العراق اليوم

العراقيون يعودون إلى الشارع: رفع لسقف المطالب … بغداد، زيد سالم – ذي قار، محمد علي

يستأنف العراقيون، مجدداً، اليوم الجمعة، في ما لا يقل عن 10 مدن رئيسية جنوب البلاد ووسطها، فضلاً عن العاصمة بغداد، تظاهراتهم التي كانت انطلقت مطلع شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي، ودخلت هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين، إفساحاً أمام إحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين بن علي، التي تشهد عادة مشاركة مئات آلاف العراقيين والوافدين من دول عدة. وتصادف اليوم، الذكرى السنوية الأولى لأداء عادل عبد المهدي اليمين الدستورية في البرلمان كرئيس لحكومة عراقية لم تحقق منذ عام أياً من الطموحات التي تلبي ولو جزءاً يسيراً مما يصبو إليه العراقيون.
وتتجه الأنظار اليوم إلى هذه التظاهرات، خصوصاً لجهة معرفة حجمها، وما إذا كانت ستكتسب زخماً جديداً، ولمعرفة ماهية نية السلطات للتعامل معها، وما إذا كانت الأخيرة ستكرر الأخطاء السابقة ذاتها، لجهة قتل المحتجين في الشارع.
من جهتهم، يؤكد ناشطون عراقيون أن التظاهرات المرتقبة ستحمل مطالب وشعاراتٍ جديدة تضاف إلى تلك التي سبقتها، والتي ركزت بمجملها على ضرورة محاربة البطالة والفساد المستشري في البلاد والفقر وتوفير الخدمات. ومن أبرز المطالبات المستجدة، ضرورة إجراء انتخابات مبكرة تحت إشراف الأمم المتحدة، وإقالة حكومة عادل عبد المهدي، وتشكيل محكمة عليا لفتح ملفات الفساد المتراكمة منذ العام 2003، ومحاسبة قتلة المتظاهرين الذين سقطوا خلال الاحتجاجات الشعبية الأخيرة، والذين بلغ عددهم 149 قتيلاً حتى الآن.
وبحسب مصادر حكومية عراقية، فإن وزارتي الداخلية والدفاع دخلتا فعلياً منذ ظهر أمس الخميس حالة الاستنفار، وجرى قطع الإجازات الدورية لعناصرهم، فيما أخليت مبانٍ تابعة للحكومات المحلية في المحافظات الجنوبية والوسطى، وكذلك دوائر حكومية مختلفة، من الملفات والوثائق الموجودة فيها، خشية اقتحامها، بينما أغلقت أغلب المقرات والمكاتب الحزبية أبوابها في جنوبي البلاد، حتى تلك التي أعلنت تأييدها للتظاهرات، وذلك تحسباً كذلك من اقتحامها من قبل، على غرار ما حدث خلال التظاهرات الماضية.
وبحسب المصادر ذاتها، فإن قوات الأمن العراقية ستعمد إلى غلق جسر الجمهورية والسنك والجسر المعلق، لمنع وصول المتظاهرين إلى المنطقة الخضراء في بغداد، أو إلى الوزارات والسفارات القريبة منها.

وتداركاً للنهج السابق، الذي أدى إلى زهق أرواح عددٍ كبير من المتظاهرين، أشار مسؤول في وزارة الداخلية العراقية، إلى أن قوات الأمن تلقت تعليمات مشددة بعدم استخدام الرصاص الحي، وعدم اللجوء إلى محاولة تفريق المتظاهرين، إلا إذا ما حاول هؤلاء اقتحام المؤسسات الرسمية، متحدثاً لـ”العربي الجديد” عن وجود مخاوف لدى السلطة “من وجود مندسين أو مخربين أو لصوص سيسعون لاستغلال التظاهرات لممارسة أعمال إجرامية”.
وقال المصدر إن “هناك عجزاً كاملاً عن تصور أو توقع ما ستحمله الساعات المقبلة، وهل ستبقى التظاهرات سلمية أم ستنحرف عن هذا المسار، كما تثار تساؤلات حول حجمها ومدى استمراريتها، كذلك ما إذا كانت ستتحول الى عصيان مدني، وقطع طرقات”. وتحدث عن “تأثير للأحداث الدائرة في لبنان (انتفاضة شعبية) على المتظاهرين في العراق”، وهو ما بدا على حدّ قوله ” من الاستعدادات التي رصدت يومي الأربعاء والخميس (أمس وأول من أمس) وطبيعة الشعارات المرفوعة”.
وفي بيان لوزارة الداخلية العراقية صدر مساء أمس الخميس، وجّه رئيس الوزراء عادل عبد المهدي القوات الأمنية “بالتعامل مع المتظاهرين وفق مبادئ حقوق الإنسان والالتزام بالتوجيهات لحماية التظاهر السلمي”. وأكد البيان أنه “لا داعي للقلق من انطلاق التظاهرات، بعد الدروس المستفادة من التظاهرات السابقة، فالأجهزة الأمنية والمتظاهرون باتوا يقدرون الضرورة القصوى للحفاظ على سلمية التظاهر والاحتراز من اللجوء الى أي شكل من أشكال العنف”، مشيراً إلى أن “قوات الأمن تتعاون مع المواطنين حفظاً للصالح العام، كما أن الجميع يبدي حرصاً على السلم والاستقرار وتجاوز الأخطاء التي حصلت خلال التظاهرات السابقة”. ودعا الوزارة العراقيين إلى “مزاولة نشاطاتهم العادية”.

خارطة التظاهرات: لا تغير متوقع
ولا يتوقع أن تتغير خارطة التظاهرات، اليوم الجمعة، على ما انتهت إليه في العاشر من شهر أكتوبر/تشرين الأول الحالي. وسيكون مرتكز الحراك المنتظر المناطق الأكثر فقراً وحرماناً وتراجعاً في مستوى الخدمات بمدن جنوب العراق ووسطه، وكذلك بغداد، وهي مناطق سيشكل سكانها محرك التظاهرات الرئيسي، وفقاََ للناشط حيدر اللامي، الذي أصيب خلال مشاركته في التظاهرات الأولى برصاصة في الكتف، ويعتزم المشاركة رغم ذلك في تظاهرات اليوم.
وأوضح اللامي، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن ساحتي التحرير والطيران ستكونان مركزاً للتظاهرات في بغداد، فيما يدور جدلٌ حول العبور إلى جانب الكرخ باتجاه المنطقة الخضراء. وأضاف أنه “في حال تمّ تفريق المتظاهرين، ستشكل ساحات الخلاني والأندلس وبيروت البديل”. ولفت إلى أنه “بالنسبة للمناطق الأخرى، فالصدر والحسينية والزعفرانية وشارع فلسطين والفضل والنهضة ستكون ساحات رئيسية للتظاهرات”.
أما بالنسبة لجنوبي العراق، فأكد عضو التيار المدني أحمد الربيعي، أن جميع المحافظات، بما فيها كربلاء، ستشهد التظاهرات المعارضة للحكومة والأحزاب”، مشدداً على “سعي المنظمين للسلمية، وعكس مستوى تفكير الشارع وثقافته، وكذلك قراره من عدمه بإقالة الحكومة، والذهاب إلى انتخابات مبكرة، والتحقيق مع جميع الزعامات السياسية بشبهة الإثراء غير المشروع، فيما المطلب الأهم أن نضمن انتهاء الوضع الفاشل للدولة العراقية”.

وحول المناطق المتوقع أن تشهد التظاهرات في الجنوب العراقي، قال الربيعي إن “الحلّة والمسيب في محافظة بابل ستشهدان تظاهرات واسعة، فيما ستتركز التظاهرات في ذي قار بالناصرية والشطرة والرفاعي وسوق الشيوخ، أما في القادسية، فستكون الديوانية والشامية والحمزة أبرز المدن المتوقعة بخروج المتظاهرين، بينما محافظة المثنى، فسيتركز التظاهر في السماوة، عاصمتها المركزية، وبمدينتَي الرميثة والوركاء، وفي واسط بالكوت والصويرة والنعمانية، وفي ميسان بمدن العمارة وعلي الغربي وقلعة صالح والميمونة”. وفي النجف، حدّدت السلطات الأمنية الأماكن الخاصة بالتظاهر، وهي الساحات العامة، مانعةً الاقتراب من المدينة القديمة التي تحوي مرقد الإمام علي بن أبي طالب، إضافة إلى بيت المرجع الأبرز في البلاد علي السيستاني، بحسب الناشط العراقي. أما في كربلاء، فسيكون المنطلق من شارع التربية والشارع العام المفضي إلى مرقد الإمام الحسين بن علي، فيما سيكون الانطلاق في البصرة من شط العرب والتنومة ومركز المدينة والزبير والعشار، على حدّ قوله.
وفي ما يخصّ صوت غرب العراق وشماله، أكد الناشط في تظاهرات النجف، سلام المالكي، أنه “سيحضر من خلال المطالبة بإعادة إعمار مدنه وتعويض أهله عن الدمار الذي لحق بمنازلهم، وضحاياهم الذين سقطوا، وعلاج جرحاهم”، مشيراً إلى الرغبة في أن تكون التظاهرات المرتقبة “عراقية بكل ما للكلمة من معنى”، وأن صوت تكريت والموصل سيكون “صادحاً”.

وعودٌ لم تقنع الشارع
لم تترك الوعود الأخيرة المرتبطة بمطالب المتظاهرين، والتي أطلقتها الرئاسات العراقية الثلاث، أي أثرٍ أو تقبلٍ يذكر في الشارع العراقي، الذي يبدو أنه سئم منها، بعدما باتت معزوفة شبه مكررة من دون أي تطبيق فعلي على الأرض منذ العام 2005.
وكان رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي أصدر ثلاث حزم إصلاحية أخيراً، عدا عن قرارات مختلفة تتعلق بخفض رواتب الدرجات الوظيفية العليا في البلاد، وتشكيل محكمة للنظر بقضايا الفساد الكبيرة. من جهته، وعد رئيس البرلمان محمد الحلبوسي بسنّ تشريعات ترتبط بدعم الطبقات الأكثر فقراً، ومحاربة الفساد، وتحسين الخدمات وفرص الاستثمار، فيما تعهد الرئيس العراقي برهم صالح بتعديل الدستور ورعاية لجنة مصالحة وطنية.
واعتبر عضو “التيار الصدري” محمد الدراجي، في حديث لـ”العربي الجديد”، أن الأحزاب والكتل السياسية في العراق “تدفع اليوم ثمن نقضها لوعودها وزيف شعاراتها طيلة السنوات الماضية، بعدما بات الشعب غير قابل لتصديق أي منها”. وتأسّف للحال الذي وصلت إليه الحكومة، والتي “لولا خوفها من السخرية، لقبلت بالقسم على وعودها” لإرضاء المحتجين. وحول مشاركة “الصدريين” (نسبة إلى زعيم التيار مقتدى الصدر) ورده على من يتهمهم بركوب موجة الاحتجاجات، فأوضح الدراجي أن مشاركة هؤلاء “ستكون شعبية، وليست حزبية”.
بدوره، أكد القيادي في الحزب الشيوعي العراقي جاسم الحلفي، لـ”العربي الجديد”، أن الحزب “سيُشارك في التظاهرات بصفته الإنسانية، وهي المواطنة، من دون رفع عناوينه السياسية أبداً”. ويوافق الحلفي على مطلب استقالة الحكومة “لأنها أثبتت فشلها خلال عام كامل”.
مخاوف تكرار القمع
وتؤكد غالبية بيانات الحكومة والسلطات الأمنية العراقية الصادرة خلال الأيام الماضية أنها لن تواجه التظاهرات الشعبية اليوم، بأي شكلٍ من أشكال القمع، كما لن تتكرر عمليات القنص الذي تعرض لها المتظاهرون خلال الأيام العشرة الأولى من الشهر الحالي.
وتأكيداً لهذا الاتجاه، جزم عضو اللجنة الأمنية في المجلس المحلي لبغداد، سعد المطلبي، في اتصالٍ مع “العربي الجديد”، أن “القوات العراقية لن تعتدي هذه المرة على المتظاهرين”، واصفاً “ما حصل من تجاوز وترهيب وقتل خلال الأيام الماضية بالخط العسكري والإداري الذي عملت الحكومة على معالجته، كما أن التظاهرات التي كانت كيانات سياسية كثيرة قد شككت في تبعيتها، تؤكد اليوم أنها عراقية خالصة، متمثلة في شبّان باحثين عن حياة كريمة”. وأوضح أن “القوات العراقية باشرت منذ مساء الأربعاء الماضي بالعمل على الخطة الأمنية الجديدة، بمشاركة القوة الأمنية الجديدة (حفظ القانون) التي ستُعنى بحماية المتظاهرين وكذلك المنشآت والأبنية الحكومية من المندسين”.
وكان تقرير حكومي حول أحداث التظاهرات الأخيرة، والتي قتل وجرح فيها مئات المتظاهرين، قد أشار إلى أن السلطات المعنية “عالجت مكامن الخلل”. وتمخض التحقيق الحكومي عن إزاحة عشرات القادة الأمنيين “فاقدي الأهلية للحفاظ على أرواح العراقيين، وغير القادرين على ضبط عناصرهم المسلحين”، عن مناصبهم. كما تجدر الإشارة إلى تدخل مقتدى الصدر، وإعلانه النفير العام لحماية المتظاهرين اليوم. على الرغم من ذلك، يبقى المتظاهرون غير مطمئنين إلى الاتجاه الذي ستسلكه الأمور، خصوصاً أن التقرير الحكومي الأخير لم يوجه الاتهام للفصائل العراقية المسلحة، وهي المتهمة الأولى بقمع المحتجين.
وفي ما يتعلق باحتمال تكرار سيناريو القمع، أعرب القيادي في الحزب الشيوعي العراقي جاسم الحلفي، عن عدم ثقته بالحكومة، لكنه أمل عدم حصول ذلك “على اعتبار أن القادة الأمنيين المتهمين بقتل المتظاهرين قد تمّ فصلهم واستبدالهم”.
إلى ذلك، ستكون خطبة الجمعة في كربلاء التي سيلقيها ممثلو المرجع الديني علي السيستاني، بالغة الأهمية، وسط آمال شعبية بأن تحمل تأييداً للتظاهرات، وضغطاً على الطبقة السياسية لإجراء تحول جذري في سياستها.
عزل الأحزاب

أعلن “التيار الصدري” تأييده للتظاهرات، وكذلك رئيس الوزراء العراقي السابق وزعيم “ائتلاف النصر” البرلماني حيدر العبادي، و”تيار الحكمة” عبر زعيمه عمار الحكيم، هذا فضلاً عن قياديين في “الشيوعي” العراقي الذي انضوى تحت عباءة “التيار الصدري”. لكن هذه الإعلانات عززت الخشية من اختراقات سياسية للتظاهرات الشعبية، وتحولها إلى حملة لتصفية الحسابات بين الكتل الداعمة للحكومة وتلك المناوئة لها، ما دعا إلى خروج دعوات لاتخاذ قرارات بعزل جماهير الأحزاب عن المتظاهرين.
وفي هذا الشأن، قال الباحث بالشأن السياسي العراقي أحمد الحمداني، إن التظاهرات العراقية حققت نجاحاً حتى قبل انتهائها يتمثل في “خسارة القوى السياسية مكانتها في الشارع، واتجاه المواطنين جدياً للبحث عن بدائل عنها، وكسر الهالة المحيطة ببعض زعماء الطوائف”، لافتاً إلى أنها المرة الأولى التي تطرح فيها الأحزاب والكتل السياسية مبادرات تخدم الشارع لا مصالحها”، كردّ فعل وخشية من قوة التظاهرات والغضب الشعبي.
واعتبر الحمداني أن “الحكومة وجميع القوى السياسية المشاركة في السلطة اليوم تقف أمام مفترق طرق حقيقي: إما قمعٌ جديد يفقدها شرعيتها دولياً، وما تبقى لها محلياً، أو اللجوء إلى خيار إرضاء الشارع عبر اضطرارها للذهاب إلى استقالة الحكومة والذهاب إلى انتخابات برلمانية مبكرة”، مؤكداً أن “التغيير، مهما كان حجمه، آتٍ لا محالة”.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق