اخبار العراق الان

رفع الحصانة…

 د. لاهاي عبد الحسين

لم يكن أسلوب النائب فائق الشيخ علي مناسباً أو طيباً وهو يطيح بحنان الفتلاوي من زاوية استنفرت مشاعر العراقيين نساءً

ورجالاً لكونها مسألة أخلاقية حساسة وضعت بطريقة تنطوي على التعميم استخدم فيها أقدم الأسلحة وأسوأها من خلال القدح بالسمعة والسلوك الشخصي. بيد أنّ الفتلاوي بالمقابل لم تكن أقل شراسة وشراً منه. فقد أستهزأت به وشتمت التيار المدني الذي يمثل ملايين العراقيين والعراقيات وتنمرت على الكثيرين بما في ذلك رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق الدكتور حيدر العبادي عندما قذفته بقناني الماء في قاعة مجلس النواب العراقي بمشهد تمّ تسجيله وعرضه على وسائل التواصل الاجتماعي أثناء حضوره جلسة مساءلة وحوار.

ولاذت بالنهاية بذات السلاح المستهلك والقديم من خلال التعلق بكينونتها كإمرأة ورفعت راية المظلومية! ساهم كلاهما بإشغال المجتمع بجدل عقيم صرفا من خلاله الإهتمام بقضايا أكثر أهمية وقاما بتسفيه الدور الذي يفترض أنْ يضطلع به المسؤول في دولة لا تكاد تقف على قدميها جراء التفكك والإنغلاق والتعايش الموارب الحذر بين المواطنين والباعث على التوتر والأضطراب فيما بين مختلف الجماعات. حالة مستدامة من القلق والتحسب التي تساهم بهدر الطاقات والإمكانات في مجتمع لا زال يئن من الحاجة لأي جهد مخلص ودؤوب. ولعل الأكثر مدعاة للأسف وسوء الطالع أنْ تفتح قنوات تلفزيونية عديدة أبوابها لإستضافتهما كلاً على حدة من أجل المزيد من التندر بما يصدر عن هذا وذاك دون التوقف عند الرسالة التي تساهم في بثها للأفراد والمواطنين. موقف يضع علامة استفهام كبيرة عن مدى الوعي والإلتزام والشعور بالمسؤولية الاجتماعية والوطنية العراقية من قبل إدارات هذه القنوات التي يفترض أنْ تهتم بالأهم فالمهم وتجهد للبحث عن الحقيقة بحيادية وتجرد دون تحميل السائب والهامشي أكثر مما يحتمل. 

من جانب آخر، عبرت موجة التعاطف التي حظيت بها الفتلاوي بدوافع عامة وليست خاصة عن التمايز البيّن بين الدولة والمجتمع. ظهر على هذا الصعيد أنّ المجتمع ممثلاً برجال ونساء يعيشون فيه ويعتبرون أنفسهم جزءاً منه تصرفوا بطريقة جعلتهم يظهرون أعلى مستوى وأرفع مرتبة من ممثليهم المنتخبين. فقد عبر هؤلاء الرجال والنساء عن مواقف تنأى بنفسها من القاع الذي قبعت فيه المنازلات الكلامية بين الطرفين المعنيين وتدعو إلى وقفها احتراماً لمكانتيهما الرسمية وحفاظاً على كرامة المرأة ككائن إنساني ومواطن عراقي فعال، من حيث المبدأ. كان هناك الكثير من الأسف وخيبة الأمل الأمر الذي شهد للمجتمع العراقي بأنّه أكثر تقدماً وأكثر وعياً والتزاماً بأخلاقيات الحياة العامة ممن يدعي تمثيلهم والعمل من أجلهم. كان يمكن للسيد النائب وغريمته أنْ يستمعا إلى صوت المواطن ليدركا مقدار الهوة التي اختارا النزول إليها ولكنّهما امتنعا عن ذلك “مع سبق الإصرار والترصد”. وكان يمكن لأحدهما أو كليهما على السواء أنْ يلبس ثوب الحكمة والتروي ليعالج الموقف بالتجاهل أو التراجع وحتى التلاقي للحيلولة دون مزيد من الإستهانة والإستفزاز لو أنّهما وضعا واجبهما الرئيسي في خدمة البلد وتشريف الوظيفة التي يتوسمانها نصب أعينهما. ولكنّهما لم يفعلا ذلك. فقد أختارا المواجهة والمنابزة ليزداد خطابيهما ركاكة وانحداراً. بالمحصلة، كان لا بدّ لمجلس النواب أنْ يتصرف ليقول إنّه موجود مما أدى به إلى إتخاذ قرار مفاجئ برفع الحصانة عن النائب الشيخ علي والإنتصار لمن أخذت على نفسها أنّها المعنية بما ينشر ويقال دون أنْ تجد من يقول لها إنّها لم تكن أقل شراسة منه على أية حال. وقع مجلس النواب العراقي بذات الفخ الذي وقع فيه الطرفان المعنيان من خلال تغليب طرف على طرف دون الإقرار بأنّهما يتحملان وزر ما بدر عنهما على مدى الأيام القليلة الماضية، بالتساوي. 

آن الأوان ليدرك الجميع أنّ النظرة التقليدية للمرأة قد تغيرت. لم تعد المرأة لتمثل تلك الكتلة الصماء البكماء التي يشار إليها بإعتبارها هدفاً للإساءة والأذى والإضطهاد. فمن النساء من أججن الحروب ونشطن فيها ومنهن من خدم العدو وساهم بالخراب والجريمة والإرهاب ومنهن من حرمت أباً من رؤية أبنائه وتسلطت وتجبرت وأستغلت إنسانية شريكها ومنهن من أساءت الظن وخانت الأمانة. ومنهن أيضاً من لم تر في العمل السياسي إلا وسيلة للوصول إلى وظيفة أعلى ومكانة أفضل بغض النظر عما ترتبه الوظيفة والمكانة من مسؤولية أخلاقية يجتهد العالم اليوم ليتشح بها بعد أنْ بلغ السيل الزبى من خلال إستهانة السلطة والمنظومة السياسية بحقوق المواطنين وأولويتهم في جدول أعمال أي سياسي وصاحب منصب أو وظيفة رسمية على وجه الخصوص. 

يبقى التذكير بما يدور بخلد المواطن العراقي من تساؤلات مشروعة يسمعها القاصي والداني والجاهل والعالِم تفيد في أنّ مجلس النواب العراقي لم يتحرك ضد نواب أحدثوا إساءات أكثر حيفاً بحق المجتمع مما فعله الشيخ علي. منهم من فرط بواجباته وتنصل عن مسؤولياته ابتداءاً بمن تغيبوا ولا زالوا يتعالون على حضور جلساته وأداء دورهم المتوقع فيه. ومنهم من داوموا وواضبوا على الحضور ولكنّهم كانوا أشبه ما يكونون بالجثث الهامدة تاركين لرؤساء كتلهم أمر اتخاذ القرارات ورسم التصورات ليتجسد دورهم في “الموافقة”، فحسب. وليس أقل من هؤلاء هوناً على المجتمع وما ينوء به من دعاة الدين والمذهب والعشيرة ممن لا يهمهم إلا تأمين المناصب للمقربين منهم ليؤمنوا لهم الهيمنة على مقدرات البلاد وثروتها لخدمة مصالح الجماعة وليس الجميع من مواطنين لا يملك أحدهم إدعاء أنّه فوق القانون. 

صعدّ أمر الإساءة إلى إمرأة من منسوب الغيرة الذكورية بإسم الدفاع عن شرف العراقيات وحمايتهن من التجاوز والتطاول. ولكنّ الأمر لم يكن كذلك بحق ملايين النساء من المهجرات والنازحات وجيش الأرامل والمطلقات ممن تعرضن ويتعرضن لثلمات لا تمحى أصابت جوهر ذواتهن الإنسانية. ستحضى المرأة العراقية بالحماية والعناية والأمن والأمان عندما تجد أنّها حاضرة في كل القوانين التي تهم المواطن العراقي بلا استثناءات وتعطى ذات الفرصة بالدراسة والعمل وتأمين مستلزمات الحياة الحرة الكريمة كفرد إذا لم تكن متزوجة وكجزء من وحدة عائلية إذا كانت متزوجة تشارك في تحمل أعباء مشتركة مع شريكها في الحياة. ولن يهم المرأة العراقية أنْ تخصص وزارة خاصة بشؤون المرأة لها تحصن بجهاز حماية من جمع من الرجال الأشداء ومكتب أنيق فقط ليقال أنّ هناك من يعنى بالمرأة. لم يعد الكلام مجدياً أمام جبروت الفعل وضرورات التحرك المسؤول لتحقيق الفرق على مستوى الواقع المعاش. 

في الوقت الذي يتحرك فيه مجلس النواب العراقي بسرعة خاطفة للنيل من نائب لصالح فرد آخر، يشكو المواطن العراقي تباطؤ العمل على مستوى اتخاذ الإجراءات الإدارية الخاصة بتمشية معاملاته اليومية والتي تمس جوهر حياته. يزيد هذه الظاهرة تعقيداً تعطيل العمل في مؤسسات الدولة بمناسبة رسمية وغير رسمية تجعل الوقت بالنسبة إليه مما لا قيمة له. وهذه حملة رفع التجاوزات التي تمارس بنشاط في عدد من المحافظات العراقية في البصرة وكربلاء وبغداد والتي تمس أكثرية من النساء المعوزات والمستضعفات ممن كان يمكن أنْ يحظين بإهتمام الدولة ومؤسساتها الفاعلة من خلال تخصيص قطع أراضي وتوفير سلف للبناء بدل التغاضي عن مصائرهن في هذه الظروف العصيبة. ظروف تشهد تفاوتاً متنامياً وخطيراً على مستوى ممارسة الحق الطبيعي للعيش كمواطن يحظى بما يستحقه من الرعاية والإهتمام. بيد أنّ هذه من الأمور التي لا تهم مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسة التي تتحمل مسؤولية تشريع القوانين لتحسين نوعية الحياة وعدم الإكتفاء بترقيعها والتغطية عليها. المهم فقط “جبر الخواطر”. 

النائب المترفع عن أداء اليمين الدستورية

2019/09/18 06:31:45 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق