العراق اليوم

لا لحصر الرئاسات الثلاث في الشيعة والكرد والسنة

بعد سقوط الديكتاتور صدام كانت لدينا أحلام وردية في إقامة ديمقراطية نموذجية في العراق، وكنت واحدا من الذين قالوا بغرور: «لا نريد لَبْنَنَة العراق»، فإذا بسياسيي الصدفة يُلَبنِنونَه ويفوقون لبنان لَبننةً، فأسسوا لمادة دستورية غير مكتوبة، بل توافقوا عليها وجعلوها بديهية عراقية، ألا هي أن يكون رئيس مجلس الوزراء شيعيا، ورئيس الجمهورية كرديا، ورئيس مجلس النواب سنيا عربيا.
مبدأ المواطنة هو الذي يجب أن يسود، فيشمل المناصب العليا وغيرها في الدولة من غير محاصصة طائفية أو عرقية. ونتطلع إلى ذلك اليوم الذي تتجذر فيه ثقافة المواطنة، بحيث لا نعلم هل رئيس وزرائنا أو رئيس جمهوريتنا أو رئيس برلماننا، شيعي أو سني، مسلم أو مسيحي أو مندائي أو إيزيدي أو زرادشتي أو لاديني، لا نعلم أو على الأقل لا يهمنا أن نعلم أمؤمن أحدهم أم ملحد أم لاأدري. لا ننظر إلى بشرته بيضاء، سمراء، أو سوداء، لا ننظر إلى أصله وعشيرته ومنطقته، بل الذي يهمنا هو ما هو فكره السياسي، ما هي أولوياته، ما هو مدى إخلاصه للوطن، ما هو مدى إيمانه بالإنسان، ما هو مدى نزاهته وصدقه، ما هو مدى كفاءته وخبرته.
عندما تتواجد حشود المتظاهرين اليوم في ساحة التحرير، وسائر سوح الاحتجاجات في العراق، نراهم متلاحمين كموجات البحر، لا تعلم موجة عن موجة أخرى، ما إذا كانت شيعية أم سنية، مسلمة أم غير مسلمة، مؤمنة أم غير مؤمنة، عربية أم كردية أم تركمانية أم آشورية، فالموجة ليست إلا موجة، وهكذا المتظاهر، هو اليوم ليس إلا متظاهرا، ليس إلا مواطنا، ليس إلا عراقيا، ليس إلا إنسانا يطالب بحقه وباستعادة كرامته وكرامة الوطن.
نتطلع إلى يوم إذا تحدث السياسي في الشأن السياسي كشيعي أو سني، أو كمسلم أو ما سواه، كمتدين أو غير متدين، يحظر عليه العمل السياسي، لأن ميدان السياسة هو ميدان المواطنة، والهويات الشخصية شأن شخصي، ميدانه الحياة الخاصة، وميادين تلك الهويات، كالمسجد والحسينية والكنيسة والمعبد لأي دين. بل نريد سياسيا، إذا كان متدينا، ألا يمارس العبادة في العلن، كما يروى عن المرحوم عبد الكريم قاسم، عندما طلب منه أن تلتقط له صورة وهو يصلي، فأجاب أأصلي هكذا (واضعا يديه كما يفعل السنة فوق بعضهما) أو هكذا (مسبلا يديه)، ثم قال وإذا حللنا هذه القضية، أين يكون موقع المسيحي وغيره.
نتطلع إلى يوم لا نجد فيه حزبا دينيا (يعتمد الإسلام السياسي)، ولا حزبا منغلقا في عضويته على أتباع هذا أو ذلك الدين، على أتباع هذه أو تلك الطائفة، على أتباع هذه أو تلك القومية. في السياسة وفي تشكيل الأحزاب أو الانتماء إلى أي حزب، كن يساريا ديمقراطيا، أو كن ديمقراطيا اجتماعيا، أو كن ليبراليا، أو ليبراليا اجتماعيا، أو كن وسطيا أو حتى محافظا، ولكن الثابت أن تكون ديمقراطيا علمانيا وطنيا.
مبدأ المواطنة هو الذي يجب أن يسود، مبدأ المواطنة وحده، مبدأ المواطنة لا شيء غيره، ومعه الفصل بين الدين كشأن شخصي من جهة، وشؤون الدولة والسياسة من جهة أخرى، وفي التفاصيل اختَرْ ما تشاء مما ذكر أو غيره.
نحن نفتخر بشبابنا الثائر التشريني، إذ أصر على الاقتصار على رفع علم العراق، باستثناء حالات فردية، كنا نتمنى ألا نراها، لتكون الثورة عراقية وحسب، إذ وجدنا بعض بسطاء المشاركين، وبنوايا حسنة، يرفعون راية شيعية بعبارة «يا حسين» أو «يا قائم آل محمد» أو ما شابه. نحن العلمانيين ندافع دفاعا مستميتا عن حرية الدين وحرية التعبير عنه، سواء كان أحدنا منتميا إلى دين ما، أو غير منتم، سواء كان منتميا وملتزما، أو غير ملتزم أو ملتزما التزاما محدودا، سواء كان مؤمنا بالله أو لاإلهيا (أي ملحدا) أو لاأدريا، كما وندافع مستميتين نحن العلمانيين عن حرية إقامة الشعائر والطقوس لكل الأديان بلا استثناء، لكن يجب أن يكون لكل ذلك ميدانه ومناسبته، وحيث إن التظاهر فعل سياسي، وبما أننا نريد الفصل بين الدين والسياسة في دولة تكفل حرية الدين والعقيدة، لكن لا تسمح للدين والعبادة والطقوس والشعائر والانتماء المذهبي والإيمان والإلحاد واللاأدرية أن تقحم في السياسة، فكل ذلك ميدانه الحياة الشخصية وميادين الفلسفة والفكر والثقافة، التي على الذي يتبوأ موقعا سياسيا أن يجمدها في العلن، أو لا أقل من وجوب تجميدها في أدائه السياسي، ويمارسها في حياته الشخصية حصرا، وكلما كان موقع السياسي أهم وأكثر رمزية وتأثيرا، كلما كان عليه أن ينأى عن التعبير علنا موقفه من القضايا الميتافيزيقية إيجابا أو سلبا.
ضياء الشكرجي
www.nasmaa.com

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق