اخبار العراق الان

مأزق الإعلام والنظام السياسي في العراق

 سمير الصميدعي

كان من ضمن الأمور التي اضطلعت بها أبان عضويتي في مجلس الحكم عام ٢٠٠٣ وبصفتي رئيس لجنة الإعلام فيه،

إعداد قانون ” الهيئة العامة للاتصالات والإعلام” وقد فعلت ذلك بمساعدة من خبراء دوليين. وبعد المداولة داخل اللجنة طُرح مشروع القانون على المجلس وجرت مناقشته وأقر، وبذلك ولدت الهيئة العتيدة.

كان القانون يستهدف إقامة مؤسسة إعلامية مستقلة عن الأحزاب السياسية والحكومة يقوم بالإشراف عليها مجلس أمناء يؤلف من شخصيات مستقلة مشهود لها بالوطنية تتمتع باحترام واسع في المجتمع وذلك على غرار مؤسسة ألبي بي سي البريطانية. الا أن روح القانون والأهداف التي كانت تجسدها لم تصمد أمام الهجمة التي قامت بها أحزاب الإسلام السياسي للهيمنة على كل شيء. وبالنتيجة سُيست هذه المؤسسة التي كان يمكن لها أن تكون مشعلاً للإعلام المتوازن في المنطقة بأسرها ، مثلما سُيست مؤسسات أخرى نص الدستور على أن تكون مستقلة كالهيئة العامة للإنتخابات وغيرها. 

انتهى إذاً أي دور رقابي للاعلام الوطني الرسمي وتحول إلى بوق يتغنى بالـ “إنجازات” ويتحاشى التطرق إلى الفشل الفاضح في الأداء الحكومي أو تحليل أسبابه. 

لننظر إلى موقف الإعلام من الفساد المستشري.

أصبح الفساد المالي والإداري في العراق ظاهرة ثابتة متجذرة مرتبطة بنيوياً مع النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية والعنصرية، وبلغ مستويات قل مثيلها في أفسد العالم. كما انتشر على كل مستويات هرم الدولة وتسرب إلى الأعراف الاجتماعية والعشائرية بواسطة مجاميع الجريمة المنظمة والمنظمات الإرهابية وتشابكها مع بعض أجهزة الدولة أو تلك المحسوبة عليها. هذا الفساد لا يقتصر ضرره على هدر الموارد وإفقار الشعب بل يتجاوزه إلى إضعاف الدولة وهيبتها وشرعيتها وزعزعة الأمن وطرد الإستثمار الأجنبي وانهيار الثقة بالحكومة والقيادات السياسية. 

في هذه الظروف الاستثنائية يمكن أن يلعب الإعلام دوراً محورياً في كشف هذه الظاهرة وحجمها والمتلبسين بها ومناقشة وسائل معالجة تجلياتها المدمرة. وللإنصاف نقول إن بعض القنوات ما زالت تتصدى لظاهرة الفساد ولكن غالباً ما يكون ذلك في إطار التشهير والتقسيط ويندر أن تجد فيه مناقشة معمقة للمخارج والحلول التي يجب أن تكون سياسية وثقافية قبل أن تكون إدارية. وانقسمت القنوات بين مطبل ومزمر وبين ساخط لاعِن ولكل جمهوره الذي يداري مزاجه. 

أما الإعلام الرسمي الذي تموله الدولة (إعلام الهيئة العامة المذكورة) فلا هو في العير ولا النفير وإن كان أقرب إلى التطبيل والتزمير، فهو يؤثر السلامة بأن يتحاشى الموضوع برمته إلا إذا أوعز له بنشر خبر عن كبش فداء صغير يراد به صرف الأنظار عن حيتان ابتلعت القمر وما حواليه. 

في الآونة الأخيرة ظهر التقرير الذي بثته قناة “الحرة” حول ظاهرة الفساد في مؤسسات دينية في العراق، فاندلعت حوله زوبعة من الاستنكار والتنديد كانت بأغلبها تتهم نوايا القناة وأجندتها العدوانية. 

وقد أورد التقرير جملة ادعاءات محددة بالأسماء والأحداث والوثائق، والشخصيات التي تناولها التقرير شخصيات تعمل في الدولة بوظائف يتقاضون عنها رواتب من المال العام ويفترض أن يكونوا مؤتمنين ويتصرفوا بالأموال بالوجهة القانونية المحددة بالميزانية ويخضعون كسائر موظفي الدولة للرقابة المالية. وكون هذه الشخصيات لها صفة دينية تجعل المسؤولية على عاتقهم أكبر لأن من يعمل باسم الدين يفترض أن يكون مثالاً للنزاهة والأمانة. 

أما ردود الفعل المستنكرة فلم تتناول الادعاءات بتفاصيلها وتناقش حيثياتها وتفندها بل اعتبرت أنها بجملتها اعتداء مرفوض على الدين ورموزه وهذا يكفي لإدانتها. 

إن كان أي ادعاء في التقرير كاذباً يمكن تفنيده بالحجة والدليل ونكون بذلك كشفنا عن عدوان إعلامي مشين يستدعي محاسبة القناة وفق القانون أما إذا كان الادعاء مبرراً فرد الفعل الصحيح يكون في فتح التحقيقات من قبل جهة رقابية مستقلة لضبط أي تجاوز على المال العام ومحاسبة المتجاوزين. 

هذا في الأحوال الطبيعية وفي “دولة” طبيعية. أما عندنا فما شاهدناه هو استنكار عارم لتجرؤ “الحرة” على الدين والمرجعية! كلام غريب فالتقرير لم يتطرق إلى المرجعية الكريمة. الكل يعلم أن المرجعية قد بح صوتها من النهي عن الفساد والتحذير من مغبته وضرورة معالجته. وهذا التقرير (إن صحت ادعاءاته) خدمة كبيرة لأهداف المرجعية المعلنة. 

الغريب أن الكل ينادي بمحاربة الفساد ولكن عندما تكون الحرب فعلية ويؤشَّر بعض كبار الفاسدين ينقسم الجمهور بسرعة إلى قسمين ، الأول وهم أكثر الناس المتضررين من الفساد يطالبون بالتحقيق والمحاسبة والمنتفعون يهرولون إلى خنادقهم ويستخدمون الأغطية المتاحة (في هذه الحالة غطاء الدين وهيبة المؤسسة الدينية وحتى – بتجاوز وقح – المرجعية). 

استمرار الفساد ممكن فقط بمدافعة مستميتة من المستفيدين منه وهم كثر باستخدامهم أي غطاء تمويهي مجرب مثل الدين والقدسية ورفض التجاوز على الرموز الوطنية وما إلى ذلك لتكميم الأفواه مع رفض الخوض بالتفاصيل وتسمية الشخصيات الكبيرة المتورطة وحصر الحديث بالعموميات التي لا تغير من الواقع شيئاً. 

وإلى الآن كفة حيتان الفساد وثعالبهم والمدافعين عنهم هي الراجحة. ولكن إلى حين. فبمساعدة تقارير جريئة مثل الذي شاهدناه على الحرة يزداد الوعي وتنكشف مخابئ المزيد من الفاسدين وأساليبهم والذين يدافعون عنهم. ولا يهمنا من يكشف الحق، أكان عدواً أو صديقاً. إعرف الحق تعرف رجاله. 

نعود إلى موضوع الإعلام الوطني ودوره. كنت أتمنى أن يكون مثل هذا التحقيق قد صدر عن مؤسسة وطنية رصينة كالتي كان بنيتنا إقامتها وأحبطت. وأن يكون الصحافيون فيها مهنيون أحرار لا سيادة عليهم إلا للحقيقة يخضعون لرقابة نزيهة مستقلة تضع مصلحة البلد فوق كل مصلحة. ولكني أدرك تماماً أن ذلك القطار قد ترك المحطة فإن لم يصده مصد يوقفه فهو متجه إلى هاوية أسوأ بكثير مما نحن فيه الآن. لذلك علينا التفكر في الوسائل السياسية العملية الفعالة للخروج من هذا المأزق وتدارس خارطة طريق واقعية والتوافق عليها وليس البقاء في حالة التأرجح بين اليأس التام والأحلام التي لا يمكن تحقيقها. وكشف الحقائق هو إحدى المداخل الضرورية لذلك. 

ملف المغيبين فـي العراق إلـى أين؟

2019/09/17 07:01:32 م

فيشت العيج والحدود العراقية الكويتية

2019/09/11 07:58:12 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق