اخبار العراق الان

آزاد الهرمزي و"الاتصال المفاجئة".. أيام العراق الدامية تحت المجهر

معن الجيزاني – واشنطن /

رصدت حلقة خاصة من “الحرة تتحرى”، تحت عنوان “قناص بأقنعة مختلفة”، تفاصيل الأيام الدامية التي شهدها العراق مطلع الشهر الجاري، حين خرج آلاف العراقيين إلى الشوارع في مظاهرات منددة بالفساد وتردي الأوضاع، قابلتها السلطات بالعنف المفرط، ما أسفر عن مقتل أكثر من 140 شخصا، معظمهم من المدنيين.

في الأول من شهر أكتوبر الجاري، خرج آلاف الشبان إلى شوارع العاصمة العراقية بغداد وعدد من محافظات الوسط والجنوب العراقي في تظاهرات سلمية، احتجاجا على البطالة وتردي الخدمات العامة.

وفي الأسابيع القليلة التي سبقت هذا التاريخ، كانت أصوات العراقيين قد بدأت ترتفع عاليا بانتقاد الفساد وانتشار البطالة واللامبالاة الحكومية في إدارة ملف الخدمات والبنى التحتية الأساسية التي كانت تتهالك عاما بعد آخر.










تضمين





في العراق.. قناص بأقنعة مختلفة




لا يوجد وسائط متاحة






0:00

0:25:16












0:00


بعض تلك الأصوات كانت بدأت تخرج من الأحياء المسحوقة في أحزمة الفقر التي تقطنها أغلبية شيعية عراقية، على غرار هذا الطالب الذي قال : “أنا كمطلب في مدينة الصدر أريد أن أرى التغيير.. نشوف حياتنا، نشوف نحن كشباب أنفسنا متعينين وأن نبني مدينتنا ومستقبلنا ووضعنا، مثلما ترى من حولك، هذا هو وضعنا، نحن نرى خرابا، لا نرى تعمير”.

وأضاف قائلا “أنا متخرج منذ أربع سنوات تخصص هندسة اتصالات، لم أجد فرصة عمل لأنني لا أنتمى لحزب أو لجهة سياسية معينة”.

والانتقادات العالية للأداء الحكومي وتفشي الفساد ارتفعت حتى في مسيرات زيارة عاشوراء هذا العام، زفي مقابل التململ الشعبي المتزايد، كان يبدو أن هناك حلقة مفقودة بين الحكومة والشارع.

وفي الأسبوع الحاسم الذي سبق التظاهرات، واجهت قوات مكافحة الشغب العراقية العاطلين من حملة الشهادات العليا بالمياه الساخنة، ثم ظهرت قضية إقالة قائد جهاز مكافحة الإرهاب الفريق عبد الوهاب الساعدي من منصبه وإحالته الى أمرة وزارة الدفاع.

وتصاعدت الأصوات التي تنتقد الحكومة والنظام السياسي: “يعني هذا العراق أربعين مليون ما بيهم غير هذا الألف الموجودين أو الألفين الموجودين المتحكمين بنا ويسرقون بنا منذ 16 سنة، ما هو فرقهم عن صدام، ماذا فعلوا من أجلنا؟ هل بلطوا شارعا؟ هل بنوا مدنا؟ أو إعمار أو تعيينات أو خدمات للمواطنين.. لاشيء!”.

وبخلاف كل التظاهرات السابقة التي شهدتها شوارع العاصمة بغداد ابتداء من 2011، كانت شريحة المتظاهرين وخطابهم مختلفا هذه المرة، ورددت الأصوات شعارات عدة بينها “فدوة للعراق.. اطلعوا.. ليس من أجل أنفسكم.. بل من أجل أطفالكم..”.

“مطالبنا نريد وطن.. هل تعرف ما هو الوطن.. أريد وطن فيه قائد شريف يحكم عراقيين شرفاء، لا نريد وطن فيه قادة فاسدون”، “نحن نخبة من الشعب، لا نتبع لأي حزب، لسنا تابعين لأي جهة”، “نحن أناس فقراء.. لا نملك سوى أصواتنا..”.

ووسط ساحة التحرير في بغداد، علّق ناشطون مطلباً ينطوي على دلالات عميقة في وجدان من شاركوا في التظاهرات، “نريد وطنا محترماً” كان هذا الشعار حدثا يختصر أي خارطة إصلاح يمكن التفكير بها.

لم يكن الشبّان الصغار الذين كانوا محرك التظاهرات ووجهها البارز من تيارات علمانية أو يسارية أو من أحزاب دينية، قالوا إنهم عراقيون ويريدون استعادة وطنهم ممن وصفوهم بالفاسدين.

وعبر المتظاهرمطالبهم في الشارع بشعارات عدة، “لا نريد أحزاب.. يموت منا 100 سيخرج مليون.. الشعب كله قد خرج.. لم نخرج من أجل المرجعية.. ولا من أجل حزب أو سياسة”.

ولايزال العراق محافظا على موقع متقدم بين الدول المنهكة بالفساد المالي والإداري، وبسبب الفساد أيضا، يندرج العراق ضمن تصنيفات مخاطر غسيل الأموال والتهريب وتجارة المخدرات وغياب الشفافية في عمل المؤسسات، ليأتي تقرير مركز فريدوم هاوس لرصد الحريات السياسية والحريات العامة ليدرج العراق كأحد البلدان التي لا تتمتع بالحرية.

وفي الرابع والعشرين من شهر سبتمبر، أي قبل نحو أسبوع واحد من خروج التظاهرات في العراق، نشر معهد واشنطن للدراسات مقالا تحليليا مثيرا للاهتمام، حيث لفت إلى ظهور جيل جديد وغير متوقع في العراق.

هو جيل جديد خرج في العراق إذا، جيل الأنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، من رحم أزمات متلاحقة هزت الكيان العراقي على مدار عقد كامل، شكّل جيل الشباب رؤيته الجديدة لما يجري من حوله.

ويقول دلوفان برواري، في موقع ميدل إيست أونلاين، أن هذا الجيل ولد من فجوة هائلة صنعها جشع وفساد أحزاب السلطة.

ويقول شبان عراقيون إن المسافة بين عموم المواطنين وطبقة رجال الدين والأحزاب باتت شاسعة، ومعظم موارد الدولة العراقية يتم تبديدها بشكل جنوني.

ويأتي هذا وسط تقارير دولية تتحدث عن ديون العراق الداخلية والخارجية قد وصلت إلى أكثر من مائة وثلاثين مليار دولار في العام 2018.

رصاص.. ودماء

إذا انفجر الشارع،وواجهت السلطة غضب الشباب السلميين بعنف مفرط، خلف في أسبوع واحد فقط أكثر من 140 قتيل وآلاف الجرحى.

لماذا سقط هذا العدد الكبير من الضحايا، في بلد تقول سلطاته إن التظاهر السلمي حق من حقوق المواطنة ويكفله الدستور العراقي؟

من أطلق الرصاص الحي على المتظاهرين، وكيف انتشر القناصة على أسطح المباني الحكومية وفي الأزقة وتقاطعات الطرق المؤدية إلى مداخل المنطقة الخضراء المحصنة حيث يقطن معظم المسؤولين العراقيين.

وجائت الإجابة على لسان المتظاهري، كما عبر أحدهم بالقول”هؤلاء هم جماعة الخراساني جماعة علي الجزائري وحامد الجزائري، هؤلاء من تبعة إيران، إنهم قذرون، إنهم ليسوا عراقيين.. العراقي لا يضربنا.. لكن هؤلاء إيرانيين خونة”.

في المقابل، لم تقدم السلطات العراقية رواية يمكن الاعتداد بها خصوصا وأنها متهمة بالتقصير بواجباتها في حماية المتظاهرين، رئيس الحكومة العراقية عادل عبد المهدي أكد بأنه لا توجه أوامر للقوات الأمنية باستخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين، وبدا مصراً على اتهام طرف ثالث بالجريمة.

وفي تصريخ له، قال عبد المهدي: “نسمع عن قناصين نسمع عن قنابل يدوية نسمع عن قنابل مولوتوف وحرق شرطي أمام الناس وحرق مواطن وسقوط مواطن، يعني الأعمال متبادلة والكل مواطنين الكل أعزة. لا يمكن القبول باستمرار هذا الحال”.

على أرض الواقع، أظهرت معظم المقاطع، التي تم تصويرها من قبل المحتجين، عناصر بثياب سوداء داكنة تطلق النار بشكل مباشر على المتظاهرين، هو نفس الزي الذي يرتديه عناصر قوات الرد السريع في الشرطة الاتحادية.. فمن أعطاهم الأوامر بإطلاق النار؟.

يشير كتاب رسمي موقع من قبل قائد قوات الشرطة الاتحادية، بتاريخ السادس والعشرين من سبتمبر الماضي، إلى ترشيح ثلاثة أسماء لمنصب قائد الفرقة الخامسة في الشرطة الاتحادية.

يظهر الكتاب الرسمي موافقة وزير الداخلية على اختيار الاسم الأول، أي العميد حيدر يوسف عبد الله، والمعروف باسم أبو ضرغام المطوري، والذي كان يشغل منصب آمر لواء في ميليشيا بدر.

أبو ضرغام نفسه ظهر في صور مسربة تجمعه مع قائد فيلق القدس قاسم سليماني وزعيم ميليشيا بد ر هادي العامري.

ويقول شهود عيان من بين المتظاهرين إن القوات الأمنية التي كان من المفترض أنها الجهة المعنية بحماية التظاهرات، هي التي أطلقت النار مباشرة وقتلت وجرحت عددا كبيرا من الشبان العزل.

“إنهم يضربون بالقناص علينا. ونحن متظاهرون سلميون. ليس هناك شيء بأيدينا فلماذا يضربنا بالقناص؟”.

ويقول المحلل السياسي، أحمد الأبيض، : “نحن مررنا بهذه المنطقة العربية بظروف مشابهة منذ العام 2011 فيما يعرف بالربيع العربي.. وحاولت بعض السلطات أن تستخدم نفس الأسلوب، شبيحة وشقاوات واليوم أسلوب الميليشيات التي هيمنت على الدولة العراقية. كل ذلك سوف لن ينفع. التاريخ يثبت. لا توجد قوة تستطيع أن تقتل شعب كامل. تُحجم دوره. تضيق عليه هنا. تطارد هنا. ولكن في آخر المطاف ما حصل في واحد تشرين هو انتقالة عامة ليست انتقالة خاصة يعني ليس كما ينظر البعض إلى أن هناك مئة ألف أو مئتي ألف تظاهروا.. لكن انظر إلى مشاعر كل العراقيين. في الداخل وفي الخارج مع من تصطف؟”.

ويضيف “هناك جريمة تم ارتكابها.. من خلال القنص وإسقاط هؤلاء الشباب.. الان أحدهم يحاول أن يلقي الكرة على الآخر.. واتهامات فيما بينهم.. وهذا جيد جدا.. إن بدء هذا العرش المتهاوي يهتز.. وعندما يهتز هذا العرش بالتأكيد آخر المطاف اليوم وحدة من أهم النتائج التي حصلت أن المجتمع الدولي بدأ يسلط الضوء على الملف العراقي”.

الاتهامات التي جاءت على ألسنة بعض المتظاهرين، تركزت على ثلاث جهات بعضها كان مكلفا بتأمين التظاهرات، قوات مكافحة الشغب وقوات الرد السريع التابعة للشرطة الاتحادية وبعض الميليشيات المسلحة الموالية لإيران.

وقد تكون هي ذات الجهات، التي قال رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي، إنها باتت تسيطر حتى على الأجهزة الأمنية وعلى البلاد وأنها أصبحت تقتل العراقيين مباشرة وبشكل علني.

وفي محافظة ذي قار الجنوبية، يتداول ناشطون صور مسؤولين في منظمة بدر التابعة لرئيس كتلة الفتح البرلمانية هادي العامري، يقول الناشطون إنهم ضالعون بقمع التظاهرات وإطلاق النار على المتظاهرين.

هذه المعلومات، أكدتها استقالة القيادي والمسؤول في المكتب السياسي للمنظمة وممثلها في أستراليا عادل مزهر الجابري، حيث قال إن من بين أسباب استقالته هو موقف منظمة بدر السلبي من المتظاهرين السلميين المطالبين بحياة كريمة. كما انتقد تفشي الفساد المالي والإداري والإثراء الذي وصفه بالرهيب لمجموعة محددة داخل المنظمة.

متظاهر من محافظة ذي قار يقول “أنا عندي دلائل للقتل المباشر والرمي المباشر على الناس.. البارحة أجهزوا على أحد المصابين، وقفوا فوق رأسه وأطلقوا النار وقتلوه”.

ويضيف “من أعطاكم الحق أن تطلقوا النار على الناس؟ الشباب يتظاهرون وفق الدستور لماذا تطلقون عليهم النار والغاز المسيل للدموع؟ أنا أدعو إلى محاكمة قائد شرطة سوات وقائد قوات مكافحة الشغب ومدير شرطة ذي قار والمحافظ وتقديمهم إلى المحاكم”.

أحد المصابين في المستشفى يقول “خرجت مع المتظاهرين وكنت أحمل علما عراقيا.. وهتفنا بسلمية التظاهرات.. وخلال الهتاف أطلقت القوات الأمنية النار علينا.. استعملوا سلاح البي كي سي.. أنا أصابتني رصاصة في ظهري.. وخرجت من بطني.. ومزقت أمعائي..”.

حسين هادي البديري.. رجل المهام المتعددة

وفي مقاطع التقطتها كاميرات مراقبة ، ظهر مسؤول اللجنة الدينية في مجلس محافظة الديوانية المرشح عن منظمة بدر، حسين هادي البديري، ظهر وهو يقود مجموعة من المسلحين بثياب مدنية ويقوم بضرب واعتقال عدد من المتظاهرين.

حسين هو أحد الشخصيات التي تقوم بمهام متعددة، فهو شيخ معمم يعتلي المنابر الدينية ومقاتل في صفوف الميليشيات المسلحة وعضو في مجلس المحافظة يجاهر بمكافحة الفساد والدفاع عن حقوق المواطنين، نفس المواطنين الذين يقوم باعتقالهم إذا ما تجرأوا وطالبوا بحقوقهم.

الدولة العميقة

طابور طويل من شخصيات الصفوف الخلفية للدولة العميقة، أسماء ومواقع عسكرية وأمنية واقتصادية ودينية، بعضهم كانوا بعثيين سابقين، والبعض الآخر بلا هوية محددة أو جذور، جلّهم كانوا عناصر في ميليشيات مسلحة مازالوا يتحركون حتى الآن بأسماء وشخصيات ورتب وهمية.

وفي لقاء مع قناة “دجلة”، قال غالب الشابندر “أريد أعرف عشيرة فالح الفياض ليش تمسك بكل هذه الصلاحيات؟ ألم تكونوا مع صدام حسين؟ لنتكلم بصراحة.. ألم يكن كل من يشتغل بحزب البعث يأتي إليكم لتتوسطوا له عند صدام؟ بس أنتم عشيرة وطنية؟ ألا توجد عشائر أخرى.. يا جماعة والله إنها دولة منهوبة.. ابتلينا.. إذا تكلمنا نقتل”.

آزاد الهرمزي.. الاتصال المفاجئ

ومن بين المعلومات التي وردت “للحرة” خلال الاحتجاجات، محادثات بين شخصيات فاعلة في تلك الصفوف الخلفية للدولة العميقة، أحد تلك الشخصيات هو اللواء آزاد الهرمزي الذي قيل إنه مسؤول الحماية الشخصية وأحد المقربين من رئيس الحكومة عادل عبد المهدي.

إحدى المحادثات كانت مع شخصية أخرى داخل الدائرة الضيقة المحيطة بصنّاع القرار، ولخطورة ما تضمنته تلك المحادثات وعدم وجود وسيلة للتأكد من صحتها، اتصلت “الحرة” برقم الهاتف الظاهر في تلك المحادثات ليرد آزاد الهرمزي على الطرف الآخر.

وبعد أن واجهته “الحرة” بمضمون التسجيلات، نفى الهرمزي أي علاقة له بقمع التظاهرات، وقال “أكون صادق ماكو داعي أحلف كل أيام المظاهرات مسدس لم أحمل.. ثق بالله.. وأنا عندي أولاد.. مثل ما أحب أولادي أحب أولاد الناس.

كما أكد أنه ترك العمل مع عبد المهدي منذ استقالة الأخير من منصبه كوزير للنفط عام 2016.

وحين سألناه إن كان مدير حماية رئيس الوزراء، قال “لا عيني لا.. كنت سابقا آمر فوج من 2014 تم هيكلة الأفواج ونقلت إلى أمرة وزارة الدفاع”.

لكن الهرمزي عاد وأكد أن أوامر رئيس الوزراء كانت صارمة بتفادي التصادم مع المتظاهرين،وقال “كان كل توجيهات السيد عادل عبد المهدي الابتعاد عن التصادم مع المتظاهرين مهما فعلوا.. مهما فعلوا”.

ثم تحدث عن عمليات قتل جماعي في منطقة ساحة الحمزة ببغداد، وحمل المسؤولية للقوات الأمنية المنتشرة هناك.

وقال “بالمناسبة، ثالث يوم صار كل القتل الجماعي بحدود 18 واحد ببغداد. اللي صار فقط في الرصافة 18 حالة.. اليوم أكو قوة ماسكة الأرض.. أنى بقناعتي هاي القوة تتحمل المسؤولية”.

يجدر الإشارة هنا إلى أننا حصلنا على معلومات من مسؤولين أمنيين ومصادر مقربة من رئيس الحكومة أن اللواء الهرمزي لايزال يعمل في الطاقم الأمني المحيط بعبد المهدي، ولكنه يتحرك دون صفة رسمية.

جيل جديد يحاول أن يصنع لحظة التغيير، ودولة عميقة لا تزال متشبثة بامتيازات هبطت عليها من السماء، وما بين هذا وذاك يعيش العراق لحظة الولادة العصيبة، حيث لايزال شهر أكتوبر مفتوحا لكتابة فصل عراقي جديد.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق