العراق اليوم

فائق الشيخ يجعل من نفسه مشروعاً لتصنيع شهيد

ظاهرة فائق الشيخ علي، وصلافته الصادمة، ذكرتني ما حدث عام 2004 حين هاجت هولندا وماجت، على أصداء جريمة قتل المخرج السينمائي الهولندي ثيو فان خوخ(1) (من سلالة الرسام الهولندي المعروف فنسنت فان خوخ) على يد شاب مغربي، إثر حملة شعواء لهذا المخرج على المسلمين والإسلام. ثيو كان سكيراً ومدمن مخدرات يكاد يتخصص في صناعة برامج وأفلام الجنس الهابطة جدا، بعد فشله المتكرر في عمله.
التشابه بين فائق وثيو ملفت للنظر. فقد تميز الاثنان بالسطحية والفراغ الفكري من جهة، وكثرة الضجيج والصلافة من جهة اخرى. لكن الملاحظة الأهم هي انهما دخلا فجأة في نوبة من اللغة الشديدة البذاءة غير المعتادة على مجتمعهما، واكثر بكثير حتى من صلافتهما المعروفة، وبدون سبب واضح. فلا تكفي مقدمات العداء بين فائق الشيخ والنائب السابق حنان الفتلاوي وسجالاتهما لتفسير مستوى انحدار لغة فائق الشيخ إلى هذه الدرجة وتعريض نفسه للحساب بل والخطر، ولا يكفي الهبوط الأخلاقي المعروف لثيو لتفسير لغته في هجمته على المسلمين.
لكنه حين توجه الى معاداة المسلمين فجأة، قفز قفزة جديدة في الانحطاط. مثلا، في خضم حملته مرةً كان من المفروض ان يقدم برنامجا للمناقشة يشارك فيه رئيس حركة عربية اسلامية في بلجيكا (الرابطة العربية الاوربية)، أبو جحجح، فقدمه قائلا: “اقدم لكم قو… محمد”! مما ادى الى ان يترك ابو جحجح المكان فوراً محتجا، كما تركه ايضاً الضيف الآخر رئيس حزب الديمقراطيين 66 صارخا بوجه ثيو “انك جلف غير متحضر”.
ومن عباراته المعروفة قوله أن “المسلمون ناكحوا الماعز”!، ولم يسلم الله نفسه من عبارات ثيو الشديدة العدوانية في شتائمها، لكنه والحق يقال، لم يحصل من الهولنديين على الدعم الذي حصل عليه فائق من بعض العراقيين، ربما للفارق في التربية بين الجانبين.
ثيو فان خوخ ختم حملته بإنتاجه فلماً مهيناً للإسلام يظهر امرأة عارية (ترتدي رداءاً اسود شفاف جدا) اثناء الصلاة وتخاطب الله وتحدثه عن تجاربها الجنسية بشكل شبق، وقد كتب على جلدها آيات قرآنية إمعاناً في الإهانة، وشاركته في هذا الإنتاج الصومالية أيان هرسي علي، المعروفة بتخصصها بنفس الاتجاه المعادي للإسلام والمحرض ضده. 

هكذا تم تهيئة الجو لاغتيال ثيو! الآن لو قتل هذا الرجل، فلن يشك احداً بأن قاتله مسلم وأنه قتله بسبب إيمانه بالإسلام، وسوف يمكن اثارة هولندا واوروبا بل والعالم كله ضد الإسلام والمسلمين، ولصالح من يحتاج الى شيطنتهما لتبرير وحشيته ضدهما!
وزيادة في التأكد، يبدو انهم وجدوا مسلماً مستعداً للقضية أو يمكن تلبيس التهمة به، فقتل فان خوخ في صباح احد الأيام وهو على دراجته، وامسك المتهم الذي سمي “محمد بويري”، وتمت محاكمته. وطبعا لم نر محاكمته، ولا يدري احد كيف جرت لكن ما قالته الصحف انه اعترف بالجريمة. وفوق ذلك انه ترك في موقع الجريمة رسالة مع سلاح الجريمة (سكين).
باختصار، الرسالة غريبة كأنها صممت لتكون جزء من قصة درامية من قبل شخص لا يعرف الإسلام.  كذلك ظروف الجريمة مشبوهة جدا، حتى ان صديقة ثيو فان خوخ، وكانت ممثلة معه، انتجت فلما وثائقياً عرضت فيه المغالطات التي قدمتها الشرطة للناس، وكانت مغالطات خطيرة تبين أن الشرطة كانت على علم بكل شيء قبل ان تقع الحادثة وانهم كان بإمكانهم منعها لو أرادوا، بل وكشفت كذبهم في اكثر من نقطة في مؤتمرهم لإعلان بيان الجريمة وكذلك انهم ضللوا الصحفيين واقتادوهم الى شقة أخرى على انها شقة القاتل، بعد اعتقال صاحبها الأصلي! وهناك تفاصيل أخرى كثيرة لا مجال لها هنا، من خلالها كان من الواضح ان الأمن الهولندي، ان لم يكن هو من نظم عملية القتل فأنه تواطأ ليدفع بالقاتل ليقوم بجريمته، واتاح له الفرصة كاملة ليفعل ذلك.

ما أردت قوله من ذلك ان هناك من كان يخطط ويعمل لخلق “شهيد” من ثيو فان خوخ، ولا استبعد احتمال ان يكون الأمر مماثلا في قصة فائق الشيخ علي. فالتشابه بين قصة ثيو وقصة فائق الشيخ علي تشابه صادم! فكلاهما يهاجم الإسلام والمسلمين بشكل مجنون، وبصلافة تسبب الصدمة لمن يستمع إلى أي منهما. كلاهما فارغ تماما ويعتمد عبارات غير معتادة في شدة انحطاطها، وتبدو مصممة ليحفظها الناس لخروجها عن المألوف، ولا يقدم أي منهما شيئا محدداً للمحاججة، فالمحاججة ليست ميدانهما المناسب.

لقد مشت خطة صنع الشهيد ثيو فان خوخ في طريقها المخطط، فسقط الرجل في فخ محكم ووضع نفسه في موقف يكون قتله مناسباً تماماً لمخططات القوة الكبيرة التي كان يظن انها تدعمه. ورغم ان المسلمون في هولندا عانوا بعد مقتله، فان نتائج تلك الجريمة لم تكن بالدرجة التي يطمح لها مخططوها، والسبب الرئيسي هو ثقافة الشعب الهولندي، الذي كان يشعر، رغم استنكاره للجريمة، بأن هناك شبهة في الموضوع، خاصة بعد عرض هذا الفيديو وبعد مناقشات تلفزيونية كثيرة. إضافة الى ذلك فأن معظم أصدقاء ثيو ادلوا بشهادات ضده فمنعوا تضخيمه وجعله شهيداً، حتى والدته نعته بكلمات فيها من توجيه اللوم اليه اكثر مما فيها من الحزن عليه أو إدانة قاتله!

لكن هل يعقل ان يقوم الخندق المتآمر، بقتل أصدقائه بنفسه أو التسهيل لذلك؟ إن هذا يبدو صعب التصديق بالنسبة لإنسان طبيعي، لكن ليس كل البشر من هذا النوع.
في مقالتي “المؤامرة ليست نظرية- عالمنا يغرق بالمؤامرات!” (2) اشرت إلى دليل رسمي قاطع، بأن الولايات المتحدة تقر، بل وتوجه بشكل منهجي، بقتل “أصدقاءها” عندما يكون ذلك في صالح مخططاتها! فقد جاء في دليل “العمليات النفسية” للمتعاقدين مع وكالة المخابرات المركزية من متمردي الكونترا في نيكاراغوا في ثمانينيات القرن السابق، تأكيد على أهمية الاستعداد لاغتيال شخص ما من جماعتك لخلق “شهيد” للقضية التي تعمل لأجلها.(3)
وحين سأل الصحفيون ريغان عن حقيقة ذلك، لم يستطع ان ينكر، لكنه تحجج بأن ذلك الفصل تم حذفه لاحقاً! (4)

والحال هذه، فلا عجب أن تكون تلك السياسة قد طبقت في مختلف انحاء العالم حيثما وجدت الجيوش الأمريكية وتعرضت المصالح الأمريكية للخطر أو تطلبت الأجندة الإسرائيلية ذلك. وهذا يقودنا بالضرورة إلى إمكانية، بل إلى حتمية حدوثه في العراق. فلا يوجد مكان في العالم مرشح لمثل هذا الحدث أكثر مما هو في العراق، ولا يوجد مكان يمكن فيه للأمريكان ان يقتلوا من يشاءون وبدون ترك أثر أفضل من العراق!

فائق الشيخ علي ايضاً، مثل ثيو فان خوخ، يضع نفسه اليوم في موضع قد ترى القوة الكبرى التي تسيطر على العراق مصلحة لها في ان تصنع منه شهيداً. ولا استبعد ان تلك الجهة، وكما هو الأمر غالباً، هي من دفع فائق الى هذا الفخ، وهي من شغلت اعلامها ليصنع قصة درامية، ويجعل منه بطلا من ابطال محاربة الفساد، رغم كل الحقائق. وإذا اكتشفت هذه الجهة أن من مصلحتها ان يقتل فائق الشيخ، لدفع الهياج الى مرحلة أبعد مثلا، فلا شيء سيمنعها من قتله بعد ان تهيأت كل الظروف لذلك.
الحاجة موجودة بالتأكيد. ففي الأشهر الأخيرة، ورغم كل التغطيات، صار الحكم مفضوحاً تماماً وصار الذين ارتكبوا جريمة تعيينه بخلاف الدستور يتنصلون الواحد بعد الاخر من مسؤولية تلك الجريمة بحق شعبهم، ويلقي كل منها إياها على الآخر.
لكن من يدير الخراب في العراق يبدو مصراً على دفع عبد المهدي لإكمال جريمته، وهو بحاجة الى كسب بعض الوقت لذلك. وخير طريقة هي  اشغال الناس لشهر او اكثر بجريمة قتل وتصويرها على انها صراع اجتماعي خطير واثارة فتنة جديدة ينسى الناس فضائح عميلهم بفضلها.
الحاجة إذن موجودة، وكذلك الظروف. فقد تحدد القاتل مسبقاً وقبل حتى وقوع الجريمة. أنه الفتلاوي او عشيرتها! ومثلما لم يكن الجمهور يسأل فائق عن الأدلة والوثائق التي تثبت كلامه، فلن يسأل بالتأكيد بعد جريمة قتل، خاصة في حالة الهياج التي تصاحب الجريمة، والتي تمنع التفكير.

قبل ان تأتينا تلك الحالة دعونا نفكر في ما تعرضه مسرحية فائق الشيخ، وقصة غضبه من الفساد الخ. الحقيقة ان الرجل لم يقدم أية وثيقة تدين أي فساد في يوم من الأيام، ولم يقم بأي تحقيق جدي أو استدعاء لسياسي متهم بالفساد يوماً ما. أما بالنسبة لحملته التشهيرية، فلم يكن هجومه أصلا بصدد فساد، إنما كان صريحاً بعباراته الجنسية الواطئة والفشار المنحط، وبشكل لم يعرف العراق مثله على مستوى المسؤولين. وكل ذلك لا يبدو مفهوماً إلا بتعمد التسبب بصدمة كافية تفقد الجمهور قدرته على التفكير، كما هي العادة في قصص صناعة الشهيد، ولا يفسر الضبابية التي اضاعت مقاييس داعميه إلا نجاح تلك الصدمة في عملها.
لقد غيبت حقيقة أن سحب الحصانة، ليس سوى إجراء روتيني بسيط يستعمل كلما أراد القضاء النظر في شكوى ضد نائب ما! إنه ليس حتى اتهام مباشر بل اتاحة الفرصة للقضاء، إن أراد، لتوجيه الاتهام اليه! لكن الإعلام الموجه بدقة مدهشة جعل من ذلك الإجراء وكأنه “عملية اعدام لمناضل قام بها فريق الساسة الفاسدين”، لأن الرعب اصابهم من بطولات فائق الشيخ!
أما الحقيقة فمن البلاهة تصور أن أي فاسد يمكن ان يخاف أو حتى ينزعج من هذه المسرحية. إن ما يخيف الفاسدين ليس ان تهاجمهم جميعاً بالصراخ، بل ان تفضح واحداً منهم، وتثبت ادانته وتحرص ان توصله الى السجن أو المشنقة. عندها فقط سيرتعد الفاسدون جميعاً! أما مسرحية فائق الشيخ الغاضبة على الجميع المهددة للجميع، فهي ذات المسرحية التي استخدمها كل من انتفخ لـ “الإصلاح” منذ أيام صاحب “اليد من حديد” وحتى “الإصلاحيون الجدد” من الكذابين الذين جاءوا بعبد المهدي مروراً بالمشايخ التي تلقي مواعظها الحميمة المتظاهرة بالغضب في خطبة كل جمعة. إنها مواعظ لا يجد الفاسدون مشكلة فيها، بل لا يمانعون من حضورها والتمتع بها وهم مطمئنون تماما إلى سلامتهم. ورغم ذلك تنطلي الحيلة المكررة المرة تلو المرة، هذه المرة أيضا، وهذا يكشف حجم الحملة وحجم الجهة التي تقف وراءها.

إنني لا اخفي اشمئزازي من شخصية فائق الشيخ علي، (مثلما كنت اشمئز من ثيو فان خوخ تماما) وقبل حملته هذه، لأني رأيته دائما كمحتال. ولست قلق على حياته، لكن ما يهمني ويقلقني ان يتم تحويله الى شهيد يستخدم لشرخ المجتمع العراقي شرخاً جديداً في وقت في غاية الحرج، في ولاية شخص يقوم كل يوم بتوقيع تدمير جديد للعراق لحساب المخططات الأمريكية ويسعى لرهن نفط العراق للشركات النفطية وصندوق النقد الدولي، وتحويل اقصى ما يستطيع من أموال الناس إلى لصوص كردستان ومن هناك الى جهات مجهولة، كما شرحت في مقالة مفصلة بعنوان ” لماذا عبد المهدي أخطر من غيره؟”(5)

هذا هو ما اخشاه، وما اسعى للتحذير منه من جهة، وما آمل أنه بفضحه، ان نسحب البساط من تحت المتآمرين لأن تأثيره سيكون أقل، حيث ان الناس لم تصب بصدمة القتل بعد، ومازالت قادرة على التفكير بهدوء ورؤية المؤامرة.
وطبيعي انه قد يكتفي أصحاب الشأن بهذا المستوى من الفتنة ولا يريدون الذهاب إلى مرحلة صناعة الشهيد. لكن ان كان احتمال ذلك وارداً بنسبة 1% فهو يستحق القلق والحذر والتنبيه.
.
(1) ثيو فان خوخ
https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AB%D9%8A%D9%88_%D9%81%D8%A7%D9%86_%D8%BA%D9%88%D8%AE
 (2) المؤامرة ليست نظرية..عالمنا يغرق بالمؤامرات!
http://www.almothaqaf.com/qadayaama/qadayama-15/899823-2015-11-19-01-13-48
(3) دليل العمليات النفسية للسي آي أي
https://consortiumnews.com/2015/03/02/playing-chicken-with-nuclear-war/
(4) CPD: October 21, 1984 Debate Transcript
 http://www.debates.org/index.php?page=october-21-1984-debate-transcript
(5) لماذا عبد المهدي أخطر من غيره؟ صائب خليل
 https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2583969251660128

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق