اخبار العراق الان

عمارة مبنى بلدية هيلفرسوم : تمازج التقليدي بالحداثة

د. خالد السلطاني – معمار واكاديمي

•إلى ستار كاووش

عندما قرر “مجلس الإعمار” العراقي في الخمسينيات دعوة معماريين لإعداد تصاميم لمبانٍ متنوعة الوظائف تُشيّد في العاصمة العراقية،

وقع الاختيار على اسماء معروفة ذات شهرة واسعة في المشهد المعماري العالمي. كان من ضمن المدعويين المعمار “لو كوربوزيه” لتصميم <مدينة رياضية> في الكرخ بموقع “معسكر الوشاش” (متنزه الزوراء حاليا)، و”فرنك لويد رايت” لعمل تصاميم <دار أوبرا بغداد> في جزيرة ام الخنازير (جزيرة الأعراس حالياً)، و”فالتر غروبيوس” لإعداد تصاميم <جامعة بغداد> بالجادرية، بالاضافة الى دعوة “آلفار آلتو” لتصميم <المتحف الفني> في العوينة بوسط بغداد، و”جيو بونتي” لعمل تصاميم <وزارة الإعمار> بالكرخ (وزارة التخطيط حالياً)، ودعوة ” كونستانتينوس دوكسيادس” لعمل مخطط الاسكان في الكرخ: <مشروع إسكان غربي بغداد>، وإعداد تخطيط <مدينة الثورة> في الرصافة (مدينة الصدر حالياً)، بالاضافة الى “جون براين كوبر” الذي صمم <البلاط الملكي> بالكرخ (القصر الجمهوري حالياً) ومبنى <مجلس الأمة> (البرلمان) (المجلس الوطني حالياً) في الكرخ أيضا. كما دعي أيضاً “وليم دونيكل” لاعداد تصميم <البنك المركزي العراقي> بالشورجة في شارع الرشيد وكذلك “الهر ماخ” لتكملة تصاميم <المتحف العراقي> في علاوي الحلة بالكرخ. وقد قبل الدعوة جميع أولئك المعماريين وأعدوا تصاميم مميزة الى مشاريعهم البغدادية، عدا معمار واحد لم يستجب لتلك الدعوة، مع إنه كان مدعواً لها، وهو “اوسكار نيماير” الذي برر عدم تلبيته الدعوة بسبب طبيعة نظام الحكم <الرجعي> (حسب قوله) الذي كان قائماً وقتذاك بالعراق! وقد أشرت، مراراً، الى أهمية تلك المشاريع وقيمتها المهنية العالية في دراسات كثيرة نشرتها في كتبي المختلفة مثل “رؤى معمارية” (2000)، و”تناص معماري” (2007) و “عمارة الحداثة في بغداد سنوات التأسيس” (1914) وغير ذلك من الدراسات المنشورة في اللغة العربية والانكليزية. 

كان من ضمن تلك الاسماء المدعوة من قبل مجلس الإعمار العراقي في الخمسينيات، “وليم مارينيوس دودوك” (1884 – 1974) Willem M. Dudok، المعمار الهولندي المعروف، الذي كُلف باعداد تصاميم لمبنى “وزارة العدلية” ومقر “مديرية الشرطة العامة” في منطقة <المركز المدني> بالعوينة في وسط بغداد. وكلا التصميمين لم ينفذا، حالهما حال غالبية التصاميم العائدة الى أولئك المعماريين العالميين المدعويين. و بُرر السبب في ذلك بذريعة تغيير النظام الملكي الذي أحدثته ثورة 14 تموز 1958، حيث اعتبرت بعض تلك التصاميم، وفقا لرؤي الحكام الجدد، نوعاً من “البذخ البنائي” غير المسوغ. لكن موضوعنا ليس هذا، ليس مناقشة صوابية أو عدم صوابية قرار تأجيل أو إلغاء تنفيذ تلك التصاميم. موضوعنا لهذة الحلقة من <عمارات>، هو المعمار “وليم دودوك” ورائعته في “هيلفرسوم”، بالاضافة الى دوره المشهود له في المشهدين المعماريين العراقي والعالمي. 

يتعين القول، بادئ ذي بدء، بان لغة المشاريع التى قدمها دودك الى بغداد، مع أهميتها المهنية اللافتة مقارنة مع أجواء منتج عمارة العراق وقتها، لم تكن، بالمجمل، تمثل “حدثاً” معمارياً مؤثراً، كما هي تصاميم بقية المعماريين العالميين المشاركين الآخرين. كما ان مقاربتها التصميمية، لم تكن هي الآخرى، تحمل نفساً طليعياً يتساوق مع صيته كمعمار مجدد وصاحب سمعة واسعة اكتسبها منذ ان أنجز عمارة مبنى “بلدية هيلفرسوم” (1928 -1931) الشهيرة بمدينة “هيلفرسوم” في وطنه هولندا. ومع هذا، (وربما بسببه أيضاً)، فأن تأثيره على المشهد المعماري العراقي كان كبيراً، وإن بصورة غير مباشرة. يرجع ذلك الى “واقعة” معمارية لم يكن العراق “مسرحاً” لها، لكنها استطاعت أن تكون إحدى “المؤثرات” النافذة في “تشكيل” خصائص العمارة العراقية واصطباغها بسمات محددة.

عندما ظهرت عمارة بلدية هيلفرسوم للعيان بعد تنفيذها في عام 1931، لقيت ردود فعل متبانية، تراوحت بين الإعجاب بمقاربتها المعمارية، تارةً، والنظر اليها كـ “نكوص” غير مبرر في مسار العمارة الهولندية الطليعية، تارة آخرى. لكن الاحتفاء الواسع بها وبأسلوب عمارتها جاء من طرف المعماريين الانكليز، الذين رأوا فيها ظاهرة معمارية تشي بـ “وسطية” محببة الى قلوب المعماريين الانكليز، تسعى الى “تمازج” التقليد بالحداثة. ومما عزز هذا الافتنان لديهم، اعتراف “دودوك” مراراً بقيمة أطروحة “ابنيزر هوارد” Ebenezer Howard و<مدنه الحدائقية>، إحدى كشوفات التخطيط الانكليزي التى روج لها كثيرا، وتبنيه لها ولمبادئها، ما جعل مقاربة “دودوك” المعمارية تبدو وكأنها قريبة جداً من الذائقة الانكليزية ومحملة بأنفاسها. وقد أفضى كل ذلك الى انتشار واسع لمقاربته في الخطاب المهني الانكليزي، من خلال تكرار ظهور خصائص عمارته في منتج المعماريين الانكليز وخصوصاً في عقد الثلاثينيات وصولاً الى الاربعينيات. كما أن نيله ميدالية “ريبا” RIBA البريطانية المرموقة سنة 1935، عزز من حضور وسمعة المعمار الهولندي في المشهد المعماري البريطاني. 

في ذلك الوقت تحديداً، وما بعده بقليل، كانت طلائع الطلبة العراقيين المبعوثين لدراسة العمارة في المعاهد الانكليزية، وخصوصا “وجبة” <مدرسة ليفربول> تستوعب، حالهم حال زملائهم الطلبة الانكليز وأساتذتهم، خصائص عمارة دودوك و”تتشرب” بذائقتها الجمالية. وكانت صيغة التجاور ما بين الكتل والخطوط الافقية مع العمودية المميزة، والدالة على منهجية عمارة “دودوك”، هي “الملمح” الأساسي والسمة Feature البارزة في التكوينات المختارة للتصاميم المعمارية وقتذاك. ويذكر العراقيون بان عمارة المدارس (المجال الاوسع للنشاط المعماري بالعراق وقتذاك)، كانت غالبية “تكويناتها” التصميمية تنزع لاعتماد تلك الصيغة لها، التى ارسى “تقاليدها” المعماريون العراقيون الاوائل. لنتذكر <المدارس> المصممة من قبل “جعفر علاوي” وأعمال “محمد مكية” وتصاميم “مدحت علي مظلوم” وغيرهم، سواء المبنية في بغداد أم خارجها بانحاء كثيرة من مدن العراق، ولنستعيد ذلك “الاميج” المميز لعمارتها المتضمن “لعبة” تجاور Juxtaposition الافقي مع العمودي، كاحد المميزات الواضحة في لغتها التصميمية. 

علينا أن نتذكر، أيضاً، بان “وليم دودوك” لم يدرس العمارة بشكل خاص، وإنما تعلمها عبر ممارسة تطبيقية لها، بعد أن تعرض لعدة مواضيع معمارية أثناء دراسته للهندسة المدنية في الأكاديمية العسكرية التى انضم اليها في 1902 بمدينة “بريدا” Breda في أقصى الجنوب الهولندي. وقد انجز في اختصاصه عدة معسكرات وتحصينات متفرقة، خاصة بالجيش في هولندا. بعد ذلك ترك الخدمة العسكرية سنة 1914عندما عين وكيلا لمدير مديرية المباني العمومية في ليدن، ثم عُيّن، من بعد، في سنة 1915 مديراً لمديرية المباني العمومية في مدينة هيلفرسوم، واستقال من هذا المنصب سنة 1928، ليشغل منصب “معمار المدينة” فيها. ولي هذه المناصب، مع ان اختصاصه الاصلي كان مهندساً مدنياً. وهو في هذة الحالة، يذكرني بوضع مماثل لكثر من المهندسين المدنيين العراقيين في الثلاثينيات والاربعينيات، الذين مارسوا النشاط المعماري، بحكم وجود نقص في عدد المعماريين، ان لم نقل من ثمة غياب تام لتلك المهنة وقتها! وتحضر اسماء مثل أرشد العمري، و”نيازي فتو”، و”محمد مخزومي”، و”فخري الفخري” و”فيليب ناسي”، و”نعمان منيب المتولي”، و”بسمارك متي عزيز” و”شريف يوسف” (والأخير درس الرياضيات اصلاً، ثم مارس العمارة، وصمم بيوت سكنية عديدة للنخبة البغدادية في الثلاثينيات والاربعينيات، التي اعتبرها نماذج معمارية جد هامة، اغنت منتج العمارة العراقية واكسبت محلة “الوزيرية”، حيث مواقعها، طابعها الحضري المميز!) وغيرهم من المهندسين الأكفاء الذين ساهموا بنشاطهم التصميمي في ترسيخ مفهوم العمارة في البيئة المبنية المحلية، مع انهم لم يكونوا معماريين بدراستهم الاكاديمية، مثلهم مثل <وليم دودوك> الهولندي! 

عندما زرت، مؤخراً، هيلفرسوم بزيارة مقصودة، متعنياً رؤية عمارة مبنى البلدية فيها واقعياً. راودتني كثير من الأحاسيس حالما شاهدتها. إنها أحاسيس نبعت بكون المبنى المرئي مَثـّل (وما فتئ يُمثل)، إحدى الصفحات الناصعة في “سردية” منتج الحداثة، معبرا عنها باحدى تمثلاتها المتنوعة. إنه المبنى ذاته، الذي لطالما حدثت “طلابي” لسنين عديدة (.. لعقود عديدة!) عن أهميته التصميمية، وقيمته المعمارية في منتج الحداثة، وهو الآن، ينهض قبالتي. كما أن مظهره يستدعي “اميج” المدارس وهيئاتها التى تعلمت فيها بمدينتي الصويرة والكوت،.وفي هذه اللحظة أشاهد أمامي “مرجعية” تلك الهيئات ومنبع أشكال عمارتها. وها هو الطابوق المادة الإنشائية الاساسية المشغول بها جماليات واجهاته النظيفة المنثور عليها فتحات النوافذ ذات الأشكال العديدة، تشي بحميمية دافئة أشعر بها كلما لمحت تنويعات استخدام تلك المادة الأثيرة لديّ. كما أن اسم معمار المبنى المرئي يحيلني الى تلك “الواقعة” البغدادية الخمسينية الرائدة في المشهد المعماري الدولي، عندما تم دعوة خيرة معماري العالم (ودودوك من ضمنهم) لعمل مشاريع كبرى في عاصمة العراق، وأمست تلك الواقعة، فيما بعد، بمثابة حدثاً مؤثراً في سجل ذاكرة الحداثة المعمارية العالمية! وتبقى شخصية المعمار ذاته وسيرته المهنية، توحي اليّ بحضور تلك المجموعة المبدعة من المهندسين العراقيين متنوعي الإثنيات التى كان بلدنا يزخر فيها ويفتخر بها!

والآن، دعونا نتوقف قليلا عند عمارة المبنى. 

لا ريب إن عمارة مبنى “بلدية هيلفرسوم” تعد بمثابة انجازاً كبيراً ومهما في سيرة “وليم دودوك” المهنية، كما إنها تعتبر حدثاً تصميماً لافتاً في منتج عمارة الحداثة العالمية. ولهذا فقد نالت اهتماماً واسعاً من قبل الأوساط المهنية المحلية والدولية أيضاً. وقد أدرك “وليم دودوك” منذ أن كُلف بإعداد تصاميم مبنى بلدية هيلفرسوم (وتاريخ التكليف يعود الى سنة 1915، إلا أن تصميم وتنفيذ المبنى توقف بسبب نشوب الحرب الكونية الأولى، ومن ثم قدّم المعمار، مرة أخرى، تصاميمه في سنة 1924، الى بلدية هيلفرسوم ووافقت عليها الإدارة في حينها، بيد أن العمل الفعلي بدأ في سنة 1928، واكتمل سنة 1931)، أدرك بانه بصدد تصميم، يتعين أن يكون فريداً وغير مسبوق، وأن يكون إضافة مميزة في منتج العمارة الهولندية ككل.

ينطلق تكوين المبنى من نقطتين اساستين هما: التضاد والحركة. فثمة تعاقب مستمر ما بين العلو مع الانخفاض، والأفقي مع العمودي، والرحابة مع الضيق يسعى المعمار وراء تأكيده وتبيانه في معالجة عناصر مبناه. كما أن اسلوب تعاطيه مع صياغة كتل المبنى، في تقدم مواضعها وتأخرها، يزيد من حضور الإحساس في الحركة بالتكوين المبتدع. ينبني الحل التكويني لمبنى البلدية على استخدام فناءين وسطيين مفتوحين، أولهما صغير نسبياً، تحيط به من جوانبه الأربعة ممرات تقع خلفها فضاءات البلدية الرسمية وغرف موظفيها، في حين يتضمن الفناء الآخر الأكبر مساحة، على أحياز، بالأساس، خدمية تسهم في تنظيم وتسهيل خدمة اعمال البلدية بصورة سلسة وانسيابية. لكن “ضربة” التكوين تكمن في حضور كتلة البرج العالي (يصل ارتفاعه الى نحو 20 متراً)، والذي تم توقيعه فوق سلم المبنى الرسماني Monumental الرخامي العريض. ويُبتغى المعمار اصطفاء مثل هذا الارتفاع العالي للبرج، نسبة الى مجاورته من كتل المبنى الافقية الممتدة الآخرى، الى تأكيد نزعته وتسهيل مهمته في خلق تضاد مؤثر، عبر تجاور تلك الامتدادات الأفقية مع كتلة البرج العمودية الشاهقة، ما اكسب التصميم سمته الاساسية، وميّزه عن باقي مباني المدينة. جدير بالذكر ان مبنى البلدية ينهض لوحده في موقعه الفسيح المحاط باشجار وفسح خضراء مع وجود حوض ماء فسيح بجانب مبناه، والتى تذكرنا حضور تلك المفردات في تصميم الفضاءات المفتوحة بمبادئ وقيم أسلوب تخطيط حركة “المدينة – الحدائقية” The garden city movement الانكليزية المعجب بها “دودوك”!

وبالاجمال، فقد قدم “وليم دودوك” لنا درساً مفيداً في تنويع أساليب الحداثة، من خلال تصميمه لمبنى بلدية هيلفرسوم، معتمداًعلى مقاربة معمارية تمتلك خصوصيتها المتفردة، تتمازج بها قيم التقليد مع مبادئ الحداثة، التى سعى بها المعمار أن تكون إضافة تكوينية على نحو لافت. وربما كانت الاصداء الكثيرة من الترحيب الواسع الذي حظيت به عمارة مبنى البلدية من قبل الجمهور وأرباب العمل والكثير من المهنيين، يرجع أساساً الى خصوصيات تلك المقاربة تحديداً الى سماتها المميزة. وتبقى “هيلفرسوم” في نظر كثر من النقاد والمتابعين، ليست فقط أوج ما توصل المعمار “وليم دودوك” من إبداع؛ ولكنها، في الحقيقة، إحدى أهم الابنية المميزة واللافتة والناجحة في تاريخ الحداثة المعمارية. ولم يتمكن، بتاتاً، المعمار ذاته، أن يقترب في ادائه المهني اللاحق الى تلك المهارة التي تم اجتراحها يوما ما في عمارة مبنى بلدية هيلفرسوم! 

والمعمار “وليم مارينيوس دودوك”، مصمم المبنى ولد بمدينة امستردام في 6 تموز 1884، والتحق في الاكاديمية العسكرية في سنة 1902، وتخرج منها ملازماً ثانياً –مهندس سنة 1905، ومن ثم يترك الخدمة العسكرية سنة 1914، ليشغل وكيل مدير في مديرية الأشغال العمومية في ليدن، ومن ثم مديراً للأشغال العمومية في هيلفرسوم. صمم عدة مبانٍ عديدة في هيلفرسوم، ومتجر “دي بيجينكورف” 1928 (وهدم أثناء الحرب العالمية الثانية)، كما صمم العديد من المباني في هولندا وخارجها. صمم مبنى وزارة العدلية والشرطة العامة ببغداد/ العراق في عام (1957) <لم يتم تنفيذ كلا المبنيين>، توفي في هيلفرسوم في 6 نيسان 1974. 

عمارة الجناح الوطني : الإضافة البرتغالية للحداثة

2019/09/08 06:29:17 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق