العراق اليوم

إعادة إنتاج “الحريم” ومثلبته (2)

لقد دأب العقل الاستشراقي على استثمار لفظ “الحريم” في تعامله مع المجتمعات الإسلامية، خصوصا بعد تحويل فكرة تحرير المرأة المبهرجة إلى أداة نقدية وسياسية بهدف ممارسة الهيمنة، سلاحا اعتباريا وسياسيا مؤثرا وفعّالا. وقد تبلورت هذه الظاهرة في البلدان التي تعرضت للغزو وللهيمنة الأوروبية المباشرة (بريطانية أو فرنسية أو برتغالية أو إسبانية)، كما تجسدت على نحو لا يقبل الشك بعد الحملة النابوليونية على مصر حيث عامل الجنرال بونابرت الشابات المصريات بدونية كطريقة مذلة واستغلالية للتعبير عن إسقاطات فردية ذات صلة بحرمانه من صديقته “جوزفين”، الساكنة بعيدا في باريس. زد على ذلك الدوافع الإمبراطورية كذلك، إذ اعتمد شعار تحرير المرأة التي تمثل نصف المجتمع على أقل تقدير. أما في العراق، فقد كتب لايارد (مكتشف ومنقب المواقع الآثارية الآشورية في إقليم الموصل) عن قساوة عماله المحليين من العرب، نظرا لأنهم اعتادوا على ضرب زوجاتهم بدنيا، مدعيا بأنه شخصيا قد عمد إلى معاقبة هؤلاء الرجال بقساوة. وهكذا عمل العقل الغربي باتجاه تجسيد تقديم صورة مضيئة للرجل الغربي، “الأشقر الطويل”، محررا للمرأة الشرقية: السمراء الجميلة، الضحية الملفوفة بالحجاب.
وإذا ما وجد التراث الاستشراقي في “الحريم” أولى وسائل استثماره في غمار الصدام الثقافي عبر العصر الذهبي لبناء الإمبراطوريات الأوروبية، فإنه أتاح للعقل الغربي الآن كذلك ناصية لنقد المجتمعات الإسلامية على نحو متعامٍ يتيح تبرير التدخل في شؤونها واستغلالها. وقد تجسدت هذه الحال في الخطاب الغربي عامة: إذ تجاوز هذا الخطاب المثقل بالأبعاد الجنسية ما تحقق طوال عقود القرن الماضي من تطوير محلي في مجال تحرير المرأة عبر بلداننا، ذلك أنه قد تعمد تجاهل ما تحقق من منجزات تربوية واجتماعية في حياة النسوة في الشرق العربي الإسلامي. كما أنه دأب على غض النظر عن حقائق برامج المعارف والتربية والتعليم العالي وإشغال النساء للوظائف المهمة على سبيل التركيز على مظاهر مصطنعة وأقل أهمية (كقيادة السيارة) لشن الهجوم تلو الهجوم على مجتمعاتنا الشرقية بوصفها مجتمعات قاسية “تشل” المرأة وتحط من قدرها.
وتتجسد المفارقة هنا في النقد الذي توجهه النساء والمثقفات الشرقيات أنفسهن (محاكاةً عمياء) لأحوال المرأة في العالم الغربي، ذلك أن المرأة الشرقية المثقفة الناضجة ترى فيما تقدمه وسائل الإعلام من الثقافة الغربية الشائعة الكثير من الاستهانة بالمرأة وبكرامتها داخل دار الأسرة وفي الحياة العامة كذلك. ومن النماذج المرصودة للمقارنات والمقاربات نستذكر صور النسوة الغربيات من نوع عروض الأزياء والسينما والجريمة والغناء الشائع كدلائل على تدني احترام المرأة، إنسانة تمثل قيما اجتماعية وأخلاقية من نوع آخر، عبر العالم الغربي. زد على ذلك ما تعرضه السينما الغربية، من نماذج غربية لاستغلال المرأة واضطهادها وإساءة استعمالها (من فمك أدينك)، إذ تحفل مثل هذه الأشرطة السينمائية بنماذج للزوجة التي تُضرب ثم تُقتل من قبل زوجها، زيادة على نماذج أخرى للمرأة المخذولة والطريدة التي غالبا ما تُرمى إلى الشارع كي تترسب نحو ميادين بيع الهوى بعد حرمانها من أطفالها وعزلهم في “مراضع” وملاجئ عامة بانتظار أنواع الممارسات الشاذة والمحرمة واللاأخلاقية فيما بعد.
إعادة إنتاج “الحريم” ومثلبته

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق