العراق اليوم

غيّروا النظام السياسي قبل انهيار ما تبقى من الدولة العراقية

يواجه العراق تحديا بالغ الخطورة بسبب تطور حركة الاحتجاجات الشعبية وبلوغها درجة الصدام العنيف بين المتظاهرين والقوات الأمنية، وسيادة مشاعر عدم الثقة والكراهية بنسبة كبيرة بين الجانبين.
معلوم ان كل المتظاهرين وفي أي مكان يحرصون غالبا على عدم تخطي آخر حاجز لسلمية المظاهرات ويأملون في تجنب الصدام مع السلطات أو لنقل انهم يتمنون نيل مطالبهم التي يخرجون من أجلها بسلام ودون عنف وبأقل الخسائر.
لكن ما أن ينكسر هذا الحاجز ويسقط عدد كبير من الضحايا تزداد الهوة بين المتظاهرين والسلطة ويتلاشى ما تبقى من ثقتهم بها ويصبح الصدام معها مجددا مسألة حتمية، وربما يصبح الصدام بالنسبة لبعضهم مسألة ثأر وهنا تكمن الخطورة ، وسترقص أطراف عديدة على طبول الاحتجاجات والعنف والفوضى، لاسيما وأن أعداء العراق كثيرون وأقوياء ومتربصون.
في العراق يعود تأريخ أول مظاهرات مطلبية بعد خروج القوات الامريكية، الى عام 2011  لكن المظاهرات كانت موجودة أيضا بنسبة ما قبل هذا التاريخ، واكتفى المتظاهرون ممن خرجوا أولا في البصرة اقصى جنوب البلاد بالمطالبة بتوفير الخدمات مثل الكهرباء والماء الصالح للشرب وفرص العمل.
واتسعت المظاهرات لاحقا لتشمل محافظات اخرى في وسط  البلاد كما اتسعت المطالب ايضا، واصبح المتظاهرون ينادون بالعدالة الاجتماعية والغاء الامتيازات الكبيرة للطبقة السياسية، واليوم صاروا ينادون بإسقاط النظام.
وقد تفاوتت ردود افعال السلطة حيال مطالب المتظاهرين. لكنها لم ترق الى مستوى الاستجابة، وكانت السلطة تراوغ وتخادع وتكذب وتراهن على عامل الوقت في تهدئة الشارع، وربما شجعها على انتهاج هذا الأسلوب ما أبداه المتظاهرون من حرص كبير على سلامة بلدهم وتجنب العنف أو خشيتهم من الصدام مع السلطة.
لكن ما لم تدركه السلطة بشكل عميق هو أن المراوغة والكذب يدفعان بالناس في النهاية إلى مرحلة متقدمة من الغضب لن تنفع معها وعود أخرى ويصبح كل ما تقوله في نظر الناس وعودا كاذبة.
إذن هي دفعتهم بسلوكها إلى العنف خصوصا وأن الناس يسمعون يوميا عن ملفات الفساد الكبيرة التي  تكشف عن حجم النهب في اموالهم وتحيل دولتهم الى دولة فقيرة بينما هي من أغنى الدول، هذا الأمر يزيد من غضب الشارع.
تكمن خطورة الوضع الحالي في العراق في كون الناس فقدوا الثقة تماما بالطبقة السياسية، ولو أقسم السلطويون ألف مرة أمام جمهورهم لقالوا إنهم يكذبون!
 وصار الناس أكثر قربا من أي وقت مضى من الثورة بما تعنيه الكلمة من معاني خطيرة، طالما أن الكثير منهم لم يعودوا يشعرون بأهمية وجود الدولة بالنسبة لهم.
حيث تعتمد قوة ارتباط المواطن بالدولة وحرصه على دوامها وبقائها، على ما توفره له من مصالح وتهيؤه له من مناخ معيشي مناسب. بعبارة أخرى ان المواطن الذي لا يعمل وليس لديه مسكن ولا يعيش في بيئة صحية وتعليمية مناسبة ولا تكفل الدولة حاجاته الأساسية ولا تحترم كرامته ولا تصغي لمطالبه وتعمل على تلبيتها.
لا يكون حريصا عليها طالما لم تقم بتوفير ما يجعل حياته أفضل، وسيشعر بالتمييز لأن آخرين من مواطنيه يتنعمون بخيرات قد حُرم هو منها.
أمام هذا الواقع يجب على رئيس الوزراء عادل عبد المهدي تدارك الموقف بسرعة، باتخاذ قرارات شجاعة، وإن كان من الصعب عليه اتخاذها في ظل طبقة سياسية غير منسجمة وليست بالحريصة على بناء دولة قوية متماسكة، فعليه إعلانها وإشهار استقالته.
لأن الأمور قد بلغت حدودها ولم يعد بالإمكان تسويق وعود جديدة، وصار لزاما عليه – رئيس الوزراء – أن يشخّص بدقة وموضوعية وبعيدا عن الاساليب السياسية التي اعتاد عليها العاملون في مجال السياسة في العراق، مكامن الخلل في العملية السياسية.
وإن أبرز حل للمشكلة العراقية المستعصية هو في تغيير النظام السياسي لحصر القرار بأضيق دائرة بعد أن تسببت المحاصصة بتوزيعه على أطراف متخاصمة. لأن النظام النيابي اثبت فشله تماما والطبقة السياسية الحاكمة انتهجت تقسيم المغانم ولم تعتمد نظام الحكم بالأغلبية وهو ما جعل الجميع سنة وشيعة وكوردا يحكم فسكت الكل عن فساد الكل.
ووصل المواطن العراقي الى مرحلة اليأس ولم يعد يرى نورا في آخر نفق هذا المسار السياسي، إذن لابد من العودة الى الشعب لتغيير النظام سلميا بانتخاب رئيس للبلاد يكون مسؤولا أمام الشعب عن حكومة يختارها من يقوم الرئيس بتكليفه.
إنه النظام الرئاسي، المنعطف المنقذ الذي يجعل من رئيس الوزراء في وضع أفضل مما هو فيه اليوم، ويرفع من مستوى الأمل لدى العراقيين الغارقين في حالة من اليأس.
أما الخطوة الأخرى لحل أزمة العراق السياسية والخدمية العراقية فتكمن في الغاء الحلقات الادارية الزائدة، فمجالس المحافظات كانت عبئا على الدولة ويكفي لإدارة اية محافظة انتخاب محافظ من قبل سكانها ليتولى ادارة دوائرها الخدمية ويكون مسؤولا عنها اداريا ولن ندخل مجددا في المحاصصة والمناكفة والتوافقات.
وما يجب على رئيس الوزراء طرحه في لائحة الإصلاح، إلغاء الامتيازات الفلكية للطبقة السياسية منذ 2003 فهناك من يقول ان مرتبات تقاعدية لمسؤولين في الدولة تتجاوز الخمسين مليون شهريا.
إن صحت هذه الأقوال فنحن امام كارثة لا نظير لها، يجب معها وضع حد أدنى للرواتب وحد أعلى وأن لا يكون لعامة الناس قانون تقاعدي ولخاصتهم قانون آخر.
وبالإضافة الى ذلك انزعج العراقيون كثيرا في السنوات السابقة من سوء توزيع الثورة فليس من الانصاف ان يحصل اقليم كوردستان على عائدات نفطه ويأخذ حصة من عائدات نفط الجنوب، وليس معقولا ان يحكم الاكراد في بغداد ويتولون وزارات بينما لهم في اقليمهم وزارات آخري.
غريب ان يتولى الكردي وزارة كالمالية في بغداد بينما هو لديه وزارة مماثلة في الاقليم، وليس معقولا ان تكون عائدات المنافذ الحدودية في الاقليم للإقليم يشارك بقية العراقيين في عائدات منافذهم الحدودية.
هذه المفارقات الغريبة ستجعل من الشارع في وسط وجنوب البلاد يثور إن عاجلا أو آجلا وربما تكون ثورته عنيفة جدا ولا تبقي ولا تذر.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق