العراق اليوم

أَربَعينيَّةُ الامامِ الحسين(ع) والقيادةُ الخادمةُ

أَولُ من طَرَحَ مفهومَ “القيادة الخادمة” ، روبرت كرينليف في عام 1970م ، والمقصودُ بالقيادةِ الخادمةِ ، القيادة التي يكونُ فيها الاتباعُ محورَ اهتمامِ القائدِ . روايةُ ” رحلةٌ الى الشرقِ” للكاتبِ “هيرمان هس” ، عام 1956م ، كانت مصدرَ الهامِ كرينليف في طرحهِ لفكرة ” القيادة الخادمة” .
والافكار التي طُرحت بعد كرينليف حول مفهومه عن “القيادة الخادمة” ، ذكر فيها كتابها العديد من السماتِ والخَصائصِ في القيادةِ الخادمةِ ، منها : 1- كونُ القائدِ قدوةً 2- كونُ القائدِ مؤثراً في اتباعه 3- حبُ القائدِ لاتباعهِ 4- القائدُ يُعلّم اتباعه 5- القائد يرعى اتباعه ويهتم بحاجاتهم ، ويسعى لتطوير ملكاتهم وقابلياتهم .
ومفهومُ القيادةِ الخادمةِ ليسَ مفهوماً حديثاً ؛ فالانبياءُ كانوا يُمَثِّلونَ هذا النَمَطَ من القيادةِ ؛ فهم عليهم السلامُ ، كانوا يبلغون رسالات الله الى اممهم بلغة الحب والحرص والتعليم . الله يصف لنا حرصَ النبي(ص) بالمؤمنينَ ورأفتهِ بهم بقوله :
لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ التوبة : الاية : 28 . والنبي (ص) يعلم المؤمنين الكتاب والحكمة ويزكيهم :
(هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ). الجمعة : الاية :2.
والنبي (ص) كان يحزن على المؤمنين ، ويضيق صدره ؛ لانه يريد لهم الهداية ، يقول الله تعالى :(وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ النحل: الاية:127. وهذه هي سماتُ القيادةِ الخادمةِ التي تجلت في رسول الله (ص) .
والانبياء كلهم على هذا المنوال ، كانوا يبلغون رسالات ربهم بلغة الحب ، لم يفرضوا اراءهم بقوة السيف . وهذا النموذج النبوي للقيادة الخادمة ، يقابله انموذجٌ اخر في القيادة يقوم على التلسطِ والقهر وقوةِ الحراب ، مثالهُ الملوكُ والاباطرةُ والقياصرة.
الامام الخميني (رحمةُ الله عليه ) ، طرح مفهوم ” القيادة الخادمة ” حينما خاطب شعبه وهم يهتفون باسمه وقيادته : ” قولكم لي خادم افضل من قولكم قائد ” .
القائد في الحكومات المستبدة والقمعية ، المتسلطة على شعوبها بالقهر وقوة السلاح ، قائدٌ منعزل عن شعبه ، تحيط به اجهزةُ الامنِ والمخابرات ، ويتعامل مع شعبه من موقع العلوّ والاستكبار ، بينما القائد الخادم مع شعبه ، يحس بالامهم وهمومهم وامالهم .
المسيح عليه السلام جسَّدَ مفهومَ القيادةِ الخادمةِ ، فكان السيد المسيح (ع) يعيش مع شعبه ويتحرك في المدن والقرى مُعَلِّماً وهادياً ، يحيي الموتى ، ويبرئ الاكمه والابرص ، ويعلم بالحكمة والموعظة ويجادل احبار اليهود بالتي هي احسن ، بلاحرابٍ ولاجيوشِ ولااجهزةِ مخابرات.
الامامُ الحسين(ع) والقيادة الخادمة
———————————
الامامُ الحسينُ عليه السلامُ قائدٌ قاد الناسّ على ضوءِ منهج الانبياءِ والمُرسلين ، كان يحب الناس ، ويجلس مع المساكين ويشاطرهم طعامهم ثم يدعوهم الى بيته . قائدٌ عظيمٌ تجلت فيه كل معاني القيادة الالهية ، احب الناس وقدم نفسه واهل بيته واصحابه ، وكل هذه التضحيات في سبيل الله من اجل انقاذ الامة .
كان عليه السلام واضحا لم يخف على اتباعه المستقبل والمصير … وفي ليلة العاشر من المحرم ، الذي هو احوج مايكون الى الناصر ، قال لاصحابه : ( هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا ….) .
المنظرون للقيادة الخادمة ،يجدون كل الاوصاف والسمات التي اعتبروها سمات في القيادة الخادمة موجودة في الامام الحسين عليه السلام بشكلٍ لانظير له .
القيادة الخادمة في اربعينيّة الامام الحسين (ع)
——————————————-
كما صهرت عاشوراء اصحاب الحسين بمناقبياتها وقيمها ، ووحدتهم بالحب والعشق ؛ لانها رحلة حبٍ وعشقٍ باتجاه المحبوب ، فقد ذابت الفوارق بين السيد والعبد والكبير والصغير ، والرجل والمرأة ….. نرى في اربعينية الامام الحسين عليه السلام تتجلى القيادة الخادمة باجلى صورها ، وانبل معانيها ، فقادةُ المواكبِ خدمةٌ ، والكبير والصغير يخدمون ، والاطباء يخدمون الزائرين والمرضى ، لايوجد هناك كبير وصغير ، ولاالقاب ولانياشين ، كل الالقاب تسقط وتذوب في خدمة سيد الشهداء . الامام الحسين هو المهيمن وهو الذي يحرك هذه الجموع بلغة الحب والعشق ، حتى الحكومة العراقية تتحول الى حكومة خادمة ، تقترب من مواطنيها وتحرص على خدمتهم ، وتنزل بقواتها واجهزة امنها لخدمة الزوار …. كان المفروض ان تبقى خادمة على طول الخط .
القيادة الخادمة تحل كثير من الازمات … لوكان القادة يتمسكون بنظرية القيادة الخادمة لكانوا قريبين من شارعهم وناسهم يتفهمون حاجاتهم بدل ان يتمترسوا في قصورهم بعيدا عن معاناة الناس والامهم .في درس القيادة الخادمة في اربعينية الامام الحسين عليه السلام ، التي تتحرك بالحب ، وتحل مشكلاتها بمنطق ” القيادة الخادمة ” ، لانجد ازمة سكن ، ولامشكلة خدمات ، ولاعجزا في الميزانية . الزيارة الاربعينية : هي جنة الامام الحسين عليه السلام على الارض ، فيها ماتشتهي الانفس وتلذ الاعين.
المشكلة ان حكامنا لايقرأون التاريخ ، حتى التاريخ القريب ، فسقوط صدام والقذافي دليل على ان القيادة التي تحتمي بالقصور وتعيش لهمومها الذاتية ومصالحها بعيدا عن هموم الشعب ؛ لاتسلم من غضبة الشعب … الحل يكمن في ” القيادة الخادمة ” التي تعيش مع شعبها ، تعيش همومه والامه ، وتفكر في مصالحه ، وتحرص على خدمته وتوفير احتياجاته . هذا ماينبغي ان تتعلمه الحكومة في درس القيادة الخادمة في اربعينية الامام الحسين عليه السلام.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق