اخبار العراق الان

الإمام الحسين من وجهةِ نظرٍ أخرى .. قاعدة أم استثناء؟ 1-2

محسن كديور

ترجمة: حسن الصرّاف

يُعدّ الإمام الحسين بن علي (عليهما السّلام) سيّد أحرار العالم حقّاً. وإن ذكرى استشهاده مع أهل بيته وأصحابه الأوفياء

في عاشوراء سنة 61هـ في كربلاء هي فرصة لاستلهام دروسٍ في الحريّة وفضائل إنسانية سامية في المدرسة الإسلامية.

أتوخّى في هذا المقال بلورة الإجابة على ثلاثة أسئلة أساسية: هل الإمام الحسين يمثّل قاعدة بين أئمة أهل البيت أم كان استثناءً؟ وهل أوصى علماء الشيعة بالسير على النهج الحسيني في نمط الحياة والتوجّه العلمي؟ وما الأثر العلمي والعملي الذي تتركه المجالس الحسينية على الشيعة؟

للإجابة على هذه الأسئلة الثلاثة أفكك بين ثلاث قراءات للمنجَز العظيم الذي قام به الإمام الحسين؛ وأشير باختصار إلى مَن يمثّل هذه القراءات. من شأن هذا البحث أن يتوسّع كثيراً، ولكن أكتفي هنا بالإشارة إلى رؤوس الأقلام.

القراءة التقليدية

تقوم القراءة السائدة والتلقّي التقليدي لقضيّة عاشوراء وكربلاء والإمام الحسين على خمسة أركان في أقلّ التقادير:

أولاً: المهمّة الخاصّة والشخصية التي حملها الإمام الحسين لبلوغ الشهادة مع أهل بيته وأصحابه، وسبي النساء والأطفال الذين رافقوه في القافلة.

ثانياً: مقتل سبط النبيّ وأصحابه بنحوٍ فجيع ومأساوي في كربلاء على يد أشقياء الدولة الأموية الحاكمة يمثّل «أكثر المحاور مركزيةً في الهويّة الشيعية»، وإنه أهم حدثٍ ديني ومذهبي على الإطلاق. ويُعد في وقتنا الراهن الأيقونة الأبرز للمذهب الشيعي، وإن أكبر التجمّعات الدينية تُقام في الأيّام المتعلّقة بالإمام الحسين، وبات ذلك معروفاً لدى المسلمين من المذاهب الأخرى، ولغير المسلمين أيضاً.

ثالثاً: المذهب الشيعي «محزون» منذ شهادة الإمام الحسين وحتّى آخر الزّمان. ولا تصحّ أيَّ مناسبة، بما فيها الأعياد الدينية والعُرفية لدى الشيعة من دون زيارة الإمام الحسين واستذكار أحداث كربلاء المؤلمة في سنة 61هـ. يرافق هذا الحُزن [المستمر] البكاء والإبكاء والتباكي، ولذلك يلازم إحياء ذكرى الحسين إقامة المأتم والحزن والبكاء. (المأتَم والحزن والبكاء العلني والمستمر.)

رابعاً: تأبين الإمام الحسين بقراءة «المقتَل» وكتاب «روضة الشهداء» للملا حسين واعظ الكاشفي السبزواري (ت: 910هـ)، وما اختُصِرَ تعبيره لاحقاً بقراءة الروضة. [الروضة: التعبير الدارج عن مجلس العزاء الحسيني في المجتمع الإيراني] المقتَل هو كتابٌ ترد فيه تفاصيل ضحايا كربلاء باللغة العربية، مثل مقتل أبي مخنف. والروضة هي باللغة الفارسية الدارجة والتركية أو الأردو وأمثالها. ومن هنا تحوّلت قراءة المقتَل أو قراءة الروضة إلى مهنةٍ رائجة، والتي جرى التعبير عنها بقارئ التعزية والنَّــوْح أو المدّاح [في الفارسية الدارجة]، و[الرادود في العربية الدارجة]. تركّز هذه المهنة على تفاصيل ظلامة شهداء كربلاء وأسراها، وقساوة المجرمين والجُناة الغادرين في تلك الواقعة.

خامساً: مجالس عزاء الحسين هي «مجالس لنَيل الثواب». حيث يأتي المعزّون ليخففوا عن أعباء ذنوبهم بذرف قطرةٍ من الدَّمع، ولينالوا الثواب. وقراءة الروضة وسرد المصاب والرثاء كلّما كان أكثر شجوناً كلّما تحصّلت أدمع أكثر، ويزيد الاقبال عليها، وتروج بضاعتها. وإن هذه البضاعة المعروضة لا تعوّل كثيراً على «وثاقة» ما يُنقَل. فبصورةٍ عامّة لا يكون «تعزيز المعرفة الدينية» هدف المتحدّث، ولا مطلب المستمع. الكل يسعى للثواب من أجل غسل الذنوب وتخفيف الآلام.

هذا التلقّي هو من أرسخ العناصر المتجذرة في الثقافة الشيعية؛ وإن عمقها يبلغ حدّاً يجعل المشاركة في العزاء لا تقتصر على فئة المتدينين، بل حتّى غير الملتزمين بالواجبات وغير المتورعين عن المحرّمات الدينية يكفّون عن ممارسة الفسق والفجور في يوم عاشوراء احتراماً لسيّد الأحرار، ويحضرون في مجالس العزاء الحسيني، ويلطمون على صدورهم ويذرفون الدمع. فهم يتدينون في يومَين من أيّام السنة في أفضل الأحوال: في يوم عاشوراء احتراماً للإمام الحسين، وفي يوم 21 من شهر رمضان احتراماً للإمام علي. وهذا «أدنى» نمط من أنماط «التديّن» السائد في مجتمعنا.

القراءة الثورية

برز في إيران في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين تيّارٌ آخر، يمكن أن نسمّيه بـ«التشيّع المناضِل»، متميّزاً بالسّمات الآتية:

أوّلاً: يسلّط الضوء على البُعد المعرفي في حركة الإمام الحسين، ليتحوّل مجلس «نَيل الثواب» إلى مجلسٍ «لتعلّم المعارف الحسينية». وإن الخطيب بدلاً عن تكرار المكررات يعمل على تحديد عنوان واضح لمحاضرته، وينشر نصّ محاضرته لاحقاً. وحين يُنشَر نصّ المحاضرة على الخطيب (وليس قارئ الروضة والمقتل أو النّاعي أو الرادود) أن يوثّق كلامه، وأن يعتني بوثاقة ما ينقل. ومع هذا التيّار تمحورت المحاضرات في البحث عن جذور القضايا في التاريخ الإسلامي بدلاً عن الاقتصار على قراءة المقتل. تُعد سلسلة كتب «گفتار ماه = خطاب الشّهر» التي صدرت خلال الفترة الممتدة بين 1960 و1962 نموذجاً بارزاً من نتاجات هذه القراءة. ومن أبرز الخطباء الذين اعتمدوا مثل هذه القراءة والطريقة هم: مرتضى مطهري، ومحمّد إبراهيم آيتي، ومحمود طالقاني [الذي تمرّ في هذه الأيام الذكرى السنوية الأربعين على وفاته]، وعلي كلزاده غفوري، ومحمّد بهشتىي، ومرتضى جزائري، وموسى الصّدر، وخليل كمره اي، ومحمّد باقر سبزواري، ومرتضى شبستري، وحسين مزيني ومحمّد تقي جعفري.

ثانياً: «التحليل العقلاني» بدلاً عن تهييج العواطف والأحاسيس. إن الخطيب والمستمع [في هذه القراءة] يأتون لاستكشاف وتعلّم قضايا جديدة في مدرسة الإمام الحسين، ليأخذوا بها في حياتهم الفردية والاجتماعية. وفي هذه القراءة لا وجود للتوجّه الشخصي والمهمّة الخاصّة التي حملها الإمام الحسين لبلوغ الشهادة وسبي أهل بيته. وبدلاً عن ذلك تتمحور المحاضرات حول «منطق الحركة الحسينية»، وتُبَرَّز «المطالبات الاجتماعية». وبموجب هذه القراءة أيضاً يُعدّ الحسين مصلحاً اجتماعياً نهض لـ«إصلاح» الانحراف في أمّة جدّه، وليبيّن «معالم الدّين» للمسلمين.

ثالثاً: أصبح عمل الإمام الحسين في هذه القراءة يُعبَّر عنه بنحوٍ تدريجي وبحسب الظرف الزماني بـ«الثورة أو القيام أو النهضة أو الملحمة الحسينية». وصار الإمام الحسين ثورياً ومتمرّداً على ظلم الزمان، ومناهضاً للجور، وخالقاً لمحلمة كربلاء. وقد صيغَت شعارات مثل «إن الحياة عقيدة وجهاد» و«كلّ يومٍ عاشوراء وكلّ أرضٍ كربلاء» (التي لم تُبنَ على أيّ أساس)، واعتُمدَت مقولة «لكم فيَّ أسوة» المنسوبة للإمام الحسين. حتّى أصبح سيّد الشهداء قدوةً لإحداث الثورة ضدّ الظلم، وأصبحت زينب رسولةً لهؤلاء الثوريين المضرّجين بالدماء. وإن العبارة الشهيرة التي أطلقها علي شريعتي تعد شاهداً صادقاً على هذه القراءة: «اولئك الذين مضوا قاموا بعملٍ حسيني، وعلى من بقي أن يقوم بعملٍ زينبي، وإلا سيكون يزيدياً.»! فالأمر لا يخرج عن اثنين، إمّا الشهادة أو تبليغ رسالة الشهداء. وإن لم تفعل أيّ من هذين ستكون عوناً للظلمة!

رابعاً: وفي نهايات الستينيات، ولا سيما في بداية السبعينيات تبلورت لحركة الإمام الحسين قضيّة آخر غير الثورة، ألا وهي «الحكومة الإسلامية». تستمدّ هذه الفكرة رؤيتها من تلك المرحلة في سيرة الإمام الحسين، حين استجاب لدعوة أهل الكوفة والبصرة لإقامة العدل وحكومة الحق، وأرسل مسلم بن عقيل ليطّلع على الأوضاع. وبناءً على ذلك بُرّزَت فكرة «تأسيس الحكومة الإسلامية» على أنّها المطلب الرئيس الذي نهض من أجله ذلك «الشهيد الخالد»، ليكون أنموذجاً دائمياً «للأمّة والإمامة»؛ وهذا أمرٌ لا تسبقه فكرة مثيلة.

خامساً: أصبح «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في صدر تعاليم سيّد الشهداء، وأُحيَت هذه الفقرة المحذوفة من الكتب الفقهية. فقد كانت القراءة التقليدية تضع شروطاً للقيام بهذه الفريضة الإسلامية كعدم المفسدة وفقدان الضرر والحرج على الآمِر بالمعروف والنّاهي عن المنكر. ولكن القراءة الجديدة ذهبت إلى أن الحرج أو الضرر، وإنْ كان ضرراً في الأنفس، لا يمنع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بخصوص القضايا التي يرتهن بها مصير الإسلام والمسلمين. وإن بذل الروح والمال لتحقيق بعض المستويات من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يكون جائزاً فحسب، بل يصبح واجباً. وإذا كان في سكوت علماء الدين تعزيزٌ للباطل فإنّه سكوت مُحرَّم، إذ يجب عليهم الاعتراض وإبراز الكُره للظالم، وإنْ كان ذلك غير مؤثّر في رفع ظلمه. (تحرير الوسيلة للسيّد الخميني) وجرّاء هذا التلّقي تحقق الانتصار غير المتوقَّع لثورةِ شباط 1979 في إيران.

إن «الإسلام السياسي» هو ثمرة هذه النظرة للإمام الحسين ولقضايا كربلاء وعاشوراء والإسلام والتشيّع. لقد عرض الإسلام الثوري قراءته الخاصّة عن الإمام الحسين بصفته قدوة الثورة والنضال خلال العقود الخمسة الأخيرة في إيران. ومن أشهر الكتب التي تعرض هذه القراءة على الرغم من فوارقها هي: «الحسين وارث آدم» (المجلد رقم 19 من مجموعة أعمال علي شريعتي)، و«راه حسين» [طريق الحسين] لأحمد رضائي، (أحد المنتسبين الأوائل لكوادر منظمة مجاهدي خلق الإيرانية)، و«شهيد جاويد» [الشهيد الخالد] لنعمة الله صالحي نجف آبادي، وإلى حدّ ما كتاب «حماسه حسينى» [الملحمة الحسينية] لمرتضى مطهري.

 

مافيات عقود الأدوية تطيح بوزير الصحة وتجبره على تقديم استقالة ثانية

2019/09/15 10:02:02 م

نيويورك تايمز: المخدرات تجتاح البصرة وبغداد والسلطات تحاول إزالة مؤشراتها المعلنة

2019/09/15 10:01:03 م

اتهامات لبغداد تهدد بنسف ضمانات أميركية لتأمين أجواء العراق

2019/09/15 09:59:39 م

الحكومة تنفي استخدام الأراضي العراقية في قصف منشآت سعودية

2019/09/15 09:57:40 م

ترميم سجون نظامية لإخلاء معتقلات تلكيف من الدواعش

2019/09/15 09:56:54 م

الدفاع تضع اليد على ترسانة أسلحة الحشد وتنقلها الى المخازن العسكرية

2019/09/14 09:14:33 م

البرلمان يدشن جلسته بقراءة ومناقشة مجموعة قوانين

2019/09/14 09:13:43 م

رصاص العشائر يشعل الأوضاع في شط العرب بعد يوم من حادثة جندي السماوة

2019/09/14 09:12:53 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق