اخبار العراق الان

المتمردون..لا يهم كيف.. فقط أن نعيش – الحلقة 17

 علــي حســـين

عندما بلغ الحادية والعشرين من عمره مُنح شهادة ميلاد للمرة الاولى.. كانت الشهادة تشير الى أن امه اسمها جابرييل جينيه، لكنه لاحظ ان المكان الذي يُكتب فيه اسم الاب كان فارغا، فالأب مجهول الهوية،

أما الام فانها ستتخلى عن ابنها في يوم ولادته، وعندما قرأ في الزاوية المخصصة لمكان الولادة انه وُلد في شارع اسمه أساس في منزل يحمل الرقم 22، قرر ان يذهب للبحث عن المنزل الذي شهد ولادته، وكانت المفاجأة أن المنزل كان مستشفىً للولادة. يتذكر جان جينيه المولود في التاسع عشر من كانون الاول عام 1910 انه امضى طفولته في دار للايتام، وعندما دخل المدرسة في سن السادسة اظهر ذكاء لفت إليه أنظار المدرسين..

لكنه سيتعرض في المدرسة الى مواقف تؤثر على حياته: “لقد أدركت وأنا طفل صغير انني لست فرنسيا، وانني لا أنتمي إلى القرية. وقد أدركت ذلك بطريقة ساذجة وغبية. فقد طلب منا المعلم أن يكتب كل واحد منا موضوعا انشائيا يصف فيه بيته. وحدث أن كان موضوعي هو الأفضل والأجمل بين كل المواضيع التي كُتبت عن الموضوع المذكور. وقد قرأه المعلم بصوت عال، إلا ان جميع التلاميذ سخروا قائلين: “لكن هذا البيت الذي يصفه ليس بيته. انه طفل لقيط”. في التاسعة من عمره تتبناه عائلة فلاحية تعيش في ضواحي باريس، لكنه بعد عام سيتهم بجريمة سرقة، حيث يتم احتجازه وارساله إلى اصلاحية للاحداث، وليلتصق به لقب لص.

في كتابه “يوميات لص” يصف حالته آنذاك: “كنت اتألم، وعانيت خجلا رهيبا من رأسي الحليقة، وثوبي الحقير، وحبسي في هذا المكان الوضيع، ولكي استطيع العيش رغم ألمي، وحين كان وضعي شديد الانطواء، اعددت ودون وعي، نظاماً صارماً، ويمكن شرح آلية هذا النظام على النحو التالي – ومنذ تلك الحظة سأستخدمه دائما – من صميم فؤادي، سأجيب على كل تهمة توجه إلي، حتى لو كانت باطلة، نعم لقد فعلتها، واصبحت لا اكاد الفظ هذه العبارة، أو اي عبارة تحمل المعنى نفسه، حتى أحس في داخلي الحاجة لأن أصير ما اتهموني به” – “يوميات لص” ترجمها الى العربية احمد عمر شاهين -. هكذا اختار جينيه ان يتمرد على عالم حرمه من العائلة ومن اسم الاب، ليدفعه الى العيش في عالم الجريمة والشذوذ.. يقول لجان بول سارتر: “احسست انني اتجول في عالم تحكمه فئة من اللصوص”. 

في السيرة التي كتبها جان بول سارتر عن جينيه واسمها “القديس جينيه” يحدثنا عن الطفل الذي كان شغوفا بالقراءة والتأمل، وعن احساسه العميق بالعوز، ونظرة المجتمع اليه كونه طفل غير شرعي، مما جعله يصر على أن يعاقب هذا المجتمع بان يتمرد على قوانينه، ويستبدل كلمة طفل لقيط بكلمة لص، يقول سارتر إن جينيه بدأ حياته “طفلا طيبا.. طيبا كالذهب” ثم تعلم “اخلاقا تجلب عليه اللعنة، لأن اخلاق التملك هذه تلقي به الى العدم مرتين، مرة كلقيط واخرى كمتشرد”، ان جينيه سيتحول مثل ابطال مسرحياته التي سيكتبها فيما بعد الى من “يأخذ في تدنيس الاشياء التي يوقرها اشد التوقير”.

في الخامسة عشرة من عمره يُحجز في مدرسة إصلاحية، وفيها سيكتشف ان الانسان لايستطيع العيش في هذا العالم إذا لم يواجهه بخشونة، وان الألم هو الطريق لحياة افضل، ومن هنا فصاعداً تخضع تصرفات جينيه خضوعا تاما لقوانين العالم الذي هو مطرود منه، فهو ابن غير شرعي وسط ابناء شرعيين ينقلب الى الجريمة في مجتمع القوانين، يكتب في يوميات لص: “لما كنت مطرودا من اسرتي، فقد قررت أن أتنكر لعالم تنكر لي”. لكن هذا الطريد والمشرد اراد البحث عن مجال في الحياة لم يشهده في صباه: “اريد لنفسي ان تكتمل في أندر المصائر. وليست لدي إلا فكرة ضئيلة عما سيكون عليه هذا المصير، ولكني اريد لسيره أن يكون رشيقا يتجه رويداً نحو السماء، ولكن ذا جمال لم يشهده حتى الآن احد، محبوبا بسبب الخطر الذي يشق طريقه اليه، ويسحقه ويقضي عليه، آه ـ ألا فلأكن لاشيء سوى جمال مطلق، فسيان عندي رحلت سريعاُ، أو تأخر الرحيل، لكنني سأتحدى ما لابد من تحديه”. 

ستمتلئ حياة جان جينيه بالاحداث، فبعد ان بلغ الثامنة عشر من عمره خرج من سجن الاصلاحية ليواجه العالم من جديد، عاش حياة الفقر والتشرد، متنقلا من سجن الى آخر، وفي فترات الحرية يمارس هوايته في اكتشاف العالم فيسافر الى اسبانيا وايطاليا والبانيا والنمسا وجيكوسلوفاكيا وبولندا والمانيا التي كانت تحت سيطرة النازية، وسيشعر بالاختناق في اجواء المانيا: “احسست انني اتجول في ميدان تحكمه حفنة من اللصوص، واذا ما سرقت هنا فانني لن اكون قد فعلت شيئا غريبا، بل فعلت ما هو مألوف”..

في السجن سيتحول الى كاتب ويروي جان جينه لسارتر هذه الحادثة التي غيرت حياته: “دخلت احد السجون وكنت الشخص الوحيد الذي البس خطأ ملابس السجن، فاصبحت مثار سخرية رفاقي وضحكهم، وكان معنا في داخل قاعة السجن رجل يقرأ الشعر، ويكتب قصائد رديئة باكية، لكنه يثير اعجاب المساجين، فقررت ان اكتب الشعر وكتبت اولى قصائدي (المحكوم عليه بالاعدام)”، لكنه حين قرأ قصيدته هذه على السجناء لم يفهموا منها شيئا، فاخذوا يسخرون منه، وبدلا من ان يغتاظ ويشعر بالأسى، كان رد فعلهم بالنسبة له مصدر سعادة: “ملأني استقبالهم المهين للقصيدة زهوا وفرحا حقيقيين”، هذه البداية الساخرة جعلت منه كاتبا: “كنت اكتب لأنتشي، ولأمزق الصلات اكثر فاكثر مع العالم الذي يرفضني وارفضه”، في السجن يكمل روايته الاولى “سيدتنا ذات الازهار” التي ستنشر على نفقة احد المساجين، وجد ان هذا الفتى موهوب.. بعد خروجه من السجن سيتعرف على جان كوكتو الذي كان معجبا بكتابات جينيه، بعدها ستتاح له الفرصة للقاء بسارتر وستنشأ صداقة متينة بينهما تستمر حتى الايام الاخيرة من حياة سارتر، يخبر سعد الله ونوس الذي اجرى معه حوارا ونشرته مجلة الكرمل في عددها الخامس عام 1982 انه وجد في سارتر وسيمون ملاذا عائليا، وكأنما وجد عائلته التي ضاعت منه في طفولته، وكان ينظر الى سارتر باعجاب وتقدير كبيرين، وسيذكر في الحوار واحدة من المواقف مع سارتر: “ذات مرة زرت سارتر، وقد حدثتني سيمون دو بوفوار ان سارتر اعلن امس في نهاية سهرة طويلة وهو منتش انه الله، اتدري ماذا كان تعقيب سارتر؟ قال لي: فعلا لقد اعتقدت انني الله، وليست هذه المرة الوحيدة التي يسيطر علي مثل هذا الاعتقاد”، تتواصل فيما بعد اعمال جان جينيه الروائية والشعرية والمسرحية، وايضا سيواصل الدخول الى السجن بتهم عدة، سرقة، فحش، اعتداء، عام 1984 تقرر المحكمة الحكم عليه بالسجن مدى الحياة، لانها وجدت عدم امكانية في اصلاحه، لكن بتدخل من كبار الكتاب والفنانين، وكان على رأسهم اندريه جيد وجان بول سارتر وجان كوكتو واندريه بريتون وبيكاسو حيث قدموا عريضة لرئيس الجمهورية طالبوا فيها بالعفو عنه، وقد كتبوا في العريضة: “أنتم تحاكمون واحدا من أعظم الكتاب الفرنسيين في العصر الحديث”، فصدر قرار رئاسي باطلاق سراحه، ولتنطوي الصفحة السوداء من حياته، فقد قرر التخلي عن الجريمة نهائيا. وبعد اربع سنوات سينشر سارتر كتابه الشهير “القديس جان جينيه”، الذي كان يسميه التجربة الاهم في حياته، بعدها سيتفرغ لنشر اعماله فصدرت له عام 1956 مسرحياته الثلاثة الطويلة “الشرفة والزنوج والحواجز” وعدة مقالات في الفن والمسرح وكتاب عن النحات جياكوميتي، واخذت دار غاليمار الشهيرة نشر اعماله الكاملة التي أقبل عليها القراء وحققت مبيعات كبيرة، ولتدخل النقود الكثيرة الى جيبه للمرة الاولى فيقرر ان يشتري بيتا بعد حياة قضاها متشردا وسجينا: “اشتريت بيتا بمائتي الف فرنك، شقة من غرفتين وصالة، انتابتني حالة غريبة، كنت انام في احدى الغرفتين، فاحس ان الثانية وحيدة وحزينة، انهض من فراشي، واذهب الاطفها واتحدث معها. كانت حالة من الهياج المكتئب. كنت اعيش بين فراغين كلاهما غيور ونزق، عرفت آنذاك انني لم اخلق لاعيش في بيت، او امتلك بيتا، بعد تسعة عشر يوما بعت الشقة، وبثمنها سافرت الى اسطنبول ومنها الى اليونان، مكثت هناك اربع سنوات، اعيش متنقلا من فندق الى فندق، وفي السنوات الأخيرة، ولعلها اجمل سنوات عمري، عشت مع الفهود السود في جحور اميركا، وعشت في الخيام مع الفدائيين الفلسطينيين” – مجلة الكرمل العدد الخامس 1982 -. في هذه السنوات يقترب من الجماعات الثورية حيث يساند تظاهرات الطلبة في فرنسا عام 1968، ويلقي عام 1970 خطابا باسم حركة الفهود السود يندد فيه بسياسة اميركا العنصرية، بعدها سينتقل الى مساندة القضية الفلسطينية ويكتب عنها اكثر من كتاب، بعد ذلك نجده يكتب مقدمة لرسائل أولريكي ماري ماينهوف احدى مؤسسي حركة الجيش الاحمر الالمانية”. “ان افضل ايامي تلك التي تركت فيها الكتابة، بحثا عن الفعالية الحية واليومية. في حياتي ما يشبه جزيرتين يعمرهما الهدوء والتناغم. هما بالذات الفترتان اللتان قضيتهما مع الفدائيين الفلسطينيين في قواعدهم، وبأني افعل ما يجب ان افعله”. في سنواته الاخيرة يصاب بسرطان الحنجرة، وسيعثر عليه في 15 نيسان عام 1986 ميتا في غرفته باحد فنادق باريس، قبل يوم واحد من وفاة سيمون دو بوفوار التي توفيت في 16 نيسان عام 1986، وسيتم دفنه في مقبرة العريش بالمغرب بناء على وصيته.

***

في السجن يقرأ جان جينيه اعمال دوستويفسكي ويتوقف طويلا عند راوية الجريمة والعقاب، كان دوستويفسكي في هذه الرواية مشغولاً بمسألة الحياة، هل هي شيء تافه، ام مصادفة غير سعيدة؟.. رأى جان جينيه نفسه في شخصية راسكولنيكوف بطل الجريمة والعقاب، يكتب في يومياته: “لو كان الانسان فقط يعرف الحقيقة.. لما انتهى الى مصير العجوز المرابية”. 

كانت لدى راسكولنيكوف احلام عديدة، لكن هذه الحياة التي يعيشها كانت بالنسبة اليه حلما مزعجا، وعليه فان فعل القتل لديه لم يكن جريمة، هكذا يكتب جينيه في يومياته، وانما كان من اجل ان يكتشف الحقيقة: “لقد قتلت من اجل نفسي، ومن اجل نفسي فقط”. وفي يوميات لص سيخبرنا جينيه انه سرق من اجل ان يجعل الآخرين يعترفون به كانسان، فقد كان بلا اسم ولا هوية، وبعد هذا سيشيرون اليه ويقولون هذا هو اللص: “لقد سرقت من اجل هويتي”، ويجد جينيه ان راسكولنيكوف عندما اراد ان ينفذ جريمته، فانه بحث عن فرصة الاعتراف بمشروعه وسيجدها في النهاية، انها الانتقام من مجتمع اللامساواة، هناك شيء ما حرك راسكولينكوف: “وكان شخصا ما اخذ يده وجره معه بصورة لا تقاوم، بصورة عمياء، بقوة غيبية، دون اعتراض. كان الأمر وكأن دولاب آلة امسك بجزء من ملابسه وكان هو يُسحب إلى داخله”. يكتب جان جينيه في يوميات لص وكانه يستحضر معاناة راسكولنيكوف: “لقد بدا لي طبيعيا وانا الذي رماني اهلي منذ ولادتي. ان افاقم خطورة وضعي بالسرقة، وخطورة السرقة بالجريمة او الاعجاب بالجريمة.. هكذا رفضت بشكل قاطع عالما قد رفضني”. 

تشكلت وجهة نظر دوستويفسكي للعالم وهو في سن التاسعة والعشرين من عمره، بعد ان واجه حكما بالاعدام خفف فيما بعد للنفي الى سيبيريا.. انه الآن يُلقي نظرة جديدة على الحياة والعالم فهذه مدينته بطرسبورغ تبدو اليوم: “اكثر مدينة تربصا بالانسان على الارض.. انه يرى اليوم ان شيطان الثروة حقق سلطانه، وان المواخير وبيوت الدعارة حلت محل الكنيسة.. انه يعلن الحرب ضد من اسماهم “ثاقبي الارض”، “اصبحوا ما أنتم عليه”، وهو تعبير صاغه لأول مرة وكان عمره 22 عاما. ولعل صنع الحياة الخاصة فكرة راودت جان جينيه منذ ان كان في العاشرة من عمره، وفيما اعتبر جان جينيه ان الصراع مع الحياة هو الوسيلة الوحيدة للصمود والنمو.. نجد دوستويفسكي يدعو في الجريمة والعقاب الى التأكيد على القيمة العليا لحياة الفرد.. وحسب دوستويفسكي فان اكتشاف “الكائن الانساني في الانسان” يعني اكتشاف “الطفل فيه”.. يكتب جان جينيه ان “كل كوابيس راسكولنيكوف تولد من العالم الذي لا يستطيع فيه الاطفال ان يظلوا اطفالا”. 

في الدراسة التي اصدرها جان بول سارتر عن جينيه عام 1952 وهي واحدة من ثلاث اهم دراسات كتبها سارتر عن الادب، واحدة عن بودلير والثانية عن جان جينيه والثالثة عن فلوبير، وكان كتاب “القديس جان جينيه” محاولة لتشريح شخصية جينيه، وعلى حد قوله ان سارتر قد عراه تماما. يكتب جان كوكتو: “في خمسمائة وثلاث وسبعين صفحة، يشق سارتر، الذي كمم وجهه، وارتدى ثياب الجراح البيضاء، جينيه المخدر الممدد على طاولة العمليات، انه يفك الجهاز ثم يعيد تركيبه، ثم يخيط الشق، وها هو جينيه يتنفس حرا، لن يتألم حين يصحو من البنج، ولكن عندما يغادر طاولة العمليات، فان جينيه آخر يظل على الطاولة وينهض بدوره. على واحد منهما ان يتطابق مع الآخر، او ان يهرب”..عندما صدر كتاب سارتر تيقن جينيه انه لن يستطيع ان يكتب بعد الآن الرواية التي يسرد فيها تفاصيل حياته: “في كل كتبي كنت اتعرى، وفي الوقت نفسه كنت اتنكر بالكلمات، بالوصفيات، وبمشاهد السحر. كنت ارتب اموري بحيث لا اؤذي نفسي كثيرا، اما مع سارتر، فقد عُريت دون اي لطف.. امضيت زمنا حتى استرددت عافيتي. تقريبا كنت غير قادر على مواصلة الكتابة. ان كتاب سارتر خلق في داخلي فراغا سمح بنوع من التلف النفسي، وهذا التلف هو الذي اتاح لي التأملات التي قادتني الى المسرح”.

في مسرحيته الاولى “رقابة مشددة”، تدور الاحداث في دنيا السجون التي يعرفها جينيه جيدا، وقد صور شخصياته مثلما عاش معها.. وسنجد اللص لوفران يرتكب جريمة قتل عمدا ومع سبق الاصرار، فهي جريمة من اجل تحقيق هدف اسمى كما يقول، فهو يقول للقتيل عندما يختقه: “انت لست من سلالتنا.. ولن تكون منا” انه صوت راسكولنيكوف يبدو واضحا.. الجريمة من اجل قيم الشرف.. وفي المسرحية عرض لنا جينيه مشاعره وتطوره النفسي بأسلوب اشبه بالاعتراف: “كنت اريد لمسرحيتي هذه ان تبدو كما لو كانت حلما”. وفي المسرحية يصر جينيه على طلب الحرية المخلوطة بالفوضى، فها هو بطل المسرحية يعترف: “لم اكن اريد ان يحدث لي ما حدث. لقد اعطيت هذا كله، وهو منحة من الله او من الشيطان، ولكنه شيء لم اكن اريده”، شخصيات المسرحية التي تقبع في السجن، في انتظار ان ينفذ فيها حكم صدر من المحكمة. إنهم هنا في لحظة مواجهة انفسهم وهم ليسوا هنا كي يحاكَموا، وانما يريدون محاكمة المجتمع الذي أوصلهم الى هذا المصير.

في مسرحيته الثانية الخادمات يدافع جينيه عن المحرومين والمعذبين في الارض وهو يعترف ان ما يكتبه محاولة لعرض مأساته الشخصية: “انما اكتب في المسرح حتى اعرض نفسي على حقيقتها وكما اعرفها”.

جينيه هنا يريد ان يحاكم العالم الذي وضع قناع اللص على وجهه، انه يريد ان يكون انسانا بلا قناع ان يكون “لا أحد” وهو مثلما يقول سارتر: “رغبته واقعية في البداية. فهو يريد ما هو موجود، ولكن الهدف الذي يبتغيه سرعان ما يستحيل إلى حلم، وبدون أن يكف جينيه عن الرغبة فيما هو واقع، يتجه الى ما هو خيالي”. انه يجد في الوهم امكانيات البطولة، وفي مسرحيته “الزنوج” يتناول جينيه موضوع العنصرية، وهو واحد من المواضيع التي كانت محرمة في ذلك الحين. فالعنصرية، بالنسبة إلى مجتمعات اوروبا، كانت هناك في بلدان أخرى، اما ان يأتي كاتب ويشير الى ان العنصرية تعيش هنا وتترعرع بيننا، فهذا امر خطير.. تقول احدى شخصيات المسرحية: “نحن ما يريدون لنا ان نكون، ولذلك سنكون هكذا الى النهاية”.. كل ما في الحياة لعبة، هكذا يصر جينيه ان يخبر المتفرجين. يقول سارتر “إن جينيه يرى اصل العالم هو اللعب، والعالم ينتظم عندما تصبح قواعد اللعبة ثابتة”.

في مسرحيته الشرفة نجد انفسنا في مواجهة اشخاص من انماط مختلفة، يعيشون في بيت مسكون بالشياطين، يذكرنا باجواء دوستويفسكي في “منزل الاموات”، انهم هنا في هذا البيت الملعون يتحدثون على سجيتهم، وكأنهم ينظرون الى المرايا، فيتعرفون على حقيقة وجودهم بعيدا عن الاغطية والالبسة الاجتماعية. يقول الاسقف في المسرحية: “نظام العالم ضعيف بحيث نستطيع ان نفعل كل شيء. المسرحية كما يحللها الفيلسوف الفرنسي الشهير آلان باديو تتناول واقع اليمين في العالم الغربي، والشعب المقهور، ومحاولة إعادة ترتيب موازين قوى السلطة.

في اعمال جينيه المسرحية والروائية يدور الحديث حول اشخاص خارجين على القانون، حول طبقة المنبوذين والمطرودين من المجتمع، وعلى القارئ أو المشاهد ان يفرق بين الحقيقة والخيال، والا يتساءل عما إذا كان ما يرويه جينيه قد حدث فعلا، فهو يعترف في روايته “شعائر الجنازة” – ترجمها الى العربية اسامة منزلجي – ان هذا الكتاب حقيقة واكذوبة في نفس الوقت.. ورغم ان معظم اعمال جينيه هي نوع من انواع السيرة الذاتية، إلا ان الحلم يتداخل فيها بصورة واضحة، فهي اشبه بأحلام يقظة انسان طرده المجتمع، فعاش ليؤكد انه يستطيع فعلا ان يكون ما اراده له المجتمع. يكتب سارتر ان إرادة الشر عند جينيه هي إرادة العذاب، ورغبة في تجاوز الاهوال التي ينغمس فيها.. في “يوميات لص” يكتب جينيه: “لكي تفلت من العذاب، عليك ان تنغمس فيه حتى العينين”. 

آخر اعمال جينيه كتاب “اسير عاشق” يروي فيه تجربة العيش مع الشعب الفلسطيني ومشاركتهم معاناتهم، والكتاب مع كتابه الآخر “اربع ساعات في شاتيلا” شهادة مهمة عن الثورةالفلسطينية، فاضحا من خلالهما قيام دولة اسرائيل وتواطؤ الدول الغربية على تشريد الشعب الفلسطيني.

يقول جينيه عن كتابه “اسير عاشق”: “كنت قبل وصولي هناك، أعرف أن وجودي في القواعد الفلسطينية على ضفة الأردن، لن يقال بوضوح أبداً: لقد استقبلت هذه الثورة كما تتعرف أذنٌ موسيقية على النغمة الصحيحة”. وفي “اسير عاشق” الذي ترجمه الى العربية كاظم جهاد، يستعيد جينيه السنوات التي عاشها ضيفاً على الفدائيين الفلسطينيين في الأردن، والجولات التي قام بها في عدد من المناطق العربية في المغرب ولبنان وسوريا، تحت اسم “الملازم علي” وغايته، كما قال، أن يفهم الفلسطينيين وثورتهم، في الوقت الذي يفيدنا فيه هذا الكتاب نفسه أن غايته الأساسية، إنما كانت أن يفهم نفسه بالدرجة الاولى.

القنابل المسيلة للدموع لم تغادر التحرير والضحايا بالآلاف

2019/10/26 10:19:21 م

هدوء في محافظات وسط البلاد وجنوبيها وإجراءات أمنية لمنع حرق المقار الحزبية

2019/10/26 10:18:19 م

رئاسة البرلمان تتلافى غياب النصاب بالمضي في الاستجوابات والمطالبة بإجراءات قضائية استثنائية

2019/10/26 10:08:29 م

الحديثي: الوزراء الجدد رشحوا عبر الاستمارات الإلكترونية

2019/10/26 10:06:29 م

متظاهرون فـي ساحة التحرير: القادة أكلوا البلاد

2019/10/26 10:06:04 م

الصدر لقادة الحكومة: أصلحوا أو استقيلوا

2019/10/26 10:05:09 م

الرئاسات تؤكد على حماية المتظاهرين وتلبية مطالبهم

2019/10/23 09:09:50 م

الإطاحة بالمسؤول عن نقل الإيزيديات في تلعفر

2019/10/23 09:08:22 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق