العراق اليوم

طرائف من تجربتي في الهند (2)

كلما دخلت معتكفي الصغير في شقتنا التي كنا نستأجرها في الهند بهدف السكن أثناء الدراسة يكون هناك “إنذار درجة ج” داخل الشقة: فولداي الاثنان يمتنعان عن اللعب أو كل ما من شأنه إحداث ضوضاء عالية، تقول لهم ماما: “بابا يدرس!”، فيفهمون مؤديات عدم الالتزام بالضوابط. حتى زوجتي لم تكن تقاطعني أثناء عملي البحثي، اللهم إلا في الحالات غير العادية، أو الطارئة!
وبالفعل، حدثت مثل هذه الحال، إذ طرقت زوجتي عليّ باب “المعتكف”، كما كنا نسمي تلك الغرفة الصغيرة للدراسة، “ما الخطب؟” سألتها، فأجابت، همسا: “ضيوف!” دحرتُ تثاقلي على الفور لقطع خيط التأمل والتفكير، وقمت لأرى هؤلاء الزائرين غير المتوقعين. وإذا بي أمام امرأة عجوز لا تقل عن العقد الثامن من العمر مع رجل شاب وبنت صغيرة. والتزاما بتقاليدنا العربية في الضيافة، طلبت من هؤلاء الضيوف المفاجئين التفضل بالجلوس في الداخل.
حافظنا أنا وزوجتي على الصمت، متوقعين أن يباشر أحدهم بالكلام! ثم بعد احتساء فناجين القهوة التركية الثقيلة، وتبادل عبارات الترحيب والود التقليدية، بدأ الرجل بالحديث، إذ باشر أولا بدعوتنا جميعا (دون استثناء الأولاد الصغار) لحفلة تقيمها عائلته في نادٍ اجتماعي شهير. وقد أدركت مباشرة بأنها حفلة كبيرة بدليل إقامتها في هذا النادي الذي يتسع لمئات وربما لآلاف المدعوين، إذ تقدم فيه ولائم عشاء ضخمة في مثل هذه الحفلات التي غالبا ما تقام على حدائقه. نظرا لغنى من يستأجر النادي لأية مناسبة كانت كالزوج أو “عقد القران” بالنسبة للمسلمين من الهنود. وكان من الطبيعي أن أستفسر عن مناسبة إقامة هذه الحفلة الفخمة، وإذا بي أصعق بإجابة جعلت رأسي يدور، متيقنا من حقيقة مفادها هو أني في “بلاد العجائب”!
وإذا ما كان الرجل الشاب قد تطوع بالكلام لشرح مناسبة الحفلة بعد أن ذكر لها عنوانا غريبا بلغتهم المحلية هناك. لم أفهمه بطبيعة الحال! ثم عندما لاحظ هو ووالدته العجوز علامات الاستفهام وهي ترتسم على وجهي ووجه زوجتي (كما كانا يتوقعان)، راح الرجل يشرح هذا النوع من الحفلات: وهو الاحتفالات التي تقام من قبل عائلة الطفلة حال بلوغها “الطمث الأول” أو سن البلوغ. هم يحتفلون بهذه المناسبة إشهارا مع أقربائهم وجيرانهم كلما بلغت لهم بنت هذه السن، وذلك (كما أعتقد) بهدف إعلام الجميع بأن الطفلة قد أصبحت امرأة بالغة، أي امرأة قابلة للاقتران بزوج. وبعد تسلمنا بطاقة “كارت” الدعوة مطبوعا عليها المعلومات كالتوقيت والعنوان، انطلق لسان زوجتي بحكايات طريفة عن بعض العادات والأنساق الاجتماعية لدينا في مجتمعات العالم الإسلامي، إذ تتكتم البنت على ما يظهر على جسدها من تغيرات البلوغ، خصوصا بعدما أشيع من حوادث جرمية فعلية كانت قد ألمت بالعديد من البنات، بسبب جهل الأسرة وإخفاق الأم أو الأخوات الأكبر في تثقيفها وجعلها على معرفة واستعداد لاستقبال هذا التغير الذي يحدث لكل بنت بصحة جيدة. قلت في دخيلتي في هذا المجال: ها هنا قد تفوق الهنود علينا ثانية!
طرائف من تجربتي في الهند

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق