العراق اليوم

وظائف رسمية للبيع

وأوضح المسؤول نفسه، في حديث مع “العربي الجديد”، أنه “من خلال متابعة التعيينات في الوظائف، تبين أنّ معظمها اعتمد معيار المال، بدلاً من المحاصصة الحزبية والطائفية وحتى القرابة التي كانت تعتمد سابقاً. فمن يدفع يحصل على الوظيفة، ويمكنه منافسة الآخرين مهما كانت لديهم ما يمكن اعتباره امتيازات أو نقاط قوة للظفر بالوظيفة”. وتابع “بالعادة هناك شبكات خاصة بملف الوظائف في الوزارات والهيئات، وتتشكل من أقرباء الوزير أو وكيله ومسؤولين في مكتبه، وآخرين هم في الدرجة الأقل التي تتولى عملية تسلّم الأموال وأخذ الوثائق”، لافتاً إلى أنه “تطورت عمليات تلقي الأموال إلى ما يعرف بالكفيل، إذ يضع الشخص الذي يريد الوظيفة المال عند طرف ثالث لا يسلم المبلغ إلا بعد صدور الأمر الإداري بالتعيين في الوظيفة وتسلم هذا الشخص المرتب الأول”.

وأكّد المسؤول أنّ “الحكومة وتحت ضغوط التظاهرات، تسعى لتفكيك مافيات الوظائف بالمؤسسات الحكومية، والتي تحولت إلى شبكات فساد خطيرة تنشط في مجالات كثيرة، وتوصل من لا يستحقون وتقصي الكفاءات”، معتبراً أنّ “تفوّق المال على المحسوبية والمنسوبية دليل كاف على أن حتى الطائفية السياسية في العراق هي مجرد غطاء تتم تحته عمليات الفساد والإضرار بالمال العام”.

من جهته، أكد أحمد الساعاتي، وهو عضو بمنظمة “حقوق” العراقية (غير حكومية ) وتعنى بشؤون محاربة الفساد في البلاد، أنّ الأمر تعدى الوظائف ليصل إلى نظام “العقود والأجر اليومي”. والأخير هو نظام عمل استحدثته الحكومة في السنوات الأخيرة يحصل من خلاله العامل في الدوائر الحكومية على مبلغ مالي لا يتجاوز ربع مرتب الموظف العادي، لكنه يبقى ضمن الاحتياط، ليحصل بعد سنوات على الوظيفة عند توفر شواغر بسبب وفاة أو تقاعد واستقالة أي موظف.
وبحسب الساعاتي، فإنّ “جرثومة الفساد في العراق صارت أكثر ذكاءً، وتطورت عن السنوات السابقة للإفلات من الرقيب، وصارت تتخذ وسائل كثيرة للاستمرار، لكنها من حيث شخوصها ورعاتها واضحة، وهؤلاء لم يتغيروا كأحزاب وشخصيات تنشط منذ عام 2003”. وقال إنّ “مفتشية وزارة الداخلية هي الأكثر نشاطاً في تتبع شبكات الوظائف”، لافتاً إلى أنّه “تبيّن من خلال كل الذين تمّ التحقيق معهم من المعنيين، أن معيار الوظيفة هو ما يملكه المتقدّم من مال، وليس طائفته أو حزبه أو حتى قرابته من هذا أو ذاك، والوزراء بعضهم منتفع من هذا الأمر، فيما آخرون لا يدرون ما يجري في مكاتبهم”.

وتعليقاً على الموضوع ذاته، قال عضو التيار المدني العراقي، سعد عباس الكحلي، في حديث مع “العربي الجديد”، إنّ “توزيع الدرجات الوظيفية خلال السنوات السابقة داخل أحزاب السلطة حصراً، انعكس سلباً على أداء المؤسسات، وأصبحت كل وزارة تابعة لحزب معين ومرتبطة به بشكل وثيق”. وأوضح أنّ “عناصر الأحزاب أدركوا بعد كل تلك السنوات، أنّ الحزب لا يدوم لهم بقدر المال، فبدأوا يتعاملون ببيع الدرجات الوظيفية لتأمين مستقبلهم، ولا يبالون بمن يكون المشتري، سواء من الحزب أو من خارجه”، معتبراً أنّ “هذا التوجه الذي يعكس مدى الفساد، له وجه جيد أيضاً، من خلال كونه حجّم النفوذ الحزبي نوعاً ما، وفتح الباب لطاقات جديدة تدخل المؤسسات من خارج الأحزاب”.

وأشار الكحلي إلى أنّ “هذا التغيير بمستوى تفكير عناصر الأحزاب، وتغليبهم للمال على السياسة، يؤشر إلى أنّ عمر تلك الأحزاب التي تسلّطت على العراق أصبح قصيراً، وأنّ قادة الأحزاب يعملون حالياً لحصد المال وتأمين مستقبلهم خارج البلاد”.
ويحمّل مسؤولون البرلمان مسؤولية التحكم بالدرجات الوظيفية وبيعها للمواطن البسيط المستحق لها أساساً. وفي السياق، قال مسؤول في وزارة التربية، في حديث مع “العربي الجديد”، إنّ “البرلمان لم يقم بواجبه الرقابي، لكشف عمليات الفساد الكبيرة التي تدار في مؤسسات الدولة بشكل عام”. وأكد أنه “يجب على البرلمان تشكيل لجان تتابع عمليات التعيين من بدايتها حتى توزيعها، وعلى لجنة النزاهة متابعة الثراء الفاحش لدى كبار المسؤولين في دوائر الدولة”، مشدداً على أنّ “تحجيم الدور الحزبي هو شيء جيد، لكن العراق لن يتعافى من هذا النفوذ إذا لم يتخلّص من حيتان الأحزاب وحيتان الفساد”.

واستغل متنفذو الأحزاب في دوائر الدولة حاجة المواطنين البسطاء إلى الدرجات الوظيفية ليبيعوها لهم. وفي هذا الإطار، قال أمجد العلي، وهو مدرس حصل على وظيفة قبل أيام عدة بعد دفعه مبلغاً من المال: “أجبرت على الدفع لوسيط مقرّب من المدير العام لإحدى مديريات وزارة التربية، مبلغ 14 ألف دولار، لأحصل على الدرجة الوظيفية”. وأكد: “أنا لست منتمياً لأي حزب أو جهة سياسية، ولقد اقترضت جلّ المبلغ لشراء الوظيفة، وقد حصلت عليها بعد 12 عاماً من تخرجي من الجامعة”.

ويعاني العراق من هيمنة عدد من الأحزاب على دوائره ومقدراته بشكل كامل، ما تسبب مع الأيام بضياع حقوق طبقات المجتمع الأخرى، والتي تهمشت وسلبت حقوقها في التعليم والتعيين.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق