اخبار العراق الان

المنحى الميتا- إيروسي في رواية شظية في مكان حسّاس

عدنان حسين أحمد

صدرت عن مؤسسة ثائر العصامي في بغداد رواية “شظية في مكان حسّاس” للقاص والروائي العراقي وارد بدر السالم، وهي رواية جريئة تنتهك المُحرَّم،

وتعرّي المحجوب، وتخترق المسكوت عنه فلاغرابة أن “ترفضها” 12 دار نشر عراقية وعربية وفرنسية لأسباب رقابية وتسويقية تتعلّق بالجانب الإيروسي مع أنّ الجنس في هذه الرواية بما ينطوي عليه من إغراء وشهوة وإثارة لا يسقط في فخ الابتذال أبداً لكنه ينحرف باتجاه مشكلة نفسية عويصة تتفاقم شيئاً فشيئاً حتى تصل إلى مرحلة التداخل الجراحي الذي يحرم المرأة من مصدر الشهوة الأول.

تتمحور الرواية على ثيمتيّ الجنس والحرب؛ فالجنس ينبع من العنوان الرئيس “شظيةٌ في مكان حسّاس”؛ والحرب تنبثق من العنوان الفرعي “انفجار آخر مفخخة في بغداد”، كما تتشظى الثيمتان إلى أفكار وشذرات ثانوية كثيرة ترصد الخراب الذي لحق بالشخصية العراقية، وتفحص الدمار الذي حلّ بالوطن بوصفه ساحة حرب مستعرة لم يلتقط فيها المواطن العراقي أنفاسه منذ احتلال القوات الأميركية للعراق حتى الوقت الحاضر.

تكمن أهمية هذه الرواية في درامية الفكرة الرئيسة التي انبنى عليها النسق السردي، فالراوي العليم هو نفسه السارد الذي يروي الأحداث بضمير المتكلم الذي لم نعرف له اسماً على مدار النص الروائي وكأنّ الكاتب أراد أن يعمِّم هذه الشخصية على الجميع رغم أنه زوج لنور، وأب لأسرة صغيرة تتألف من لبنى، الطالبة الجامعية الشابة، وميس الطفلة الصغيرة التي تملأ البيت فرحاً وضجيجاً. الفكرة بحد ذاتها ذكيّة جدًا، ولو لم تكن نور مصابة بشظية ناعمة في بظرها لما كانت هذه الرواية، ولما أخذت هذا المنحى الميتا – الإيروسي الذي سوف يتحوّل من رغبة وشهوة ولذّة إلى قيد يؤدي به إلى الملل ويُفضي بالنتيجة إلى كراهية الجنس، ومقت جسد المرأة، والنفور من النساء عموماً، كما يشعر الراوي في أعماقه أنه قد تحوّل من إنسان عادي إلى مجرد آلة أو ماكينة جنسية تشتغل حسب الطلب.

الحشرة الحديدية

لو تجاوزنا المقاطع الثمانية التي تسبق الفصل الأول من الرواية لوجدنا أنفسنا أمام نور الخارجة من الحمّام تواً والمتلفعة بمنشفة رزقاء وهي تطلب من زوجها، بخلاف ما اعتاد عليه، أن يمارس معها الحُب بعد حادثة السيارة المفخخة التي انفجرت بقربها قبل ستة أشهر وزرعت جسدها بالشظايا المعدنية التي استخرجها الأطباء ما عدا شظية صغيرة ناعمة اخترقت بظرها وظلت تتحرك فيه مسببة لها هياجاً جنسياً غير مسبوق لا يطفئه إلاّ عدد كبير من الممارسات الجنسية التي تخرج عن إمكانية الإنسان العادي وبخلافها فإنها تظل تتأوه، وتصرخ، وتفرك عضوها التناسلي ليس حُباً بالجنس، وإنما لإيقاف هذه الحشرة الحديدية الصغيرة التي تتحرك في لحمة بظرها الاسفنجية وتسبب لها شهوة جنسية مفرطة. لم تبقَ المشكلة الجنسية على ما هي عليه، وإنما تتجاوز حدود إمكانية هذا الزوج الذي يحب زوجته نور ويُعِّدها “سُرّة البيت وسِرِّه” فيلجأ إلى كل أنواع المنشطات الجنسيّة التي لم تُطفئ شهوتها المتفاقمة، وحينما يلجأ إلى الدكتورة النفسية تمارا تخبره بأنّ الهرمونات الجنسية عند المدام قد تضخمت وأنها تشعر بحاجة مُلِحّة للجنس، وإذا لم تتحقق العملية الجنسية فإنها تلجأ إلى ممارسة العادة السرية أو إدخال الأشياء المُدببة أو ممارسة الجنس الخارجي حتى مع الحيوانات للتخلّص من احتقان البظر، وتفريغ هذه الشهوة القاتلة. وبما أنّ نور قد اشترت كلباً بوليسياً في زمن الاحتلال، والمفخخات، والمليشيات المنفلتة فقد شعر الزوج بالشكوك حينما أخبرته لبنى بأنّ أمها قد أدخلت الكلب إلى الحمّام وحمّمته مرتين لذلك أبعدَ الكلب وأهداه إلى أحد أقاربه ممتثلاً لطلب الدكتورة تمارا التي تُدرك هذا الجانب أكثر منه.

قد يتصور البعض من النُقاد والدارسين أنّ هذه الرواية شحيحة الشخصيات ولكنها على العكس تمامًا، فهناك أربع شخصيات أساسية تتمثل بالعائلة، إضافة إلى رئيس القسم وزوجته الستينية التي تقف بالضد من شخصية نور، وهناك ساجدة، موظفة قسم التدقيق في الدائرة التي ترتدي بنطلونات ضيقة وتراوده بطريقة مُبهمة، وفي العيادة نلتقي بشخصيات أخرى أبرزها الفتاة التي تبتسم وتضحك للجميع بطريقةمريبة، وثمة فتاة لم تنم طول 14 عاماً مذ دخلت القوات الأميركية إلى بغداد، وهناك طفل يشخر مثل أي عجوز بعد أن اندلعت الحرب وتركت تداعياتها الخطيرة على المجتمع العراقي. وربما يكون الدكتور الأنيق الذي يقترح عليها إجراء عملية ختان لا تستغرق أكثر خمس عشرة دقيقة هو الشخصية المهمة التي ستضع أصبعها على الجرح بواسطة استئصال البظر الذي سينقذها من هذه الحشرة الحديدة الناعمة التي تتحرك على الدوام وتؤجج فيها لهيب شهوة جنسية لا تنطفئ أبدًا. وقبل أن نطوي صفحة الشخصيات لابد أن نشير بقوة إلى أنّ “الشظية الناعمة” التي ترمز إلى الحرب وتدلّ عليها بقوة هي شخصية موازية للشخصيات الرئيسة مثل الزوج أو الزوجة نور أو لبنى، وقد كانت حاضرة منذ مُستهل الرواية حتى جملتها الختامية، وهي ترمز إلى الحرب الكونية والمحلية في آنٍ معاً. وهذه الشظية هي التي دفعت الطبيب الخمسيني الأنيق لأن يقترح إجراء عملية جراحية هي الأقرب إلى الاختتان الاضطراري على الرغم من المخاطر الجمّة التي قد تفضي إلى شلّ البظر أو تشويهه، ومع ذلك يهمس لها الزوج بوضوح لا لبس فيه:”هذه هي الحرب حبيبتي نور. . تقصُّ فينا أعز ما نملك. . فاستعدّي لختانك”.

المأتم العراقي

لو دققنا النظر في التفاصيل السردية للرواية لوجدناها تدين الاحتلال، والحرب الطائفية، والسياسيين اللصوص، وتنتقد ظاهرة التسوّل التي تفاقمت بعد الحرب مباشرة فلاغرابة أن يقول الراوي مُستذكرًا:”نسيت أنني جزء من المأتم العراقي الأسود”، ويصب جام غضبه على المفخخات التي تنبثق من الاقتتال الطائفي الذي لم يعرفه العراقيون قبل 2003. أما زوجته نور فهي تقول صراحة:”ليوقفوا الحرب وستختفي الأمراض والشظايا”، وحتى مدير القسم في الدائرة التي يعمل فيها الراوي يقول بأنّ “الحرب هي السبب في كل ما يحصل لنا وليست الشظية هي التي تؤلم زوجتك”.

خلاصة القول إن الحرب لم تنتهك جسد نور فقط، وإنما انتهكت أجساد النساء العراقيات جميعًا وأسقطت عنهنّ الحشمة والقداسة والحياء، تمامًا مثل الزوج الراوي الذي لم يتحفّظ على خصوصياته، وصار يبوح لرئيس القسم بأسراره، ولم يجد حرجًا في القول بأنها مصابة بشظية صغيرة جدًا في المنطقة الحسّاسة.

تجمع هذه الرواية بين الحُب، والجنس، والحرب، والتحليل النفسي، ولم تأتِ ثيماتها المتعددة عفو الخاطر أو نتيجة خيال جامح مع إقرارنا الدائم بأنّ وارد بدر السالم يمتلك مخيّلة مشتعلة غير أنّ الجوانب الجنسية والنفسية ناجمة عن بحث رصين ومتشعب منح الشخصيات الرئيسة حقها بما في ذلك رئيس القسم وزوجته التي نفرت من الجنس بعد سن الستين تاركة إياه يعيش على ذكرياته المُستعادة.

لا تكمن براعة هذا النص الروائي في بنيته المعمارية، ولا في شخصياته الإشكالية فقط وإنما في لغته السردية السلسة التي اعتدناها في قصصه ورواياته السابقة التي تُغري القارئ، وتأخذ بتلابيبه من جملة الاستهلال حتى الجملة الختامية. إنها رواية متفردة في الثيمة، ومحبوكة في البناء والأسلوب.

ترجمة الأدب الإسكندنافي إلى العربية.. رواية هدم إنموذجا

2019/09/15 08:51:08 م

بائع الأمل.. روايةالبعد السيري لحقبة زمانكية..ناهض الرمضاني: كُتبت هذه الرواية على شكل يوميات

2019/09/14 06:43:15 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق