العراق اليوم

رواية حازم القوشي عن الأنفال.. 2

في اليوم الثاني.. انطلقنا مجدداً بعد تغيير طفيف في تركيبة المجموعة.. التي اصبحت من 10 انصار .. هم كل من..  ( حازم القوش .. ابو حامد .. ابو رشدي .. يونس .. ابو سلوان.. ابو الندى .. الند .. كريم .. سمير حناوي .. ابو عهد ) ..
انطلقنا من اطراف مراني في كاره لغاية طاجيكا.. في فترة استغرقت 8 أيام كاملة.. قياساً للزمن الذي كنا نستغرقه سابقاً ولا يتعدى الأربع ساعات فقط .. كنا نسلك ممرات غير مطروقة بين الاشجار والاحراش والقطوع الجبيلية الوعرة.. ونتقدم ببطء كي لا نصطدم بالجيش والجحوش.. ونتجنب المواجهة.. وبقينا في احد الأيام تحت ربايا سواره توكه.. المواجهة لنا.. الى التاسعة ليلا.. حيث انطلقنا ليلتها وعبرنا الشارع بسرعة ركضاً واحدا بعد الآخر على شكل دفعات من نصيرين  ..
ومن شدة الفزع والتوتر اصيب سمير حناوي بالتهاب معوي واسهال شديد.. وبعد ان تجاوزنا الشارع واصلنا سيرنا بهدوء وتأني الى قرية شيف شيطان ـ وادي الشيطان ـ  كانت البيوت فارغة.. بعد ان انسحب الأهالي منها.. بقينا فيها ساعتين تقريباً نبحث عن الطعام.. قبل ان نتجمع في الثانية عشر ليلا عند عين الماء.. التي اقترحها ابو رشدي.. وتحركنا نحو القطع نعلوه بصعوبة لنتوزع بين الاحراش المطلة على البيوت.. ونبقى بينها بلا حركة طيلة النهار ..
قبيل منتصف النهار بقليل.. سمعنا جلبة الجنود وهم يقتحمون القرية.. معهم جرارات زراعية .. اخذوا يعبثون ويسرقون.. كانوا يحمّلون كل شيء ممكن حمله.. من حيوانات ودجاج وافرشة وحاجيات منزلية.. التي اعتبروها غنائم.. وفقاً للتشريعات الاسلامية.. التي تبنتها سلطة البعث.. واختارت تسمية الانفال من آية قرآنية تبيح مصادرة الممتلكات.. وقتل الناس.. بعد تصنيفهم بالكفار .. هكذا تعامل الجيش الفاشي مع ممتلكات الفلاحين.. من المواطنين الكرد.. في ذلك الزمن القاسي ..
واقترب احد الجنود من موضعنا.. وتقدم نحوى ابو رشدي.. الذي ضبط اعصابه.. وشاهد اقدام الجندي عن قرب.. وتقدم آخر من الموضع الذي كنت فيه مع الند.. ولم يبق بيننا الا خمسة امتار فقط .. كان يصرخ بزملائه الذين كانوا يركضون وراء الدجاج ..
وصاح احدهم: .. لك شيل هاي الدجاجة راح ناكل ثريد اليوم .. قبل ان يستكملوا نهب بقية الممتلكات ويغادرون البيوت في حدود الساعة الثانية والنصف بعد الظهر .. هكذا انسحبوا محملين بالغنائم كأي جيش محتل ..
اما نحن فقد بدأنا بالنزول نحو عين الماء عند الخامسة عصراً.. بعد ان تأكدنا من عدم وجود أي تحرك للجنود بالقرب منا .. وأخذنا نسير باتجاه الدوسكي .. عبر الهضاب والتلال التي يجري بينها نهير صغير ووصلنا اطراف قرية زفنكي لنختار معبراً آمناً..
قال ابو رشدي ليونس ..
ـ لنعبر من تحت الجسر لأنه أأمن .. لكن يونس لم يبالي وقال معلقاً..
ـ منْ يكمش هذا الجسر الحقير ؟.. وسار نحوه بلا توقف .. وسرنا نحن خلفه بحذر .. وبعد خطوات وقبل ان تطأ قدم يونس مقدمة الجسر .. فتح علينا النار من قبل الجنود من الطرف الثاني للجسر .. ولم نرى انفسنا نحن الاربعة فقط ..( انا  وابو رشدي  وابو حامد  ويونس الاّ تحت الجسر) .. فعدت نحو البقية  ( ابو سلوان والند وكريم وسمير حناوي وابو عهد.. وابو الندى ) لأطلب منهم المواصلة.. لكن ابو الندى.. اخذ يصيح جنود .. جنود .. قلت له: انا ابو حازم .. لكنه واصل تحذيره للآخرين جنود..  جنود.. وتركتهم بعد ان ناداني ابو رشدي وأخذنا نسير منفصلين ..
وشاهدنا تحرك للمزيد من الآليات والجنود التي اخذت تتجمع وتتمركز في اطراف الجسر.. وكنا نحن نبتعد شيئاً فشيئاً عن مدى الخطر والتطويق .. ووصلنا بالقرب من قرية رأس العين.. وقررنا ان نتوزع نحن الاربعة على مجموعتين .. بقينا انا وابو رشدي معاً.. بعد ان اتفقنا مع الآخرين على ساعة ومكان للتجمع واللقاء ..
اخذ ابو رشدي يستطلع المكان في النهار بالمنظار.. الذي اخذه مني.. وتمعن في اتجاه قرية دهي ليشاهد سمير حناوي وابو عهد في قبضة الجيش .. كانوا بلا سلاح ومقيدين من ايديهم.. واعطاني المنظار وشاهدتهم بدوري.. ولم تكن المسافة بيننا اكثر من 300 متر فقط.. أما الأربعة المتبقين وهم الند وابو سلوان وابو الندى وكريم فقد  تمكنوا من العودة الى اطراف مراني..
وقال ابو رشدي: يجب ان نترك المنطقة ونبتعد لكي لا يجري البحث عنا ونقع في كمائن الجيش والجحوش المحتملة .. ابتعدنا عن المكان.. وفي اليوم التالي التقينا مجموعة من بيشمركة حدك يقودهم سيد نايف .. تحدثنا معاً واخذنا منهم كمية من الخبز وقلنا لهم: سنتوجه نحو سوريا للعبور .. وهم قالوا: سنتوجه نحو تركيا .. وانفصلنا ..
توجهنا .. وفقا لمعلومات ابو رشدي كدليل.. وتوجيهات ابو سالار ـ ابو رنا ـ لبيد عباوي .. الى شكفته خمري( كهف خمري) في الدوسكي.. الذي كانت محطة ومقراً للسرية الثالثة.. للقاء بمجموعة من مفرزة الطريق.. ستأتي من القامشلي.. لتعبرنا الى سوريا.. وفقاً للحديث الذي دار بين ابو رنا وابو رشدي..
لم نتمكن من الوصول الى شكفته خمري.. بسبب وجود الجيش في النهار.. بالرغم من ان المنطقة مهجورة وخالية من السكان .. وفي اليوم التالي ايضاً.. لم يتمكن ابو رشدي من الوصول للكهف المحدد .. فقررنا التوجه الى كيشان.. ومنها  نحو الحدود التركية ..
وقال ابو رشدي: يجب ان نخبز ونهيئ وجبات للطريق.. دخلنا قرية مهجورة .. كل الأشياء كانت باقية كما هي ما عدا الناس فقد هجروا المكان وتخلوا عن حاجياتهم .. ابقينا اثنين منا خارج القرية.. ودخلنا انا وابو حامد لنخبز.. ولكي لا يطلع الضوء ليلا وننكشف وضعنا بطانيات على الأبواب والشبابيك ..
هيأنا لكل واحد 15 كرصة خبز.. وقررنا الانطلاق ومواصلة السير بلا تردد نحو الحدود التركية .. بعد عدة ايام وصلنا الزاب الصغير.. وعبرناه بصعوبة بعد ان مسكنا واحدنا بالآخر.. لم يكن عميقاً.. وكنا نعاني من اتساخ ملابسنا و أجسادنا وتوفرت لنا الفرصة الاجبارية “للاغتسال” من خلال عبور الماء .. بعدها صعدنا قطع و توجهنا للقمة بتوجيه من ابو رشدي.. الذي كانت له خبرة عسكرية جيدة ولكونه من اوائل الملتحقين بفصائل الانصار في مقر كوماته .. كانت المنطقة خالية من الجيش .. وتمكنا من خلال موقعنا رصد المنطقة ومشاهدة ما حولنا .. شعرنا بالاطمئنان و الأمان ..
واخذ ابو رشدي يراقب الشارع الرئيسي الممتد بين زاخو و بيكوفه وكاني ماصي.. قبل ان نواصل سيرنا باتجاه باطوفه ونتوقف تحت الجسر الذي يربط بينها وبين بيكوفه.. بسبب وصول سيارة ايفا  عسكرية لتبديل الحراس المرابطين في الشارع .. بعدها عبرنا على دفعتين وبدأنا نتسلق كالماعز الصخور الجبيلية نحو القمة.. لنبقى بلا حركة لغاية حلول الليل.. حيث تحركنا نحو النهر الآتي من  كيشان وصعدنا شمالا لنتجاوزه باتجاه المحطة والمقر السابق لانصار مفرزة الطريق.. الذي وجدناه قد تحول الى معسكر للجيش.. ورغم ذلك قال ابو رشدي في اليوم التالي.. لنذهب للمزارع قد نجد فيها ما يمكن ان يفيد.. سرنا خلفه .. كان ترتيبي الثاني بعده.. ومن ثم يونس وفي الأخير ابو حامد .. سألت ابو رشدي الى اين تأخذنا؟.. كان لا يرى في الليل لذلك استوقفته وقلت منبهاً .. امامنا معسكر للجيش وهذه الأضوية للخيم التي يتوزع فيها الجنود .. 
 وبعد ان تأكدنا من وجود المعسكر.. عدنا للوراء لنتوزع في الكهوف الجبلية غير المكشوفة.. التي لا تظهر للعيان وتغوص عمقاً بين طيات الصخور .. وفي المساء هيأنا وجبة من الباذنجان للأكل قبل ان نواصل سيرنا نحو الحدود التركية .. وحينما وجدنا الأضوية تتلألأ من المصابيح الكهربائية في  الجانب التركي انتابنا مشاعر متناقضة.. جمعت بين الأفراح و الأحزان ..
كنا نقارن بين الجانبين التركي والعراقي.. عبر الخط الفاصل بين الدولتين.. كانت القيامة بكافة فصولها وصفحاتها تتجلى في هذه اللحظات الرهيبة ونحن في السنتمترات الأخيرة من اقصى الشمال العراقي.. بحال يرثى له.. جوعى وعطشى.. متسخين.. الجيش يطاردنا.. بلدنا يلفظنا.. بعد ان تخلينا عن احلامنا وذكرياتنا وكل ما يربطنا بالوطن .. الذي سنغادره بحثا عن الحرية و الأمان .. عبر خطوة في المجهول لا نعرف ماذا سيكون مصيرنا في تركيا.. وكيف سيجري التعامل معنا ..
كانت الساعة الثانية بعد منتصف الليل.. حينما قال ابو حامد لنذهب لجلب الماء من الروبار.. فرده ابو رشدي.. اذهبوا انا تعبان واحتاج للراحة والنوم .. وعقب ابو حامد لنذهب جميعاً .. لكن ابو رشدي لم يستجيب وانضم اليه يونس ايضا .. فقرر ابو حامد الذهاب وحده مما دفعني للحاق به .. نزلنا الى النهر وجلبنا الماء .. كانت الحدود فارغة .. ولم نستطيع العودة لأماكننا .. اضعنا الطريق .. وفي اليوم التالي وجدنا اثاراً لهم في الكهف واقتنعنا انهم سبقونا وعبروا ..
وفي اليوم التالي قررنا نحن ايضاً تجاوز الحدود والعبور .. شاهدت في الطريق كيساً ابيضاً متروكاً فيه برغل يابس .. اخذت القليل منه.. واخرج ابو حامد ما تبقى من سكر في جعبته وخلطه بالرغل ليتحول الى وجبة طعام يابس اخذنا نلتهمه .. كأنه بوظة ـ موطا ـ ونحن نتخطى الخط الفاصل بين الدولتين ..
وبعد ان تيقنا اننا في الاراضي التركية.. قررنا اخذ قسطاً من النوم وسط اشجار الجوز.. كنا قد تخلصنا  من سلاحنا وتخلينا عن حاجياتنا العسكرية.. تركناها في الاراضي العراقية .. لكننا لم نستطيع النوم بسبب الرطوبة.. لذلك واصلنا السير .. كانت المفاجأة سماعنا لصياح ديك من زوم للرعاة.. وبعد ان سرنا بذات الاتجاه.. وصلنا عدة قبور فقرننا النوم بينها .. وعندما حل النهار تحركنا نحو الزوم ..
واجهنا راعي تفاجأ من مظهرنا .. واخذ يردد استغفر الله .. استغفر الله.. من أين خرجتم ؟! .. هل خرجتم من القبور؟!..
قلنا له مِنْ شهر ونحن محاصرين.. ونعاني من الجوع والتعب وقلة النوم .. كان ذلك بتاريخ 24/9/1988  .. كنا بلحى طويلة و ملابس متسخة.. وجلب لنا فطور من لبن وخبز و شاي.. وأوصانا ان لا نأكل كثيراً .. وقال: سأجلب لكم وجبة ثانية بعد ساعتين.. وطمأننا ان المختار متواجد في القرية وهو عنصر جيد ومتعاطف معكم .. واخذنا ندخن التبغ الحقيقي بدلا من بثل الشاي اليابس الذي استخدمناه بديلا للتبغ فيما سبق من ايام محنتنا القاسية ..
وقادنا الراعي لقرية بيجي .. ذهبنا للمختار .. كان في القرية مقر لواء للجيش التركي.. وقبل ان يقودنا اليه قلنا له: دعنا نشتري سكائر من أي دكان.. واقتنينا كروسين سكائر بالمبلغ الذي كان عندي من الدنانير العراقية .. وشجعنا المختار وهو يكرر لا تخافوا او تقلقوا .. سوف لنْ نترككمْ ..  وسبقنا الى امر اللواء وقدم اسماءنا قائلا له: عوائلهم في ديار بكر .. وكان قد سبق هذا وجود صحفي في بيت المختار اخذ لنا صورتين.. وقال سأنشر عنكم خبراً ليكون ضماناً اضافياً لكم.. كي يجري التعامل معكم كلاجئين فارين من العراق ..
وبعد ان طلبنا امر اللواء.. حقق معنا ضابط لمدة نصف ساعة.. قال للمختار: خذهم معك للبيت لكي يستحموا ويرتاحوا.. وأضاف.. هناك اثنين آخرين جلبوا لمقر اللواء .. كنا قد قلنا للضابط الذي حقق معنا.. نحن اربعة.. لكننا فقدنا زميلين لنا على الحدود.. وبعد ان جلبوهم لبيت المختار اجتمعنا من جديد.. وبقينا ليلتين في قضاء (الودرا) في السجن.. وكان القائمقام شخصية سيئة .. اخذ يهدد بتسليمنا للعراق ..
لذلك طلبنا تأجير سيارة على نفقتنا لتنقلنا الى ديار بكر يوم 28/9/1988 .. وحال وصولنا المخيم انتشر الخبر كالبرق واخذ الجميع يرحب بنا ويقبلونا كأننا افراد اسرهم .. شجعنا الاستقبال الحار      و الترحيب.. شعرنا أننا عراقيون يجمعنا الكثير .. واحسسنا بإنسانيتنا .. وكانت المشاعر تفيض دموعاً تختلط بالقبل والاحضان ..
ولم يعكر وجودنا بينهم الا حالة العميل (سليمان سندي) للأتراك.. الذي سارع ليبلغ الشرطة وعناصر الاستخبارات الأتراك.. الذين يديرون المخيم.. بأننا انصار من الشيوعيين.. ولسنا من بيشمركة الحزب الديمقراطي الكردستاني..
لكن الرفاق والانصار الذين كانوا قد سبقونا تحركوا ونسقوا مع عثمان.. مسؤول منظمة الحزب الديمقراطي الكردستاني ـ دهوك في المخيم..  الذي ذهب مباشرة للقاء برهان مسؤول عناصر الميت و المسؤول الأمني للمخيم وقال له: .. هؤلاء بيشمركة تابعين للحزب الديمقراطي الكردستاني.. وليسوا شيوعيين.. واخذ يهدد المسؤول التركي.. ان اصابهم مكروه.. قائلا له.. كل من في المخيم سينتفض ويهجم عليكم ..
فاطلقوا سراحنا .. وكان في انتظارنا عدد من الانصار.. بينهم دكتور سليم الذي اخذنا انا ويونس معه  وذهب ابو رشدي وابو حامد لخيمة انصار آخرين ..
ــــــــــــــــــــــــ
صباح كنجي
17/10/2019
 ـ اجري الحوار من خلال الفيس بوك منتصف تشرين الأول 2019.. سينشر لاحقاً في مجلة بيرموس
 
رواية حازم القوشي عن الأنفال..1

 

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق