العراق اليوم

رواسب “الحريم” في مجتمعاتنا الآن

لم أخفِ سروري لحظة تسلمي الأمر الجامعي بتعييني رئيساً لقسم اللغة الإنكليزية بكلية التربية للبنات عام 1999، فهذا الموقع التربوي يشرف المرء، ويترك آثاراً طيبة في نفوس مئات الطالبات الدارسات في القسم المعني، بيد أني ما لبثت أن اكتشفت أني قد دخلت بهذا التعيين حقل ألغام، لا يمكن للمرء الخروج منه سالماً، نظراً لأن هذا القسم الدراسي كان مزدوجاً: (1) القسم الرسمي الأصلي؛ (2) القسم الظل.
أما القسم الأول، فقد تمرست على إدارة مثيل له بكلية اللغات ـ جامعة بغداد قبيل بضعة أعوام من تسلمي العمل بهذا القسم “البناتي” الجديد. وقد اكتشفت بسرعة خاطفة أنني قد عينت رئيساً لقسمين: الأول هو القسم الرسمي، ويحتوي على مئات الطالبات؛ أما القسم الظل، فلا تدرس فيه سوى بضع طالبات من أسر أقارب وأفراد حمايات الرئيس السابق صدام حسين، وكما اسلفت، كانت تلك التجربة أشبه باختبار اجتياز حقل ألغام، يصعب الخروج منه بسلام دون فقدان أحد الأطراف أو معاناة الإعاقة المستديمة.
أما قصة القسم الثاني “الظل”، فتعود الى بضع سنوات سبقت تعييني أعلاه، إذ رغبت كبرى بنات الرئيس السابق صدام حسين بالالتحاق بدراسة اللغة الإنكليزية وآدابها، بعد أن أكملت الدراسة الثانوية، لذا، فقد تأسس هذا القسم بطالبة واحدة فقط؛ وهي طالبة يصعب حضورها صفوف الدراسة مع عامة الطالبات في الكلية؛ وعليه اضطر هذا القسم العلمي ذو الطالبة الواحدة الى إرسال الأستاذات “من الإناث” فقط لتدريس هذه الطالبة المفردة في صف دراسي خاص أطلق عليه اسم “الصف الخاص” داخل مجمع القصر الجمهوري بكرادة مريم في بغداد.
إلا أن ذلك لم يدم طويلاً، إذ جرفت قوة جذب القسم الجديد جميع بنات أقارب الرئيس السابق من المتنفذين والموظفين في “ديوان رئاسة الجمهورية”، زيادة على بنات أفراد حمايته الخاصة، نظراً لأن أغلبهن ينتمين الى أسرة الرئيس نفسها “بنات أعمام وأخوال، من بين آخرين)”.
وقد أتاحت هذه التجربة لكاتب هذه المقالة فرصة الاطلاع عن كثب على طرائق السلطة نحو المواطنين، ليس على النحو القاسي أو مستديم التدمير، وإنما على النحو الذي يضطر المرء فيه الى المناورة والحركة السريعة الحذرة والتمويه؛ لتجنب أي احتكاك بهؤلاء المسؤولين القساة “من الحلقة المحيطة القريبة من الرئيس”، وذلك من خلال تحول رئاسة هذا القسم العلمي الى شيء اشبه ما يكون ببرامج “طلبات المستمعين”: فآباء وأعمام وأخوال الطالبات جميعاً هم من محظيي الرئيس المقربين، وهم لا يتأخرون في تلبية اي رغبة لبناتهم اللائي يداومن في صفوفهن الخاصة بالقسم الظل، لذا لم أكن أتفاجأ بزيارات خاطفة من قبل هؤلاء المتنفذين طلباً للكتب الدراسية مجاناً أو رجاءً بنقل إحدى الأستاذات، عن طريق إعفائها من التدريس في الصف الخاص، ذلك الصف الذي صار صفاً مزدحماً بعد تسلمي لشرف إدارة القسم، أضف إلى ما تقدم، اضطرار المرء للإجابة عن اية استفسارات أو إيضاحات مطلوبة غالباً ما لا تقدمها الطالبة بنفسها، وإنما تطلب من والدها المتنفذ طلبها مني مباشرة “العقيد فلان والمدير العام فلتان، والمستشار الرئاسي علاّن، وهكذا”، وبذلك، كان النجاح في هذه المهمة ليس بحليفي لأنه اشبه بالمشي على زجاج مهشم ممدود على صفيح ساخن.
عليه، كنت شديد الحذر شخصياً، زيادة على توصية جميع الزميلات المشاركات في التدريس بالصف الخاص بالحذر وعدم التمادي في التحديق على الطالبات، نظراً لوجود عدد كبير من بنات المسؤولين من الوزراء وقادة الدوائر الأمنية، من اللائي لا يترددن في إخبار آبائهن عن كل صغيرة وكبيرة قد تحدث داخل الصف الدراسي الخاص، أو اثناء سير التدريس.
وقد بذلت أقصى جهودي للــ”تحرر” من رئاسة هذا القسم، وهذه ليست بالمهمة الهينة لأن “هؤلاء”، إن شعروا برغبتك بالتخلص من هذه المهمة “الوطنية والقومية”، فانهم لا يتأخرون في إنزال أقصى العقوبات بي، حتى إن تطلب الأمر اصطناع تهمة كاذبة.
وهكذا تواصل عملي المضني هذا حتى سنحت فرصة إفلاتي من هذه المهمة “بوصفي ذي الرئاستين”، إذ استفزت إحدى المدرسات المبتدئات واحدة من طالبات “نخبة” الصف الخاص، عندما طلبت منها إغلاق دفترها الامتحاني أثناء المراقبة في قاعة الامتحانات: إذ أقامت هذه الطالبة الدنيا ولم تقعدها: “من هي هذه المدرسة؟”، “عليك بفصلها أو طردها من الخدمة فوراً”، زد على ذلك ما كرره لي المهاتفون”من الجهات الخاصة” على أسماعي من كلمات نابية ضد المدرسة المعنية التي تجرأت على طلب الالتزام بالتعليمات والضوابط الامتحانية، من طالبة الصف الخاص ذاتها.
وهكذا، وبعد مرور بضعة أيام، استدعاني عميد الكلية “وكان هو كذلك من أقارب الرئيس” للاستفسار وللمداولة بحضور عدد كبير من المشرفين على “الصف الخاص”، فيما أقدمت عليه المدرسة المسكينة من إجراء، وإذا كنت قد بررت ودافعت عن هذه المدرسة الشابة لحمايتها وقتذاك، فاني لم أكن أتوقع أمرا جامعيا ثانيا باعفائي من رئاسة هذا القسم، وتعيين شخص آخر ليحل محلي.
ولكن برغم ما اعتراني من سعادة وحبور يوم تسلمي كتاب الإعفاء، كان يتوجب عليّ “تمثيل” دور الحزين والمنزعج مما حدث، كي أحظى بخروج آمن من رئاسة ماكان يسمى بــــ”الصف الخاص”.
كاتب وباحث أكاديمي عراقي

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق