اخبار العراق الان

صوائت وصوامت الشعر والتجربة

أحمد سعداوي

أنا من المؤمنين أن الشعر هو معمل اللغة الأدبية. ليس ضرورياً أن يكون كل الأدباء شعراء، ولكني أرى أن من لا يفهم كيف يعمل الشعر

ولا يعرف موقع الشعر داخل الثقافة وداخل مشغل الأعمال الأدبية، فإنه سيكون بفهمٍ منقوص للكيفية التي تعمل بها باقي الأجناس الأدبية وحتى الفنية.

عراقياً، كان الشعراء غالباً هم المتصدون للتفكير الفلسفي حول الفن، والماهية التي تتشكّل بها أدبية الأدب. هم، مع نخبة من نقّاد الأدب، كانوا يفكّرون بـ”الشعرية” حسب وصف جاكبسون لها، هذه التي هي ليست جنساً إبداعياً وإنما محركاً يعمل في كل الأجناس الكتابية، ومنها كتابة الشعر، كي يحرز هذا الفن هويته.

كان الأمر يبتدئ من القصيدة لينفتح، داخل الجدل والتعليق، على الثقافة كلّها، خصوصاً مع الانهماك بموجات التحديث، ومحاولات الاقتراب من “القصيدة الأحدث”. والجدل حول الريادة الشعرية، التي كانت مرّة عبر القصيدة الحرّة، “قصيدة التفعيلة” خمسينياً، ثم الجدل حول جوهر التحديث ستينياً، وكيف أن التحديث والريادة هما عراقيان بالاقتراب الستيني من جوهر التحديث، وحتى مع وصولنا الى قصيدة النثر، والمساهمة العراقية من خلال “جماعة كركوك” في ريادة قصيدة النثر التي انطلقت لبنانياً وسورياً.

خلال كل هذه الانشغالات التي عملت عمل المحرك الصاخب للحياة الثقافية العراقية لعقودٍ طويلة، تبتعد الى الفضاء الرحب للاشتغالات الأدبية والفنية والثقافية لترتد الى الشعر، باعتبار النقاش حوله، والنتائج المتولّدة من النقاش حول الشعر، تفرض نفسها على تفكير المشتغلين بالمجالات الابداعية الأخرى.

خلال كل هذا الصخب، فإن ما تبقى هو الشعر، ولا أريد أن أقول “الشعر الحقيقي”، لأن ما هو متشبّه بالشعر يغادر من تلقاء نفسه، بحكم الضرورات التاريخية والحراك الطبيعي للثقافة، ولا نحتاج مع الشعر الى تأكيدات ماهوية.

ربما كان عقد التسعينيات مهمّاً لأن وتيرة الصخب انخفضت خلاله، وبتنا نقرأ نماذج شعرية ناضجة، انتجها الجيل الجديد من الشعراء بالتجاور مع شعراء من أجيال سابقة. ثم شيئاً فشيئاً انفرطت قوالب التصنيف الجيلي، وصارت باهتة في أفضل الأحوال.

خلال هذا العقد الذي شهد ظهور الجيل الشعري التسعيني، وبعدد كبير من الشعراء، لعل منهم جمال علي الحلاق وفرج الحطاب وعباس اليوسفي ومحمد الحمراني وسلام دواي وماجد عدام وماجد موجد وأحمد سعداوي وفارس حرّام وآخرين.

تراجع الاهتمام بكتابة “القصيدة الأحدث” وصار التفكير بكتابة القصيدة نفسها. وهذا ما جعلنا نقرأ نصوصاً متقدمة لشعراء من أجيال متباينة، كما هو الحال مع جمال جاسم أمين ذي البدايات الثمانينية، وكذلك بروز تجارب ثلاثة من الشعراء السبعينيين هم كل من عبد الزهرة زكي وطالب عبد العزيز ورعد عبد القادر. بالاضافة الى النصوص الجديدة لشاعر كان إسماً بارزاً خلال صخب التحديث في السعبنيات وهو خزعل الماجدي.

ولعل من نتائج انهيار سياقات السعي للتحديث، وانفراط عقد الشعراء كعصبة واحدة تتصارع مع جماعات الأجيال السابقة، إننا قرأنا تجربة شاعر بارز مثل أحمد عبد الحسين من دون أن نفكر بوضعه في خانة جيل محدد.

كذلك فإن التفكير بالشكل الأحدث الذي طبع العقود السابقة، حرمنا من الانتباه مبكراً الى تجربة مهمة كما لدى الشاعر عارف الساعدي، تتوفّر القصيدة لديه على الشعر، بغض النظر عن اذعانها لمطاليب مهيمنة عامة عما هو الشكل الأحدث للشعر.

لقد تحرّر الشعر ابتداءً من نهاية عقد التسعينيات حتى يومنا هذا من الجو الاجتماعي للشعراء، والجو الثقافي الذي يسيطر عليه الشعراء أيضاً، وما هو أهم؛ تحرر الشعر من مطلبية الثقافة السائدة التي تغري كل موهوب بان يذهب الى الشعر أولاً.

لكن هذه القيم التي جلبتها التحولات التاريخية والسياسية والاجتماعية لتحرير الشعر، لها انعكاسها السلبي؛ فهي اخرجت الشعر من النقاش الثقافي العام، وبالتالي تراجع التفكير ب”الشعرية” كمحور في العملية الابداعية بشكل عام.

والشعرية هنا، بفهمي الخاص، في عملها، تستعيد البعد الثالث، أو أبعاداً أكثر في الواقع والحياة، وتجعل مشهد هذه الحياة أكثر كثافة وعمقاً، وبالتالي تجعلنا أكثر صلة بها، بينما يميل الاستعمال الأداتي للحياة الى تسطيحها وحجرها في مكعبات الصور النمطية السائدة.

علي وجيه يصنّف ضمن الجيل الشعري العراقي الأحدث بجوار أسماء مثل علي محمود خضير، ميثم الحربي، صفاء خلف، عمر الجفّال وآخرين.

يوصف هذا الجيل بانه جيل ما بعد الألفين، أو جيل ما بعد 2003، ولعل من آثار النتائج التي وصلت اليها الشعرية العراقية خلال عقد التسعينيات، هو ضعف الاهتمام بتصنيف هذا الجيل الأحدث من قبل الشعراء أنفسهم ضمن تسمية رائجة وثابتة، وكما قلنا سابقاً، صار عمل الشاعر لا يحتاج الى “عصبة” تحمله على رافعة جيل، له خطاب نظري واضح، وبيانات وافتعال معارك جيلية وما الى ذلك.

كان هذا الجيل محظوظاً لأنه رأى أن المطلب الأساسي الذي لديه هو أن يكتب الشعر بحد ذاته، لا أكثر ولا أقل.

ولكن هذا الجيل غير محظوظ بتراجع الفعالية النقدية، ثقافياً وأكاديمياً، بحيث لم يبرز من بينهم نقاد يحوّلون القصائد المكتوبة الى ثقافة، من خلال النقاش والتعليق.

ويبدو أن هناك مهيمناً في الوعي الثقافي فرض نفسه، يرى بتراجع الشعر لصالح الرواية مثلاً وأجناس كتابية أخرى، فانفضت الأقلام النقدية عن الشعر وما حوله.

ولكني هنا أرجع الى تنبيهي السابق؛ فتراجع التفكير بالشعر وتأمل الشعر يؤدي بالتالي الى تراجع الشعرية، وبالتالي الذهاب الى التسطيح والمباشرة الاستعمالية. فقد يخسر الشعر جمهوره، لكن، في ذات الوقت، تخسر الثقافة محركاً فلسفياً وجمالياً أساسياً.

تمتثل تجربة علي وجيه لالتماعات قادمة من مختلف التجارب الشعرية العراقية، بغض النظر عن أشكالها الفنية، وصراعاتها التي طبعت تاريخ الشعر العراقي، وكأنه، مع زملائه في التجربة، يرتبط بهذه الشعرية العراقية كتراث انطفأت مفاعيله، وصار عرضة لإعادة الانتاج والاستعمال، من دون قداسة لهذه التجربة التاريخية.

فجّرت التجربة الثمانينية المثيرة، كل القداسات الشعرية، ورمت الشعر في الوقت ذاته الى اللا شعر، وهي بذلك ساهمت في تحرير الشعر، ولكنه الشعر القادم والآتي في المستقبل، وليس الشعر الذي انتجته تلك التجربة.

وما عدا هذه التجربة ذات الانفاس الدادائية والسوريالية، فإن ما يطبع الشعرية العراقية هي روح النظم. وهذا ما أراه خصيصة في شعر علي وجيه.

وروح النظم تربط الشعرية العراقية بالتراث الشعري العربي برمّته، وأقصد بروح النظم، أن القصيدة لا تكشف نفسها من خلال اللغة، وإنما اللغة تساهم في صناعة القصيدة وليست هي مصدرها الوحيد.

القصيدة تتعرّض للتحوير والتبديل، وتغيير المفردات والتجويد، وليس مجرد هبة من هبات اللا وعي، كما في الوصف السوريالي مثلاً.

القصيدة هنا تشبه علاقة الحب التي بين السمكة والطائر، جزءٌ منها في الهواء وآخر في الماء.

السمة الأخرى التي تطبع شعرية علي وجيه، هي سطوة التدوين، والتي تجعله مشتركاً مع جذر في الشعرية العراقية يمتد الى ما سمّي سبعينياً بالقصيدة اليومية، وكذلك الى اعلانات التسعينيين عن القصيدة ذات النفس السيري، وحديث الشاعر عن نفسه ويومياته.

نقرأ في “الصوائت والصوامت” عن الأب والأم والحبيبة والأطفال، ويوميات الحياة في بغداد، عن صور الشهداء المعلقة في الشوارع، وعن تعب آخر الليل. نرى رسائل في الفيسبوك، وحديثاً عن الكلب المقتول في شارع المطار.

وليس غريباً بعد هذا أن نقرأ قصيدة بعنوان “السؤال اليومي”، وكأن اليومي يفرض نفسه ويطالب الشاعر بتدوينه.

والتدوين هنا أسلوبيا يتأرجح حرّاً ما بين شكل المقطوعة النثرية، أو ما يشبه الوصف الشائع عن قصيدة النثر الفرنسية، ويقترب حيناً آخر من شكل قصيدة الشعر الحر الانكليزية، حيث الاسطر القصيرة المتتابعة. أو يمزج الشكلين البصريين للكتابة معاً.

كذلك نرى هيمنة لروح الكناية أحياناً، مزاحماً سطوة الاستعارة ذات الطبيعة الشعرية الأعلى، كما إن النصوص تحفل بتناصات مع التراث الشعري العربي، تبدو أحياناً إشارية مختصرة كما في الاحالة السريعة الى قصيدة أبي العلاء المعري من خلال كلمتين فقط “خفّف الوطء”.

والمادة الحياتية والاجتماعية تمتاح من الرموز الدينية والثقافة الشعبية مثلما تأخذ من يوميات الانسان الشاعر، كسائق لسيارته البيضاء، أو راغباً بالنوم بعد اطفاء ضوء مصباح السرير، أو متأملاً ألبوم صور العائلة فيفتقد صور الأم وما الى ذلك، بما يجعل المرجعيات لهذه النصوص واسعة ومتنوعة، وغير متحيّزة عاطفياً.

“الصوائت والصوامت” كتابٌ شعري قيّم، يحمل عناصر فرادة وتميّز لا تخطئها العين. كتاب شعري مكتوب بمداد التجربة لا ألاعيب اللغة، ومثلما هو إضافة لتجربة علي وجيه الشعرية، فهو يمثل نموذجاً متقدماً للكتابة في جيله الشعري الأحدث، وإضافة مهمة للشعرية العراقية عموماً.

مكتب عبد المهدي يفاوض الكتل لقبول مرشحيه لـ6 درجات خاصة

2019/07/28 08:45:11 م

الحلبوسي يترأس وفدا رفيعا إلى الكويت لتفعيل مشاريع مؤتمر المانحين

2019/07/28 08:43:58 م

منظمة دولية: الموصل القديمة ستبقى مدمرة لعدة سنوات

2019/07/28 08:42:07 م

مجلس النواب يحرك إجراءات رفع الحصانة عن نوابه المتهمين

2019/07/28 08:40:23 م

قائممقام سنجار: 32 ألف داعشي هارب يعودون إلى العراق

2019/07/28 08:39:24 م

الإطاحة بخلية داعشية تستقطب الشباب عبر الأنترنيت في ديالى

2019/07/28 08:38:05 م

ياور: ننتظر رد وزارة الدفاع لمناقشة ملف المتنازع عليها

2019/07/28 08:37:23 م

قانون زعزعة الاستقرار يعود إلى الواجهة ويثير القوى الشيعية

2019/07/27 09:00:22 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق