العراق اليوم

من الأمن إلى الأمّة.. علاقة لفظ ومعنى

شيء من اللغة
أحببت أن يكون (الأمن والأمان والإيمان والاطمئنان) محور هذه الحلقة إذ ما أحوج الأمة إلى الأمن والأمان اللذين بينهما ترابط يوصلهما إلى الإيمان المحقق لهما والناتج عنهما، لفظا ومعنى، في الوقت نفسه.
علينا أن نعلم أن الصوت اللغوي ذو علاقة بأصوات الطبيعة، وإنما يخفى علينا التنبه إلى ذلك لأننا انفصلنا عنها، شيئا فشيئا، بفعل التطور المدني الحضاري. وتتجلى تلك العلاقة بوضوح في كلمات اللغة العربية. مما يعطينا مؤشرا أنها كانت منذ أن كان الإنسان جزءا من الطبيعة.
ومن أدلة ذلك الجذر اللغوي (أ.م) الذي يشتق منه الأمن والأمان والإيمان والأمانة.. وغيرها، ثم لفظ (الأمة) و(آمّين) و(الإمام) و(الاطمئنان) وسائر المشتقات المنطلقة من الجذر(أم) – (أمّ) بفتح الهمزة وتشديد الميم، ثم (أمن).
نرى أن هذه المصطلحات تعود إلى لفظة (الأم) المتكونة من حرف (م) وما الهمزة إلا حركة للنطق بحرف الميم الساكن. ونلاحظ أنّ أكثر لغات الأرض المعروفة قديما وحديثا تتضمن صوت الميم في الكلمة الدالة على الأم. ففي اليونانية Μητέρα)) وفي اللاتينية (mater) والفرنسية(MERE)  والإنكيزية (Mother) وفي الألمانية (Mutter) وفي الأسبانية (Madre) وفي الأردية والفارسية (مادر) وفي العبرية: إيما (אמא).. وهكذا.
فلفظ (أم) في العربية حرف واحد، وصوت قبله. وفي العبرية ثلاثة حروف. ثم تتكاثر حروف الكلمة الدالة على الأم بتكاثر اللغات نتيجة التطور والتغير عبر العصور.
الأم لفظة دالة على التلازم والترابط، ومنهما تتكون الأمّة، على ما هو واضح في اللفظ. وكذلك في المعنى فلا أمّة بلا ذلك التلازم والترابط بين أفرادها. والأمن من أبرز صور الترابط، وكم يشعر الطفل بالأمن وهو في أحضان أمه! 
ونجد علاقة لغوية قويّة بين (الأمّة) و(الأمان)، علاقة موضوعيّة، وعلاقة لفظيّة أيضا. أمّا العلاقة الموضوعيّة فإن مفهوم الأمّة لا يمكن أن يتحقّق إلاّ بتوفّر الأمن والأمان والاطمئنان. أما العلاقة اللفظيّة فالاشتراك في الحروف المكوّنة لكلّ من المصطَلَحَين.
الأمن يلتقي مع الإيمان والاطمئنان، ونستطيع أن نقرّر أنّ خيمة الإيمان تُظلّ المؤمنين على اختلاف مستويات إيمانهم، مع ضرورة التمييز بين مؤمن صادق بإيمانه، وآخر يُبطن البغضاء والعداء، ويُظهر التّقى والإيمان تجارة بهما وإساءة للناس. وهذا الصنف الأخير ينال جزاءه وَفقا للقانون إن ذهبت به مشاعره الى إلحاق الأذى بالآخرين، أو النّيل من كرامتهم وأمنهم واطمئنانهم. ومهما نقّبنا في كتب السيرة والتاريخ فلن نجد حادثة واحدة جديرة بالثقة تذكر أنّ الأنبياء ارتضوا السلوك المؤدي إلى إلحاق الأذى بالناس والعدوان عليهم. بل إن القرآن اعتبر ردّ الإساءة إساءة لا حسنة، ثم حث على التسامح (وجزاءُ سيئةٍ سيئةٌ مثلُها فمن عفا وأصلح فأجرُه على الله إنّه لا يحبّ الظالمين).
وثمة لفظة أخرى هي (الاطمئنان) التي حار فيها الأقدمون من علماء اللغة والمفسرين فقد رأى بعضهم أنّها من الجذر اللغوي (طمأن) ورأى آخرون أنها من (طأمن). وكل من هذين الرأيين بحاجة إلى حوار. ولذلك تجنبها آخرون.
نرى أن اللفظة من الجذر (أمن) ثم احتاج الناس إلى التعبير عن ناتج هذا الأمن فكان الاطمئنان، ولا اطمئنان بلا أمن يستظل به الناس. وفي اللغة نظائر عديدة لهذا الأسلوب في الاشتقاق، جريا على القاعدة اللغوية المعروفة (كل زيادة في اللفظ تتبعها زيادة في المعنَى) والأمثلة كثيرة كالذي سبق ذكره في حلقة سابقة عن (الهيمنة والسيطرة).
ولننظر في لفظة (آمّين) بمعنَى قاصدين. فهي لفظة جامعة بين الأمّ (بفتح الهمزة) بمعنَى القصد، والأمن، بل نراها مركبة منهما. ولك أن تعرف أنها في جميع اللغات المعروفة باللفظ نفسه تقريبا. فأما (القصد) فلا نظن أحدا يقصد مكانا أو شيئا إلا إذا كان يشعر بالأمن به وفيه. واكتسبت اللفظة معنى (استجب) في الدعاء، لأن قائليها يريدون استجابة الله لهم فيشعرون بالأمان.
فقل: آمين… فعسى أن يستجيب الله لنا ويجمع شمل أمتنا المتبدّد المتشتت.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق