العراق اليوم

لماذا تدافع عن خامنئي؟

سألني البعض تكراراً عن هذا واتهموني أني “لا اقتنع بسهولة” رغم الأدلة على مقولة الخامنئي الأخيرة.
نعم انا لا اقتنع بسهولة ابداً وهذا افتخر به ولا اخجل منه.. ليست مسألة عناد بوجه الحقائق بل عناد مع الحقائق. فأنا اطلب الحقائق من الآخرين واشكرهم عليها، ولم اقفز الى استنتاجات حول ما قاله الخامنئي.
وأنا ادافع عن خامنئي (عندما يوجه له ظلم)، اولاً من اجل ان يصل الصدق الي وإليكم.. وهذا دفاع عن نفسي ضد التزوير وعنكم، قبل ان يكون دفاعاً عن خامنئي.. هذا الدفاع من خلال التأكد من دقة الخبر، متأت من خبرة عشرين سنة مع الصحافة، لم اشاهد فيها تزويرا رهيبا بقدر التزوير الذي اصاب ايران بعد ثورتها الاسلامية، ولدي كم هائل من الامثلة على ذلك..
وأدافع عن خامنئي لأني اعتبر الخطر الذي يهدد بلادي هو اسرائيل وسيطرتها على اميركا، وسيطرة أميركا على معظم دول العالم. وايران تتمتع بتلك الميزة النادرة وهي استقلالها النسبي عن اميركا، وهي ميزة ذات قيمة هائلة..
وأدافع عن خامنئي لأني اعتقد انه افضل ما في إيران بالنسبة للعراق. فروحاني تاجر يبيع اوراق العراق لأميركا… لكن خامنئي رجل صادق في اعتقادي، إنما طبعا ليس معصوما من الخطأ والخلل وقد كتبت عن ذلك مقالة او مقالتين كاملتين.
من امثلة هذا الخطأ هو تصريحاته الأخيرة بشأن العراق ولبنان، والتي كان اجدر به ان ينأى عن أي تدخل بـ “النصائح” بشأنهما، مما يفسر بأنه تدخل في شؤونهما، خاصة انه يعرف مدى حساسية الوضع وشراسة الكذب الإعلامي.
تصريحه الأخير امام طلبة الكلية العسكرية، اثار لغطاً كثيراً، وكالعادة تمت ترجمته بتحريف كثير او قليل ليعطي معنى اكثر حدة من حقيقته وليجعل الخطأ اكبر واكثر اثارة للمشاعر المتوترة أصلا. قال خامنئي حرفيا:
“كلمة للكرام في دول مثل العراق ولبنان، ان تكون اولويتهم هي علاج فقدان الامن. ويجب ان يعلموا أن لشعوبهم مطالبات، وهي مطالبات محقة. لكن هذه المطالب يمكن تحقيقها فقط، ضمن الإطار القانوني. العدو يريد تدمير الاطار القانوني كله. فحين لا يكون هناك أي وجود للقانون في البلاد، فلن يمكن عمل أي شيء. ولا يمكن التقدم بشيء.”
ومثل هذا الكلام، معقول في مجمله، ولا يمكن تحميله اكثر من “لوم بسيط” يحتمه توتر الأجواء وضرورة عدم التدخل حتى بالكلام المعقول. لكن ما حدث هو تحوير النص لإثارة الناس. وحتى هذا الفيديو نشر تحت عنوان منحرف قليلا في كلماته بهدف الاستثارة : “تصريحات خامنئي في الكلية العسكرية: لابد من القضاء على الفوضى في العراق و لبنان”.. ونلاحظ هنا استبدال كملة الخامنئي “علاج” بـ “القضاء على”! (يمكن للمنتبه ان يسمع كلمة “علاج” في خطبة الخامنئي فهي نفسها باللغة الفارسية كما يبدو).
ربما لو كان الأمر في قضية أخرى لاعتبرناها قلة دقة في الترجمة، اما في مثل هذا الوضع فالمرجح انه تحوير مقصود ومدروس بحذر.
النتيجة هي هياج عظيم على صفحات التواصل الاجتماعي، وفعاليات مثيرة للأسف ستحقق الغرض منها وتلقي على العلاقة بين الشعبين العراقي والإيراني ظلالا قاتمة، بل حتى داخل الشعب العراقي نفسه. فالمتظاهرين (او المدسوسين بينهم) حين اطلقوا العنان لمشاعرهم المنفلتة وراحوا يضربون صورة الخامنئي وسليماني بالأحذية، ربما يتصورون ان العالم تغير وان الغالبية صارت فجأة توافقهم هذا الموقف، وينسون ان الرجلين يتمتعان باحترام معظم الشعب الإيراني إن لم يكن كله، وان تلك الفعلة إهانة شديدة لهؤلاء وتحطيم للعلاقة مع هذا الشعب الطيب الجار، وهو ما يتمناه ويسعى اليه أعداء البلدين. ولا استبعد في هذا الهياج الجنوني ان العديد من المخلصين صاروا يرجون ذلك أيضا.
فوق ذلك فأن نسبة كبيرة من أبناء الشعب العراقي تشارك الإيرانيين هذا الشعور تجاه الخامنئي، وتشعر بالمهانة من ذلك الفعل، وستجد في أفعال تلك التظاهرات عدواناً على مشاعرها وطموحاتها في بلادها.
ومثل هذا ما حدث من صلافة في التعامل مع السيد السيستاني وحرق صوره. وقد نسوا ان السيد السيستاني اخرج مئات الألوف ممن دافع عن العراق بدمه وحياته بكلمة واحدة منه. فهل من أولويات من يقود التظاهرات ان يستعدي الملايين من اتباع السيد السيستاني، ويهدد مطالبه الحقيقية؟ الرد جاء سريعا، فبينما اكتب هذه الكلمات وصلني ان ساحة التحرير تهتف الآن: “تاج على الراس .. سيد علي السيستاني”!
من نتائج هذا التحشيد الواضحة، تحويل الغضب إلى الخامنئي وسليماني، وتركيز الحديث على تدخلهما، رغم انه اقل بألف مرة من تدخل السفير الأمريكي في الانتخابات والتصويت والقرارات وتحديد الوزراء وازاحة رؤساء الوزراء ووضع القوانين الاقتصادية والبنك المركزي وكتابة الدستور وإعادة تشكيل الجيش (مع الحرص على تنصيب العملاء في قيادته كما كشفت كارثة تسليم المدن لداعش)، إضافة الى خلق داعش نفسها وادخالها الى العراق وإنقاذها عندما حانت نهايتها. من وقف مع العراق حينها؟
هذا الضياع بتوجيه التظاهرات لهذه الأهداف خيبة كبيرة ودلالة احقاد قبيحة مدفونة، ان لم تكن مدسوسة في التظاهرات. بالتالي فهذه الأفعال، وهذا الهياج للكراهية التي انتجت تلك الأفعال، لا تخدم الا تحطيم العلاقة مع الشعب الإيراني، وانقسام الشعب العراقي ذاته.
الحقيقة التي قد تكون صادمة للبعض بعد كل هذا التحشيد الإعلامي الخبيث، هي أن خامنئي وسليماني هم افضل ما في ايران بالنسبة لنا وليس العكس! فهما الأكثر دفاعا عن العراق من أي إيراني اخر اعرفه، رغم ان التدخل في الشأن الداخلي مرفوض ويجب التنبيه عليه، كما ذكرنا. ودعمهما للعراق هو السبب في سعي الاعلام لشيطنة هؤلاء دون غيرهم. فنادراً ما يذكر هذا الإعلام روحاني بسوء مثلا. (هل تعلمون لماذا؟ لأنه قريب من اميركا!).. فالمقصود من كل هذا التحريف في اهداف التظاهرات هو عزل العراق – الضحية الضعيفة الضائعة، عن آخر المدافعين عنه واثارة كراهيته له ليبتعد عنه وربما يصطف في جانب اعدائه ويصبح كل شيء جاهزاً لذبح الضحية بهدوء.
كما قلت، فإن خامنئي لم يكن بلا خطأ، لكني ادافع عن خامنئي لأني ارفض المشاركة بالجنون في تقدير الاشياء..  اريد ان يسمح لي ان اقول عن ما هو خاطئ، ان هذا خاطئ بهذا القدر.. بهذا القدر فقط!
ما يحدث في العراق هو العكس وما يضغط به على العراقي هو اتخاذ مواقف منفلتة من أي قياس. فتغريدة الخامنئي الأولى التي ذكر فيها كلمة “مؤامرة”… تلقفها البعض وكأنه اصيب برصاصة. رغم ان الرجل كان واضحاً في الحديث عن مؤامرة لخلق العداء بين الشعبين، ولم يقل ان المتظاهرين هم المتآمرون، لأنه قال انهم يطالبون بمطالب محقة. ولا يمكن إلا لمنافق ان ينكر وجود مثل هذه المؤامرة وانها تمكنت من توجيه بعض التظاهرات بهذا الاتجاه. والمرة الثانية هي كلمته اما الكلية العسكرية كما ذكرنا.
الصحيح هو أن يوجه إلى الخامنئي اللوم لدعمه الضمني لحكومة عبد المهدي الفاسدة التي دمرت العراق، والى تدخله ايضا في الشأن العراقي. فالعلاقة الاخوية التي تربط الشعبين وعلاقة مصيريهما في المنطقة ببعضهما البعض، لا تكفي لمثل هذا الموقف الذي يبدو فوقياً.
هذا برأيي هو الموقف السليم والحجم السليم للنقد، وليس تصوير ذلك التصريح كأنه جريمة وفرصة لجلد كل من يحترم الخامنئي، ودفعه لمعاداة التظاهرات التي يفترض بان تكون اول أولوياتها كسب كل الجماهير الممكنة لقضيتها، بدلا من فصلها عنها. فمبادرة المنتقد بالخشونة، تقطع التواصل مع الاخرين، وبالتالي مع أي نقد قد يوصل لنا الحقيقة.
تصريحات خامنئي في الكلية العسكرية: لابد من القضاء على الفوضى في العراق و لبنان –
https://www.youtube.com/watch?v=MreD-FxohAw&fbclid=IwAR092061mKW9GlQ7H-e07njDv1TYxt1YLRzUsU6fdAPKHhejVX3qVdtpgzM

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق