اخبار العراق الان

مقالة أدبية أتمنى أن يقرأها العراقيون..(عراقيون لا يحبون العراق) لطفية الدليمي

د.فائق مصطفى

قرأت في (المدى) الغرّاء ليوم (7) تموز، مقالة أدبية رفيعة تحت عنوان (عراقيون لا يحبون العراق) للأديبة الكبيرة لطفية الدليمي، هزّتني من الأعماق،

وأثارت ألمي العميق لأنها وضعتني وجهاً لوجه أمام دائِنا المستفحل: تهميشنا لبلادنا وتفضيل مصالحنا الذاتية على مصالحها، على نقيض شعوب العالم التي تعشق أوطانها وتضحّي بكل غالٍ ونفيس في سبيلها.

ما الأسباب التي تقف وراء استفحال هذا الداء اللعين في ربوعنا؟ في رأيي هناك عدة أسباب تفرز هذا الداء، أهمّها:

أولاً: ضعف (الحس المدني) في مجتمعنا، أي غياب الموازنة بين الحقوق والواجبات. إن ما يحدّد الحس المدني لدى المواطن –كما يقول د.أدونيس العكره في كتابه (التربية على المواطنية)- هو احترامه وإخلاصه لأشياء الدولة بتجلياتها وعناصرها المتنوعة، وبالتالي فهو متعلق بميدان الشأن العام، أي بكيفية الممارسات والتصرفات التي يقوم بها المواطن إزاء الدولة ومؤسساتها المادية والتنظيمية، والحس المدني يتجلى في احترام المواطن للقوانين فلا يخالفها، ويقوم بواجباته المدنية كامة من دون مواربة أو غش أو تهرّب، ويشجع المواطنين الآخرين على هذا السلوك من دون أن يكون موقفه هذا صادراً عن خوف من السلطة القائمة، أو عن إكراه تفرضه المحاكم. ويتجلى الحس المدني لدى المواطن في سلوكه اليومي تجاه المجتمع، كالتقيّد بقوانين السير والعناية بالأملاك العامة والمشاركة في حمايتها، ومراعاة القواعد المتعلقة بالسلامة العامة وراحة المواطنين والنظافة العامة. وهنا نتذكر ما يُروى عن المفكر التنويري المصري الشيخ محمد عبده، إنه سافر مرّة إلى أوروبا ومعه صديق له. صعد هذا الصديق الى ظهر السفينة فوجد الشيخ يبكي، فاستغرب من ذلك وسأله عمّا يبكيه، فأخفى عنه السبب، فلمّا ألحّ عليه قال: وجدت بنتاً صغيرة تجري وتلعب، ثم وقفت عند شجرة من الأشجار الصغيرة قطفت منها زهرة، فجاءت مربيتها الأفرنجية وأنّبَتها على عملها، وأبانت لها أن هذه الشجرة وزهرتها ليست ملكها، بل هي لأمتاع كلّ من في السفينة جميعاً. إن كل إنسان في السفينة له الحق في المتعة بها، وانت بقطفكِ هذه الزهرة قد تعدّيت على حقوق كل من في السفينة، وحرمتهم لذّتهم. ثمّ أخذت تلقي عليها درساً في الملكية الخاصة والعامة. قال الشيخ: تذكرتُ إذ ذاك علماءنا ورجالنا ونساءنا في مصر وعجزهم عن فهم هذه المعاني، وتفهيمها لأبنائهم وبناتهم، فدمعت عيني.

أمّا سبب ضعف (الحس المدني) عندنا، فيعود الى شيوع منهج الحفظ والتلقين في مدارسنا وجامعاتنا وغياب الوظيفة الخلقية والتربوية للتعليم، حيث تكون العناية والاهتمام فقط بحفظ الطلبة المعلومات وامتحانهم فيها، دون أية عناية بتطوير شخصيات الطلبة تربوياً واجتماعياً حتى يكونوا مواطنين صالحين وأيجابيين في المستقبل.

ومعلوم إن (الذوق) يرتبط بهذه القضية (الحس المدني) وإذا ضعف الذوق عند كثير من مواطنينا يسهم في إشاعة اللامبالاة عندهم تجاه البنى التحتية للدولة والمجتمع. والذوق –كما عرّفته في مقالات سابقة- هو التعامل الراقي مع الناس والبيئة وسائر الأشياء، فضلا عن الإحساس بالجمال.

ثانياً: تغليب ثقافة الكلام على ثقافة الفعل: كلنّا نُدرك، في هذه الأيام، أن الثرثرة باتت الحقيقة البارزة في المجتمع العراقي. ففي كتابي (جمال المرأة) قلت إن ثالوث التخلّف الخلقي صار مسيطرا على مجتمعنا: كساد العقل، الثرثرة والنزعة الاستهلاكية. فالثرثرة نتيجة من نتائج كساد العقل عندنا لأنْ إذا نام العقل حضرت الثرثرة في ساحة من نام عقله. كيف؟ لأن الثرثار لا يعرف كيف (يقتل) وقته فيكون دائم الحاجة الى صحبة الناس ليثرثر معهم. أمّا الوحدة والصمت فيكونان أصعب وأقسى ما يمكن أن يتحمّله لأنه يجهل الخلوة الى النفس والحوار معها ولا يشعر بفرديته وشخصيته الذاتية بسبب نأيه عن العقل، فهوايته الرئيسية في الحياة تكون التماس مع الناس أمّا بشكل مباشر: الجلوس مع الناس في البيت أو المقهى والنادي، وإما بشكل غير مباشر: الحديث مع الناس بالهاتف أو الموبايل أو النت. وقديماً قال ابن الجوزي في كتابه (أخبار الحمقى والمغفلين) واصفا خصال الأحمق ((تركُ نَظرهِ في العواقب، ومنها أنه لا مودّة له، ومنها العجب وكثرة الكلام)). وهنا نتذكر كتاب عبد الله القصيمي (العرب ظاهرة صوتية) الذي ذهب فيه الى أن الكلام عند العربي أهم شيء، فالعربي يتحدث ويظل حينئذ يتوقع بتفاؤل كبير أن تجيء النتائج كما يتحدث عنها، وكما يريدها ويتمناها. وكيف لا تجيء الأشياء والأحداث كذلك وقد صوّت عليها بعبقريته الصوتية! وواضح أن هذا السلوك الاجتماعي يمنع الفرد من القيام بأي عمل بناء في مجتمعه، بل يسهم في الاساءة الى مجتمعه لأن مشكلات كثيرة قد تنشأ من جراء الثرثرة مثل التصريحات الكثيرة المتشنجة التي تصدر في أيامنا هذه، من بعض السياسيين، والقائمة على اتهامات من غير أدلة ضد آخرين، الأمر الذي يؤدي الى حدوث أحقاد وخصومات بينهم.

ثالثاً: غياب القراءة الجادة: إنّ القراءة الحرة التي يختارها الفرد خارج المقررات الدراسية في المدرسة والجامعة، هي التي تسهم في بناء عقله وذوقه وجسمه، ولهذا ينبغي أن تكون هذه القراءة تنموية تقوم على تكوين شخصية العراقي على وفق أسس الحضارة الحديثة التي التي تُعنى بقيم المواطنة والعقلانية والتسامح والايمان بالتنوع الثقافي. لكنْ –للأسف- لا تسهم القراءة الشائعة عندنا في العراق، في غرس هذه القيم في النفوس، لأنها –في الغالب- تكون قراءة التسلية وقضاء الوقت والإثارة واللون الواحد. فضلا عن الآثار السلبية التي يتركها منهج الحفظ والتلقين الشائع عندنا، في النفوس. ولهذا لا نرى الّا آثاراً ايجابية ضئيلةً للقراءة في مجتمعنا العراقي. نقول هذه الحقيقة، رغم أننا نرى معارض كتب كثيرة تقام في بلادنا، وكذلك مهرجانات القراءة. إذن أقول بمرارة سوف يظل معشعشاً هذا التخلف الحضاري في ربوعنا، ما دامت هذه العوامل الثلاثة قائمة وراسخة في عراقنا.

وفضلا عن هذا المضمون التنويري المهم للمقالة، نجد فيها خصائص المقالة الأدبية، فموضوعها الإنسان وأسلوبها يقوم على الصور المجازية والتقديم والتأخير مثل ((كلنا نعتاش على خيّرات العراق، وموهوم من العراقيين منْ يرى أنه ليس بأكثر من طفيلي يمتَصّ رحيق الحياة من ضرع الحياة..)) و((ما أغدر العراقيين الذين يرون في العراق محض حافظة نقود يحلبونها ويلعقون عسلها ولايرفّ لهم جفن لكل مظاهر الرثاثة التي أغرقت العراق في مستنقع نتن..)).

عشتِ وعاش قلمك يا عاشقةَ العراق.

مكتب عبد المهدي يفاوض الكتل لقبول مرشحيه لـ6 درجات خاصة

2019/07/28 08:45:11 م

الحلبوسي يترأس وفدا رفيعا إلى الكويت لتفعيل مشاريع مؤتمر المانحين

2019/07/28 08:43:58 م

منظمة دولية: الموصل القديمة ستبقى مدمرة لعدة سنوات

2019/07/28 08:42:07 م

مجلس النواب يحرك إجراءات رفع الحصانة عن نوابه المتهمين

2019/07/28 08:40:23 م

قائممقام سنجار: 32 ألف داعشي هارب يعودون إلى العراق

2019/07/28 08:39:24 م

الإطاحة بخلية داعشية تستقطب الشباب عبر الأنترنيت في ديالى

2019/07/28 08:38:05 م

ياور: ننتظر رد وزارة الدفاع لمناقشة ملف المتنازع عليها

2019/07/28 08:37:23 م

قانون زعزعة الاستقرار يعود إلى الواجهة ويثير القوى الشيعية

2019/07/27 09:00:22 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق