العراق اليوم

قراءة في رواية ( الحلم العظيم ) للكاتب أحمد خلف

يعتبر القاص والروائي ( أحمد خلف ) من الاسماء المرموقة في  الابداع السردي العراقي . ولا يمكن لاي ناقد منصف وموضوعي  , أن يستقرئ ملامح تطور الرواية العراقية . دون ان يعرج على الانجاز الابداعي لهذا المبدع  الكبير , في ترسيخ ملامح الرواية العراقية المتطورة , في الاسلوب والتقنية الحديثة لمنجزه الروائي , الذي احتضن هموم الحياة والانسان ,  في طار جمالية سردية متكاملة في منصاتها , وفي فضائية وافاق تداعيات الزمكان . ورواية ( الحلم العظيم )  . تدخل في هذا الاطار العريض المتمدد في المتن الروائي . في تسليط الضوء الكاشف على مرحلة من حياة العراق السياسية والثقافية  . مرحلة الجيل الستيني , في كل ميادن الحياة ومحطاتها . في الثقافة والفكر والسياسة وصراعاتها الدائر  آنذاك . ولا يغيب عنها ( الدين والجنس ) . تناولت عمق الازمات الناشبة في عدة ميادين حيوية في الوقع المعاشي  , في اشكالها الخاصة والعامة . وفق معايير تلك المرحلة الستينية . في اشكال الاحتدام والصراع والتنافس السياسي والثقافي والفكري , بتوثيق راقٍ ومتمكن .  وفي جانبها الحيوي ايضاً  . من  النكسات والازمات  , واحتدام المعارك في الصراع السياسي , الذي انخرط  الى العنف المفرط في الخارطة السياسية العراقية الساخنة . وايضاً تكشف ملامح السيرة الذاتية والحياتية لبطل الرواية ( عبدالله ) الذي يشاطر في الملامح الكثيرة من  سيرة الكاتب نفسه . اي انها تملك البوح الحياتي , لتحولات حياة الكاتب ( أحمد خلف ) ولكن ليس بالصيغة الاستنساخ طبق الاصل , ولكن ببراع المتخيل الذهني والسردي الفني   . رغم انها  تؤشر في ملامح كثيرة الى الكاتب نفسه , في حياته , البدايات انخراطه في قراءة الكتب والروايات . في  مواقفه السياسية والفكرية  والثقافية , وسلوكه  ازاء الصراعات السياسية والحزبية الدائرة  ,  والتمسك بنهج  ( اللامنتمي ) . حتى حد اصحابه المقربين له مازحه مرة  في التمسك  باللامنتمي  بقوله ( والحقيقة أنت خليط غير متجانس من افكار شتى ) ص22 . لكنه ارتبط بصدقات حميمية مع المثقفين الشيوعيين , في صلات وثيقة ويشاركهم في  همومهم السياسية والفكرية  ويقدم لهم المساعدات , التي قد تقوده الى السجن والتعذيب , مثل الاحتفاظ بحقيبة التي تحمل الاسلحة , أثناء ملاحقات ومطاردات ضد الشيوعيين آنذاك  . ورواية ( الحلم العظيم ) تناولت في استلهام موضوعي الفترة الستينية بكل ميادينها . والاخص الصراع السياسي والفكري والايديولوجي . الصراع الحزبي بين الاحزاب في استخدام العنف المفرط . التعارض بين الايديولوجية والتطبيق السياسي , لدى الحزب الشيوعي , والتي ادت في  تفاقمها الى الانشقاق داخل صفوف الحزب الشيوعي . بين جماعة اللجنة المركزية , وجماعة القيادة المركزية . وتعرضت الرواية في اسهاب الى مسألة تجربة الكفاح المسلح في الاهوار , بالحلم الثوري العظيم . وكذلك الى فشلها بحكم عوامل عديدة تحكمت فيها , واصبحت اكبر من تجربة الكفاح المسلح نفسها  . وتوقف النص الروائي . في اجلاء عصب فشل التجربة في الانتفاضة المسلحة في الاهوار . وكذلك تعرضت الرواية الى الجوانب الخاصة والذاتية .  في مسألة الحب والجنس والتشتت بينهما . اعتمدت الرواية على منصات سردية متعددة الجوانب والاساليب التعبيرية . منها اسلوب التداعي الحر . اسلوب ( ميتا سردية ) او ما وراء النص الروائي . ومحركات الاحداث الجارية في المتن الروائي . وكذلك في تجلي في تداعيات عنوانها البراق ( الحلم العظيم ). يأخذنا بكل براعة في مسار السرد الروائي , بتحولاته وتنقلاته . أي اننا بصد بطل الرواية ( عبدالله ) شخصية ديناميكية متحركة ومتطورة , في تحولاتها نحو الايجاب , او نحو السلب. ورغم ان ضمير المتكلم يتحكم في لغة السرد , لكنه اشرك الضمائر الاخرى  . لذلك لا يمكن ان نطلق على السردي الروائي منولوج ( الصوت الواحد ) . وكذلك استخدام وتوظيف تناصات في حكايات شهرزاد في حكايات الف ليلة وليلة . وخاصة التناص في حكاية ( حمال بغداد ) الصبي التي وقفت عليه أمرأة بالغة الحسن والجمال  والملبس , واخذته الى بيتها وادخلته مضجعها في غرفة النوم لتمارس معه الحب والمضاجعة , وهو  في دهشة الابهار في الهوى والهيام . وكذلك نفس الابهار الذي عاشه الصبي ( عبدالله ) وهو يمارس الجنس مع الزوجة الخائنة لاول مرة في حياته , ويسير بعد ذلك في الحب اللاشرعي . لكن يقوده الى الازمة الخانقة , الى ارتكاب جريمة قتل بحق الزوج المغدور بالزوجة الخائنة , التي تكره وتنفر من زوجها ومن شخيره في النوم . وتظل هي محرومة من الحب والمضاجعة الزوجية , . لذلك يضعنا الكاتب في جريمة القتل , أمام ( راسكولنكوف ) بطل رواية الجريمة والعقاب , ولكن بشكل جديد ورؤية مختلفة تماماً . وكذلك في  الدوافع في عملية القتل . كل هذه الاحداث في النص الروائي , تشير الى تعمق الازمة بين كل الاطراف . في  ازمة في الحلم العظيم , الذي تحول الى معاناة ومأساة شخصية ل ( عبدالله ) او المؤلف القصص . كذلك الى ازمة في فشل اسطورة الكفاح المسلح في الاهوار , التي انتهت  في سجن الحلة , فشل الاحزاب في صراعها السياسي الذي تحول الى ازمة . من انشقاق الحزب الشيوعي , الى السقوط السياسي العام في المناخ السياسي  . لذلك تحول الحلم العظيم لكل هذه الاطراف في الرواية  . الى كابوس عظيم في الانكسار والانهزام .
             أحداث المتن الروائي :
فتى يعيش في عائلة فقيرة وفي منطقة شعبية . مدينة ( الحرية ). حين يغزوها الشتاء تتحول الى مأساة . تغرق عند اول زخة مطر , وتبرز البرك واوحال والطين , بفيضان المياه . شبايبك بيوتها مطلة مباشرة على الشارع , بحيث المار يسمع همسات وخربشات الزوج والزوجة في غرفة  النوم . لذا داهم هذا ( الفتى ) هوس التلصص وسماع الهمسات الجنسية في حجرة النوم في الظلام . وتجذبه في الاغراء في سماعها وقت الظلام . في الاغراء والغواية . ويأخذه خياله الاغرائي الى حكايات شهرزاد في الف ليلة وليلة , الى حكاية حمال بغداد , الذي جذبته من السوق , إمرأة بارعة الحسن والجمال والملبس , واخذته الى بيتها , وادخلته غرفة النوم , ومارست مع الحب والمضاجعة وهو في حالة دهشة وابهار  لاول مرة  يمارس الجنس في حياته . لذلك جلبت انتباهه زوجة مليئة بالاغراء والغواية وانجذب اليها , وادخلته فراش الحب والمضاجعة الاولى في حياته , في ملمسها الناعم وجمال بشرتها  . وهو يشم عطرها بذهول . وقد وجدت فيه الاغراء الذي يعوضها من الحرمان من الزوج الذي تكرهه وتنفر منه , وتنزعج من شخير نومه وغيابه الطويل عن البيت . لذلك وجدت بالفتى الشيء المفقود في الحياة الزوجية . لذلك قالت له ( هل تعرف أن لك رائحة رجل في الثلاثين , مع أنك مازلت فتىً , لايجوز لي العبث معك , أياك ان تخبر أمك بما يجري بيننا ) ص21 .  ويندفع بشراهة ونهم الى قراءة الكتب والروايات العربية والاجنبية  , بالطموح الكبير , او بالحلم العظيم ان يصبح كاتباً ومولفاً للقصص ينشر في المجلات الكبيرة والمشهورة . وزاد اندفاعه اكثر الى الهم الثقافي والادبي , بالدعم الكبير الذي يقدمه له , مدرس اللغة العربية الجديد , صاحب قصيدة ( الريل وحمد ) وهي اشارة الى الشاعر ( مظفر النواب ) الذي ساهم في فتح قريحته موهبته  الاديبة  على القراءة وتأليف القصص , ان يصبح مؤلف قصص . يبدأ مشواره الطويل في خوض غمار الثقافة والادب . ويساهم في الحركة الثقافية ونقاشها الدائر . ويرتبط بعلاقة وطيدة مع اصدقائه الشيوعيين . ولكن لم ينخرط في صفوف حزبهم , بل ظل متمسكاً في نهج اللامنتمي . حتى شقيقه العسكري يلاحظ الولع بنهم قراءة الكتب . وحذره من أنه سيكون  عبداً للكتب وتسلبه رجولته وتجعله رقيقاً كالنساء . ويعمق علاقته الجنسية مع الزوجة الخائنة ( عفيفة ) ليستغل غياب زوجها المخدوع طوال النهار , وينسل الى مخدع الزوجية للمضاجعة على فراش الزوجية . بغواية واغراء منها . حتى بدأت الشكوك تنتاب زوجها بأنها تخونه مع فتى المحلة ( عبدالله ) . لذلك يصرح لها  بأنه يكرهه ويحقد عليه ,  لانها تخونه وتمارس الجنس معه  , وانه يرافق المدرس الشاعر الشيوعي ,  ويتوعده بعمل انتقامي . وتغضب من تهديده ( – كيف تجرؤ على هذا الكلام . يا سافل ؟
– طيب . أقسمي لي أنكِ لاتخونينني معه
– أقسم أنك اكبر قواد في الدنيا كلها ) ص67 .
كانت الفترة الستينات آنذاك احتدم فيها الصراع السياسي بين الاحزاب . وكان يتابع عن كثب , الخلاف الدائر في الوسط السياسي والثقافي . وهومصاب بمرض  التشتت بين حبه العفيف لفتاة الجيران ( شيماء ) التي تبادله نفس الهوى والغرام والعشق  , لكن هذا العشق يدوسه وينزلق الى احضان الزوجة الخائنة , التي تغريه بالجنس والمضاجعة . حتى اهمل حبه وداس على قلبه . ولكن ينشغل الى  حالة البلاد التي تتجه الى الصراع السياسي بالعنف المفرط . في مناخ سياسي ملبد بغيوم الكراهية والانتقام ضد الحزب الشيوعي , وقد بدأت حملة المطاردات والملاحقات , وفتحت السجون والمعتقلات . في جميع اماكن التجمعات . المدارس . الكليات . المراكز والنوادي الثقافية , والطرقات والازقة , لذا تجد في كل شارع يحرسه شرطي او رجل الامن . في الاعتقالات العشوائية . وساد الركود السياسي لتفادي الاعتقال والسجن . وبدأ الخوف والقلق يلف الحياة العامة . حتى في  احدى المرات اوقفه رجل الامن ,  وسحب مسدسه ويوجهه الى  صدره . وهو يزمجر في وجهه غاضباً ( – أيها الحقير . لقد حيرتنا . من تكون بحق الجحيم . هل أنت شيوعي ؟ قومي ؟ بعثي ؟ خرائي ؟ منْ تكون وماذا تريد بالضبط ؟ ثم ما هذه الحرية التي تتمتع بها في التنقل من بيت الى بيت , لا يشبه احدهما الاخر , ولا أية علاقة بينهما ) ص156 .
واراد ان يتخلص من المأزق الذي وقع فيه , بالتذكير بأن شقيقه العسكري من جماعتهم . لذلك تشبث به رجل الامن بذراعه وقال ( ألا يعلم ابوك , بأنك ترافق شيوعيين زنادقة ؟ ) ص157 .
 وتتعمق الازمة في البلاد الخانقة  , التي  أثرت على أنشقاق الحزب الشيوعي الى نصفين . جماعة اللجنة المركزية . وجماعة القيادة المركزية . وبعدها تواردت الاخبار حول طلائع الكفاح المسلح في الاهوار ,ظهرت بعملياتها الى  الوجود على الواقع الفعلي بقيادة الثائر ( خالد أحمد زكي ) الذي ترك لندن , ليقود حركة  الكفاح المسلح في الاهوار بالحلم الثوري العظيم , في سرقة السلطة والحكم من القوى الرجعية الحاكمة . في خوض تجربة الكفاح المسلح مستلهماً تجربة الكفاح المسلح في امريكا اللاتينية وفيتنام . وبدأ المناخ السياسي العالم يتابع اخبار الانتفاضة المسلحة . لكنها ايضاً  اثارت الخلافات داخل معسكر اليسار التي طفحت على السطح . بين مناصر ومعارض . حتى بدأت حركة الكفاح المسلح غير منسجة وغير قادرة على التكيف في وضعها الجديد , في التعامل مع معطيات الواقع , وفق معطيات مدروسة , . لذلك وقعت في ازمة الخلاف الحاد . حتى مع الناس الذين يدافعون من اجلهم ويضحون في سبيلهم ( خدعنا الفلاحون وغدروا بنا . نحن ضحايا خيانة أكبر من حركتنا ) ص300 .
لذلك بدأ الفرق الشاسع بين الايديولوجية والتطبيق السياسي , بعدم التعامل الصحيح مع الواقع واستلهام دروسه والتكييف مع رؤية الواقع , دون أوهام . بالذين يطالبون بأقامة  دولة العمال والفلاحين . وهم غير منسجمين مع قاعدتهم الشعبية والطبقية . مثلاً :  احد الثوريين الذين عنده استعداد ان يضحي بحياته في سبيل الطبقة العاملة . حين خروجه من السجن بعد سبع سنوات , صدفة تشاجر مع احد عمال البناء , ليصرخ في وجهه ( _ لقد امضيت سبع سنوات سجيناً من أجل امثالك , ودفاعاً عن طبقتك العاملة , وها انت تجعلني أشعر بالندم على تلك السنوات , فما كان من العامل إلا انفجر بوجه الرفيق , حيث قال له : أي مجنون نصحك بالدفاع عني ؟ ) ص233 . واستعدت  الحكومة وجهزت حملتها العسكرية في القضاء على الحركة المسلحة في اهور الناصرية جنوب العراق . وبذلك انتهى الحلم الثوري العظيم , بقتل قائدها ( خالد احمد زكي ) وبفشل نتيجة الصراعات المصلحية والنفعية الضيقة . وفشلت وانتهى بها الطاف في سجن الحلة .
 شعر مؤلف القصص ( عبدالله ) من التشتت الحياتي وضياع حبه العفيف مع ( شيماء ) بمرارة وحزن , واعترف لها بالفشل في الحب ( أنتِ ضحية مجتمع ملي ء بالشكوك والارتياب , بل والخيبة من الاخرين ) ص228 . فردت عليه سبب هجرانه وعدم حفظ علاقة الحب. ( – هل ارتكبت خطأً ؟ اتراني تصرفت بما يدفعك لهجراني ؟
– ليس الذنب ذنبك , هنا , في القلب الذي لا يحسن الوفاء ) ص228 .
 ويأخذه  الاغراء المتزايد والمتصاعد من الزوجة الخائنة , بتحريضها المتواصل بقتل زوجها . حتى تتفرغ لحبها له , وطمعاً بالمال زوجها المخفي في مكان ما في البيت . لانها لم تعد تطيق رؤيته   , وفي احد الايام دفعته الى خنق زوجها وهو في شخير النوم , وبالفعل فعل ذلك بخنقه , لكن الزوج استطاع ان يطرحه على الارض ويخنقه بكلتها يديه الثقيلتين , لكنه تلقى ضربة مميتة على رأسه سقط جثة هامدة تسبح في بركة من الدماء . تيقن ان حياته انتهت الى الفشل الذريع . وان حلمه العظيم انتهى الى المأساة والازمة . ودفنوا الجثة  في حفرة في حديقة الدار , وفتشوا عن المال المخفي في البيت , فلم يعثروا عليه . وانتابه القلق والخوف من اكتشاف الجريمة والفضيحة . وقد اطلق زفرة يأسة بالخيبة في حياته , بأنه انتهى ( لقد خربت حياتك في هذا الركن الصغير من العالم ) ص282 .
 هكذا انتهت الاحلام العظيمة . الى المأساة والفشل .
 × الكتاب : رواية الحلم العظيم
 × المؤلف : احمد خلف
 × الناشر : دار المدى
 الطبعة الاولى : عام 2009
 × عدد الصفحات : 304 صفحة
     جمعة عبدالله

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق