اخبار العراق الان

إنتفاضتا تشرين الأول في العراق ولبنان كسر المعادلات المحرّمة

د.أحمد عبد الرزاق شكارة

أنطلقت انتفاضتا العراق ولبنان في شهر تشرين الأول – أكتوبرللعام 2019 من محاولات جادة للشعبين العراقي واللبناني بإتجاه كسر المعادلة المحرّمة التي سادت زمناً طويلاً نسبياً في الحالة اللبنانية منذ 1943

مقارنة بالحالة العراقية منذ عام 2003 من إعتماد لحكم طائفي – عرقي – قبلي – عشائري – أبوي – جهوي تسوده المحاصصة السياسية المكرسة دستورياً (لبنان) أو عرفياً (العراق) وذلك وفقاً لأنتماءات ومصالح شخصية وحزبية ضيقة . الانطلاقة إذن هي بإتجاه الركون إلى فضاء واسع يذكرنا بأهمية الركون للدولة المدنية دولة المواطنة المنصفة للجميع دون إعتبار لأي فوارق مذهبية – طائفية –دينية أو عرقية وغيرها .

الانتفاضة اللبنانية مثلها تماما كالعراقية مزجت بين غضب شعبي عارم ضد السلطات الحاكمة (التنفيذية والتشريعية بشكل خاص) التي فشلت بشكل يكاد أن يكون كلياً في إدارة دفة الحكم وحالة وطنية إحتفائية عكست نوعاً من الرقي – المدني مستقطبة جميع شرائح ، طبقات ، فئات وطوائف المجتمعين اللبناني والعراقي الذين خرجوا عن بكرة أبيهم للتجمع في ساحات الشهداء ورياض الصلح وساحة التحرير الشهيرة منذ 1958 . 

صحيح أن الحالة اللبنانية منذ السابع من تشرين الأول 2019 أفترشت ساحتي رياض الصلح والشهداء حيث ضمت الآلاف من مختلف أنواع الطيف من الفئات والطبقات الاجتماعية والاقتصادية بضمنها الطبقة المترفة نسبياً ، حالة تبدو للمتابع كونها في غاية الأريحية والارتقاء بالذوق العام والأهم إنها أُنجزت دون سقوط قطرة دم واحدة ، بينما إنتفاضة العراق التي أنطلقت منذ الأول من تشرين الأول 2019 (انتفاضة الشباب) وتم متابعتها بشكل جماهيري واسع عقب الزيارة الأربعينية في ال25 من ذات الشهر من ساحة التحرير وحتى الآن تحت ظلال نصب الحرية التاريخي للفنان المبدع جواد سليم تمحورت حول حالة حنق وغضب شديدين تجاه الشريحة الحاكمة تماماً مثل الحالة اللبنانية “إحتفائية تتضمن فعاليات سياسية وثقافية أيضاً حالة تحتاج للمساعدة من الداخل والخارج العراقي من أبناء الجلدة . حالة كلفت حتى الآن الشعب العراقي دماءً عزيزة غالية علينا جميعاً من قتلى وجرحى بالآلاف كل همهم بإنهم بحاجة لوطن عراقي واحد يشعر جميع ابنائه بالانتماء إليه من خلال هوية وطنية عليا على حساب كل أنواع الهويات الفرعية أو الثانوية (مهما بلغت درجات اهميتها) . تبلورت أيضاً معاناة الشباب الكادح في العراق ولبنان في ظل ما يعرف بمعاناة إنسانية شاملة تصاعدت معها صرخات الاحتجاج الشعبي نظراً لتنامي المعاناة الاقتصادية (بطالة مزمنة) – الاجتماعية والثقافية بصورة تخرج عن كل المقاييس القانونية – الدستورية طالما ما صدر من قوانين ولوائح لم يتم تطبيقه فعلياً أو ربما فات زمانها أيضاً . تظاهرة الشباب العراقي واللبناني رافقتها أيضاً حالات مهمة من المبادرات الشعبية التي عكست ضرورة التنسيق والتعاون بين مختلف شرائح الشعبين دون أدنى تمييز أو تمايز ضمن إطار حالة حب وود وإحترام للوطن دون قيود أو شروط . 

إن غالبية السكان في لبنان والعراق هم من فئة الشباب (40 إلى 50 بالمائة من نسبة المجموع الكلي للشعبين حيث تقدر أعمارهم بين 16- 29 ) يعيشون حالة من البطالة المزمنة المقنعة” التي لم يعد يستوعبها محيط العمل العام الذي أتخم حقاً ببطالة مقنعة وصلت في الحالة العراقية إلى قرابة 8 ملايين شخص جميعهم تقريباً يعمل في القطاع العام في بلد يتمتع بخيرات وافرة وضخمة جداً جوهرها ثروة نفطية معززة بإحتياطات تصل إلى أكثر من 150 مليار برميل و132 مليارقدم مكعب من الغاز الطبيعي إلى غير ذلك من ثروات ومعادن طبيعية حيوية كبرى غير مستغلة “كامنة” تصل الى ملايين الاطنان . علما بأن التمعن والقراءة الموضوعية المعمقة للحدثين التأريخيين في العراق ولبنان معاً يؤكد لنا وجود مشهد درامي – سيرالي وحد الشعبين العراقي واللبناني في حبهما للوطن وسعيهما لتعزيز وتمتين وجوده في القلوب والعقول معاً في وقت شعر كلاهما (في مرحلة أو ربما لحظة ما) بإنه إما أن الوطن فُقد أو ضائع ويراد استرداده بكل السبل السلمية المشروعة والشرعية. 

إن الغالبية الساحقة التي حضرت في الساحات اللبنانية المتعددة هي الأخرى تعاني الكثير من إفتقاد أهم متطلبات الحياة في العيش الكريم معززاً بكرامة وعزة إنسانية في ظل مشاعر وولاءات دافقة عابرة للحدود الطائفية – المذهبية- العرقية – المحلية “الجهوية” تجسدت في ظل استمرار صراع سياسي لبناني وعراقي محموم على المناصب السياسية بين الأحزاب السياسية خاصة التي تغلفت بالطائفية السياسية التي همها الوحيد إحتكار القوة السياسية والاقتصادية من خلال إتباع نظام محاصصي سياسي – طائفي مؤطر دستورياً منذ عام 1943 في لبنان. ليس الأمر بعيداً عن العراق الذي عانى شعبه منذ 2003 بأطيافه وتلاوينه المختلفة معاناة قاسية كنتيجة لصراع شكلت سمته الاساسية تجذر المصالح الخاصة والمحاصصة السياسية المؤطرة دينياً – طائفياً – عرقياً ومناطقياً. 

إن خروج مئات الآلاف في ساحات وشوارع العراق ولبنان بصورة مكثفة مستمرة إحتجاجاً على حالة الهيمنة للتكتلات السياسية – العرقية – الدينية – المذهبية وحالة أنتشار السلاح البعيد عن قوة الدولة ظاهرة تسيدت المحيطين السياسيين العراقي واللبناني بصورة لافتة كان يظن أنها ستستمر كواقع لابد منه “حتمي” ولكن انتفاضتي لبنان والعراق دحرتها نسبياً . ما حققته انتفاضتا العراق ولبنان لم يرد أو يرغب أو يتمكن كلا النظامين السياسيين القائمين في العراق ولبنان من تغييرهما نظراً للتخوف أو للتحسب من إزالة إمتيازاتها السياسية كصحوبة بامتيازات مالية –اقتصادية جسدتها وعززتها ظاهرة الفساد السياسي – الإداري – المالي والاقتصادي المتجذر . 

لعل من أبرز المشتركات الواضحة بين العراق ولبنان تأكيد شعور المتظاهرين بأن العراق ولبنان بحاجة لاوطان قوية متماسكة ينتمون حقا لها اوطان تلبي لهم أبسط متطلبات العيش الكريم في إطار حقوق الإنسان وحرياته الأساسية . إضافة إلى كسر الحاجز الطائفي – العرقي وبشكل متواز تنامي رغبات الشعبين بضرورة تفعيل الإرادة الحقيقية لإجراء مكافحة عاجلة أو قل ضرورة أطلاق حرب شاملة وحقيقية لأقتلاع جذور الفساد الذي تجسد وتجذر في مختلف الاركان والمؤسسات والزوايا المظلمة للنظامين السياسيين العراقي واللبناني حيث تم تغليب المصالح الحزبية الضيقة دون إعمال للضوابط القانونية المشددة ما أفقد كلا من العراق ولبنان مليارات الدولارات التي كان يجب أن تنفق في إطار موازنات وازنة موضوعية تغلب اولوبة إنجاز مشروعات حيوية تنموياً – إجتماعياً – صناعياً – زراعياً – خدمياً “استراتيجياً” وفقاً لمراحل وسقوف زمنية محددة يراقب تنفيذها بكل مهنية ودقة . . العراق ولبنان بدا مشهديهما الواضح أنهما حتى كتابة هذا المقال بعيدان كل البعد عن ميادين إنجاز المراحل الختامية لمشروعات التنمية الإنسانية المستدامة الشاملة بمختلف أشكالها ومضامينها التي طرحت من قبل السلطات التي فقدت الكثير من مصداقيتها . في وقت تصاعدت فيه نسب وأرقام حالة المديونية لكلا البلدين (الدين العام والخاص) . 

من المشتركات للبلدين استمرار مصاعب إنجاز البنى التحتية الأساسية بضمنها شبكات المياه ومحطات توليد طاقة الكهرباء ما أثر سلباً على استمرارية أنتظام وصول المياه والكهرباء لكلاهما . إنتقالاً للموازنات العراقية واللبنانية يمكننا أن نجد عجوزات كبيرة وديونا ضخمة حملت لجيلنا الراهن وللاجيال القادمة نصيبها منها ما يجعل مستقبلاً غير سعيد وقطعاً غير مزدهر ينتظر الأطفال الذين هم جيلنا القادم . من هنا، فإن الموازنة العراقية للعام 2019 التي بلغت 112 مليار دولار بنسبة عجز يصل إلى 23 مليار دولار من المفترض أن يتم تسديدها من 18 قرضاً بالاضافة لديون داخلية مدورة (تختص بخمس جهات محلية) مستحقة الدفع أو مؤجلة بفوائد مضافاً إليها “برامج السندات الوطنية “. الانفاق لم يقتصر على الجانب المدني بل شمل أيضاً الجانب العسكري حيث يتم ضمان استمرار الاقتراض بضمانة “مؤسسة الصادرات الدولية” والهدف شراء الأسلحة والدعم اللوجستي لوزارتي الدفاع والداخلية ، مضافاً إلى الحشد الشعبي وجهاز مكافحة الارهاب إذ وصلت جميع نفقاتها الكلية قرابة 906 ملايين دولار(مبالغ ضخمة) . 

من منظور مكمل ، لم تستطع الحكومة اللبنانية لسعد الدين الحريري أن تقلص حجم العجز الضخم الذي أثار اهمية بل وضرورة الحصول على صفقة أقتراض عالية القيمة تصل لحدود 11 مليار دولار من الدول الأوروبية. إن أكثر من 61% من سكان لبنان يعرفون بإنهم “محتاجون” أي لايملكون الشيء الكثير حتى من قطاع السياحة الذي كان واعداً في مراحل سابقة. علما بإن ذات النسبة من السكان ربما تقدر للعراق أيضاً أي ذات النتيجة المتوقعة في حالة تنظيم استفتاء عام مستقبلاً . الشيء المؤكد أن الشعبين العراقي واللبناني قد توصلا لحقيقة واضحة مفادها أن عملاً وجهداً ضخماً كبيراً لابد أن يكرس من قبل كل من يتصدى لمسيرة الحكم الجديد مشفوعاً بمنظمات مدنية وغير حكومية بهدف خدمة أكثر شرائح الدولتين المعرضة للمخاطر من أطفال ، شباب وشابات يعيشون حالة بطالة بكل تداعياتها السلبية ، وشيوخ ونساء لم يصلوا لمرحلة التمكين هذا من ناحية . 

والأكثر أهمية الضرورة الحيوية للعناية الشديدة ببناء الإنسان الوطني الانتماء بعيداً عن كل أنواع التمميز ، مع توفير مساحات واسعة لحراكه الاقتصادي – الاجتماعي والسياسي والثقافي والبيئي دون إثقال كاهله بأعباء مالية ضريبية لايستطيع تلبيتها بيسر في الأمد القصير والمتوسط نظراً لتدني واضح في مستويات ومعايير جودة الحياة في كلا الدولتين العراقية واللبنانية. 

إن استمرار حالة قمع التظاهر السلمي من خلال استخدام القوة المفرطة في العراق (أنتج لنا ضحايا بريئة) وإنفجاراً شعبياً لن ينسى من ذاكرة العراقيين كونه يشكل “ثورة تشرينية غير مسبوقة” هدفها تلبية مطالب اساسية في ظل واقع دستوري يراد له التغيير الايجابي بعيدا عن أي دور للمحاصصة ولدولة المكونات ، والأمر ذاته ينعكس على لبنان بالقطع . بينما سيذكر كل عمل إنساني إبداعي وذا قيمة عليا مهما بلغ حجمه وسط الجماهير الغفيرة المنتفضة ضد كل أنواع القهروالمعاناة حيث بدأت الدول تنظر وتهتم كثيرا بإتباع نموذجي العراق ولبنان مستقبلاً بصورة تلبي معها حكومات الدول مطالب الجماهير خاصة الفئات المحرومة منها. إن نجاح العراق ولبنان وغيرهما من دول يعتمد على كيفية إدارة الموارد البشرية والمادية بمهنية وتقنية عالية وعلى قدر من المسؤولية الوطنية الهادفة لإنجاز أكثر متطلبات التغيير إلحاحا والتكييف المستمر مع متغيرات العصر الرقمي الجديد . 

إنتفاضتا تشرين العراق ولبنان ستخلد إمثولات ,إرهاصات نجاح وتقدم مضطرد بشرط استمرار سلميتها ومدنية اساليب ممارستها وفقاً لأهداف ستراتيجية جليلة بناءة . إن مابعد يوم الأول وال25 من أكتوبر يعد علامة فاصلة في تاريخ شعبنا العراقي، وكذا يوم السابع من اكتوبر للعام 2019 “للشعب اللبناني ـ “ما قبلهما كما يقال ليس كما بعدهُما”.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق