العراق اليوم

مديريات مباني المحافظات.. من نقل الصلاحيات الى تذويبها

* سالم السوداني
إنَّ الغاية من نقل صلاحيات مديريات مباني المحافظات، وكما هي فحوى القانون الصادر بهذا الخصوص وبصورة عامة لباقي الدوائر التي كانت مرتبطة بالوزارات، وهي موجودة ضمن المحافظات، لغرض تنشيط وتطوير وتسهيل أعمال تلك الدوائر من خلال نقل صلاحياتها من الوزارات الى المحافظات.
* سالم السوداني
وقد جرت الاستعدادات لنقل الصلاحيات عبر مشروع ستراتيجي وتفصيلي استغرق قرابة ثلاث سنوات شاركت فيه الوزارات المعنيَّة، وكان باشراف منظمة أميركية تدعى (تقدم) تضم خبراءً دوليين عراقيين وخارجيين.
ولكوني أحد المشاركين في الدورات والاجتماعات التي جرت خلال تلك الدورات أستطيع القول إنها كانت تجربة متميزة وفريدة من نوعها وتستحق الدراسة والتقييم للإفادة منها في برامج أخرى.
لقد جرت دراسة جميع المهام والمسؤوليات التي تقوم بها تلك المديريات وتقييم ما هي الصلاحيات الواجب نقلها الى المحافظة من الصلاحيات الواجب إبقاؤها مع الوزارة، وهنا يجب الانتباه والتأكيد على أنَّ بعض الصلاحيات لا تزال بعهدة الوزارات وعليها مسؤولية تنفيذها بحق تلك الدوائر المنقولة، ويجب أيضاً على المحافظات حصر تلك الصلاحيات للمطالبة بتنفيذها من الوزارات.
هنا يتبادر سؤال مهم: هل انَّ مديريات المباني المنقولة صلاحياتها الى المحافظات تقوم الآن وبعد نقل صلاحياتها بمهامها الفنيَّة والإداريَّة والماليَّة بشكل أفضل وأسهل من السابق؟.
من خلال هذا السؤال أريدُ أنْ أتوغلَ الى تفاصيل الأعمال التي كانت مديريات المباني تقوم بها قبل نقل الصلاحيات وهل تقوم بها الآن بالطرق ذاتها أم أسهل أم أعقد؟.
وقبل الإجابة المفصلة عن هذين التساؤلين سأبين نقطة مهمة، وهي أنَّ مديريات المباني في المحافظات كانت عبارة عن تشكيلات فنيَّة مرتبطة بالمديريَّة العامة في بغداد، التي بدورها مرتبطة بوزارة الإعمار والبلديات وتحكمها جملة قوانين وتعليمات قسمٌ منها مشترك مع دوائر الدولة والقسم الآخر من القوانين والتعليمات خاصٌ بوزارة الإعمار والمديريات العامة ذات العلاقة.
وإنَّ تلك القوانين والتعليمات الصادرة من الوزارات ومن المديريات ذات العلاقة هي غير التعليمات والقوانين النافذة في المحافظات وهي حصيلة خبرات فنيَّة وهندسيَّة وإداريَّة وغيرها لعقودٍ من الزمن في مشاريع الدولة العراقيَّة.
القوانين والتعليمات باقية ومتغيرة ولا بدَّ لمديرية المباني أنْ تحافظ على تواصلٍ فني وتنفيذي مع تلك القوانين والتعليمات لضمان ذات الخبرات الفنيَّة والهندسيَّة المتراكمة وعدم إيقاف أو قطع تلك العلاقة المهمة والأساسيَّة في أعمال مديريَّة المباني.
فعلى سبيل المثال إنَّ جميع الأعمال التصميميَّة للمشاريع والمتعلقات الفنيَّة وتعليمات دليل المهندس المقيم والدورات الخاصَّة به والتعليمات الماليَّة والقانونية والتدريبية وغيرها كانت تجري في المديرية العامة وحسب تلك التعليمات والقوانين المشار اليها أعلاه وإنَّ قطع تلك العلاقات يعني إجهاض تلك الخبرات المتراكمة لعشرات السنين واختلاس الرصيد الفني المتراكم لعشرات السنين وتحويل مديرية المباني الى دائرة بلا رصيد فني أو هندسي متراكم.
إنَّ عدم الاهتمام بهذه العلاقة الستراتيجية بين مديرية المباني وبين المديرية العامة سوف يحول دون حصول المحافظة على التعليمات والقوانين الخاصة بالاعمال الهندسية للمشاريع والصادرة من وزارة الاعمار ومن مديرية المباني ومستجدات تلك التعليمات والقوانين بما يعزز تطوير الخدمات الهندسية للمشاريع.
الآن نحاول الإجابة على التساؤلات المذكورة: هل انَّ مديريات المباني تقوم بمسؤولياتها بشكل أفضل وأسهل أم لا؟ الحقيقة إنَّ مديريات المباني تواجه الآن مفترق طرق صعباً للغاية بسبب أنها قد انتهت علاقتها بالمديرية العامة في بغداد نهائياً، ومن ناحية أخرى فإنَّها (أي مديرية المباني) تعدُّ تشكيلاً جديداً على المحافظة وأنَّ المحافظة ليست لديها سابقة في التعامل مع مديرية المباني بشكل مباشر لأنها (أي مديرية المباني) كيانٌ هندسيٌّ مستقلٌ وكان مرتبطاً بالمركز أي وزارة الإعمار وهنالك خصوصيَّة فنيَّة في التعاملات المركزية، ولا المديرية قادرة على التعاطي مع الوضع الجديد بالمنهجية السابقة ذاتها عندما كانت تابعة للمديريَّة العامة في بغداد، ما يجعل مديرية المباني أمام مفترق طرق جديد.
هنا أودُّ لفت الأنظار الى أنَّ عدم الحفاظ على استمراريَّة التواصل الفني والمهني والهندسي لمديرية المباني مع وزارة الإعمار من خلال المديرية العامة سوف يؤدي الى ضمور هذه المديرية المهمة والحساسة والى خسارة المحافظات لتراث هندسي عريق ولحلقة مركزيَّة أساسيَّة في العمل الهندسي.
وفي الختام يجب الإشارة الى أنَّ عملية الحفاظ على استمراريَّة التواصل الفني والمهني والهندسي لمديريَّة المباني مع وزارة الإعمار تتطلب وجود خبرات هندسيَّة لديها الخبرات المتراكمة والطويلة في العمل مع الوزارة وتشكيالتها، فضلاً عن عملها في المحافظات، إذ لا يزال يوجد مثل هذا الكادر وفي حالة مغادرة هذا الملاك فهذا يعني أننا وصلنا الى طريق مسدود وتكون الخسارة كبيرة جداً.
 
* رئيس مهندسين أقدم

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق