات المتعلقة بالطور الجديد من العولمة الرأسمالية وطبيعة نزاعاته الاجتماعية.  
— اعتماداً على التغيرات المتسارعة التي يحمله الطور الجديد من العولمة الرأسمالية نحاول التعرض لقضايا أساسية من تطوره أولهما الترابط بين النزعتين الكسموبولوتية والطائفية السياسية وثانيهما تأثيرات ذلك الترابط على تطور الدولة الوطنية واخرهما مضامين برنامج الوطنية الديمقراطية المفترض اعتماده للتغيير الاجتماعي آملين مواصلة بحث الأسس الفكرية لهذه التغيرات في بحوث لاحقة تساعد قوى اليسار والاشتراكية على صياغة برامج عملية تخدم كفاحها الوطني الديمقراطي.
أولا – الرأسمالية المعولمة والطائفية السياسية
هناك وشائج فكرية بين الطور المعولم من التوسع الرأسمالي وبين الطائفية السياسية في الدول الوطنية وبهذا المنحى يمكن اعتبار اليمين الطائفي السائد في بعض الدول الوطنية ومنها الدولة العراقية الوجه الاخر للرأسمالية المعولمة وايديولوجيتها المتسمة بالتفكك والتهميش.
على أساس ذلك دعونا نتوقف قليلا عند تلك الترابطات الفكرية والتي يمكن فرزها في الموضوعات التالية —
— تشترك الرأسمالية المعولمة والطائفية السياسية بكثرة من الموضوعات منها –
 أ — تسعى الرأسمالية المعولمة الى تهميش الدول الوطنية والعمل على الحاقها بالاحتكارات الدولية بينما تسعى الطائفية السياسية الى السيادة الطائفية عبر تفتيت الدول الوطنية الى أقاليم طائفية. 
ب — تهدف الرأسمالية المعولمة الى تفكيك التشكيلات الاجتماعية للدول الوطنية بينما تهدف الطائفية السياسية الى جعل الولاء الطائفي معيارا أساسياً لهيمنتها السياسية بديلا عن الهوية الوطنية. 
ج –تشترك الرأسمالية المعولمة والطائفية السياسية بإنكار مفهومي الوطنية والقومية واستناداً الى ذلك يسعى الطرفان الى سيادة الطبقات الفرعية في البنية الاجتماعية.
د — تسعى الرأسمالية المعولمة والطائفية السياسية الى سيادة الطبقات الفرعية – البرجوازية الكمبورادورية والشرائح المالية الربوية — في التشكيلات الاجتماعية بدلا من الطبقات الاجتماعية المناهضة للتهميش والحاملة لفكر الوطنية الديمقراطية. 
(ه-) تتشارك الرأسمالية المعولمة والطائفية السياسية في مساندة واحتضان الأنظمة الديكتاتورية بهدف كبح تطور الكفاح الوطني الديمقراطي المناهض لهيمنة الطبقات الفرعية.
و—تفتيت الدولة الوطنية وتحويل شكل بنائها الفدرالي – الموحد الى تجمعات سكانية وأقاليم منعزلة تشدها الولاءات الطائفية.
ان المشتركات الفكرية بين الرأسمالية المعولمة واليمين الطائفي تقودنا الى استنتاج يتلخص بسعي الرأسمال المعلوم الى مباركة اليمين الطائفي في الدول الوطنية ومساندة توجهاته السياسية الهادفة الى تحويل النزاعات الاجتماعية الطبقية الى نزاعات طائفية.
ان الملاحظات المشار اليها تدفعنا الى ضرورة النظر الى ان التحالفات الدولية – الوطنية تنشأ من ترابط المصالح المشتركة الامر الذي يفسر مساندة الرأسمالية المعولمة للطائفية السياسية لأنها قادرة على تحقيق نهوجها التخريبية.
ثانيا — الدولة الوطنية بين الكسموبولوتية والطائفية السياسية 
— التوافقات الفكرية – السياسية بين الرأسمالية المعولمة واليمين السياسي الطائفي المستند على (أ) تفتيت التشكيلات الاجتماعية الوطنية (2) تحويل الدولة الوطنية الى أقاليم طائفية بهدف تحجيم النزاعات الطبقية ( 3)  تحويل شكل بناء الدولة الوطنية من بناء فدرالي  الى أقاليم طائفية (4) اعتبار العادات والتقاليد العشائرية أسساً للحياة الاجتماعية بدلاً عن القوانين الصادرة عن الدولة ومؤسساتها القضائية. (5) تفسح الموضوعات المشار اليها بتحويل النزاعات الاجتماعية الى حروب أهلية تستمد ديمومتها من التجمعات الطائفية المنعزلة في أقاليم من الدولة الوطنية. 
ان المخاطر الكارثية الناجمة عن سيادة الطائفية السياسية تشكل عوامل أساسية مساعدة للهيمنة الخارجية وتعمل على سيادتها -العوامل الخارجية – في تحديد مضامين التغيرات اللاحقة في مضامين بناء الدولة الوطنية ومسار تطورها اللاحق.
ارتكازا على تلك الأخطار أرى ان الاضرار السياسية على الدولة الوطنية وتشكيلتها الاجتماعية تتمثل ب—
1– تعمل الرأسمالية المعولمة والطائفية السياسية على تحويل الدولة الوطنية الى أقاليم طائفية تشدها وحدة وهمية تتطور على أساس مكوناتها الطائفية لا أساس مصالح طبقاتها الاجتماعية.
2ـ تعزيز وتقوية سيطرة الطبقات الطفيلية ــ البرجوازية البيروقراطية والبرجوازية الطفيليةـ المتحالفتان مع الرساميل الأجنبية المناهضة للاستقلال والسيادة الوطنية  
3- تطور النزاعات الطائفية الى صراعات أهلية مسلحة تحيل الدولة الطائفية الى ساحة عسكرية مباركة من المراكز الرأسمالية.
ـ4ـ تقود النزاعات الاجتماعية الأهلية الى التدخلات العسكرية الاجنبية وما ينتجه ذلك من ويلات ومصاعب على كادحي شعوب الدول الوطنية وضياع ثروتها لوطنية.
ان مخاطر التفتيت والتبعية والحروب الاهلية يمكن مكافحتها والحد من مخاطرها عبر برنامج الوطنية الديمقراطية واعتماده من قبل القوى الوطنية الأساسية بهدف وضع تشكيلة البلاد الوطنية على أساس السلام والتطور الاجتماعي.
ثالثاً — برنامج الوطنية الديمقراطية 
صيانة الدولة الوطنية وتقدم تشكيلتها الاجتماعية ترتكزان على الأيديولوجية الوطنية الديمقراطية والتي يمكن تأشير أهم ركائزها بالمحددات التالية ــ
1ـ اعادة بناء الدولة الوطنية ونظامها السياسي على قاعدة الوحدة الوطنية والتوافقات الطبقية وما يشترطه ذلك من تحويلها – أي الدولة – من دولة طائفية الى دولة ديمقراطية انتخابية. 
2 ــ الانتقال من الدولة الطائفية الى دولة المواطنة الراعية لمكوناتها الاجتماعية والسياسية يشترط صيانة المصالح الطبقية وابعادها عن التدخلات الخارجية.  
3 ــ مكافحة تحالف ــ الطبقات الطفيلية والتجارية ـ مع الرأسمال المعولم وتحجيم سياستها الكمبورادورية المناهضة للوحدة الوطنية.  
استنادا الى ما جرى استعراضه فان اعادة بناء الدولة الوطنية وحماية مكوناتها الاجتماعية تتحدد بثلاث ركائز اساسية تتجسد كما اراها في العناوين التالية ـ
العنوان الأول ـ الديمقراطية السياسية 
تتمثل هذه السمة في اعتماد الديمقراطية السياسية اطاراً للنظام السياسي والتنافس بين أحزاب التشكيلة الاجتماعية الهادفة الى صيانة الدولة الوطنية من التبعية والتفكك. 
العنوان الثاني ــ مكافحة الطبقات المتحالفة مع الرأسمال الدولي 
 بناء الدولة الوطنية وتشكيلتها الاجتماعية على أساس مصالح البلاد الوطنية بعيداً عن مصالح القوى المتحالفة مع راس المال والراعية لمصالحه الدولية. 
العنوان الثالث ـ موازنة المصالح الطبقية 
موازنة مصالح الطبقات الاجتماعية بما يضمن توفير الامن السياسي والاجتماعي للدولة الوطنية وأحزابها الديمقراطية وقواها الاجتماعية.   
العنوان الرابع ـ اعتماد الشرعية الديمقراطية 
 اعتماد الشرعية الديمقراطية اساسا للحياة السياسية والابتعاد عن شرعية انتخابية ترتكز على الطائفية السياسية والأنظمة الاستبدادية. 
ان المتطلبات المشار اليها كفيلة بتحويل الدولة الوطنية الى جهاز سياسي ديمقراطي قادر على مواجهة التدخلات الخارجية وميولها  الهادفة الى  التبعية والالحاق. 

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق