العراق اليوم

(وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا)

شيء من اللغة
في تعقيبات الحلقة السابقة وعدت بأن أخصص حلقة من هذه السلسلة لجواب سؤال عن معنى السجود في الآية (وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا) وكيفية دخولهم الباب؟ ولما كنت على أهبة سفر أمّلت أن أؤجل ذلك لوقت آخر، ولكن وصل لي أكثر من سؤال عن الموضوع ذاته، فوجبت الإجابة.
أبدأ بالتذكير بأنّ (وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا) ورد في سياقين، هما:
الأول: (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ). (البقرة 58-59).
الثاني: (وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَـذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ . فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ). (الأعراف 161-162).
من هذين السياقين نستخلص أمورا عديدة، يهمنا منها، هنا:
1- لم يذكر التنزيل العزيز كيفية دخول بني إسرائيل الباب، لأن كيفية الدخول ليست بذات أهمية، ولو كانت مهمة وتدعو للتشاغل بها لذكرها القرآن الكريم. فالأهم أن فريقا منهم دخلوا الباب سُجّدا وقالوا (حطّة) وفريقا لم يفعلوا ذلك. ولا يهمنا بعد ذلك كيف دخل هذا الفريق.
3- في السياق الثاني تقدم (وَقُولُواْ حِطَّةٌ) على (وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا) لا على وفق الترتيب الوارد في السياق الأول. وسواء تقدمت أم تأخرت، علينا أن نفهم المراد منها، وأن نستجيب لذلك المراد.
أما السجود فقد قال اللغويون: السجود: الخضوع والخشوع. وقال ابن عباس: هو الركوع. وقال الطبري: هو الانحناء تعظيما لمن سُجِدَ له.
 وإذا كان لي أن أبدي رأيا فأقول:
في العربية كلمة انحناء، كما تحني رأسك لمن تحترمه وتعظّمه، وكما تنحني لتقبّل يد والدك. ولا أراه، لوحده، سجودا.
وفيها كلمة: خشوع، كما تقول: رأيته يطوف حول الكعبة وقد علاه الخشوع. فالخشوع، يختلف عن السجود، ولو أراده القرآن لقال: ( وادخلوا البابَ خُشّعا).
فأرى أن السجود يجمع الانحناء مع الخشوع، أي انحناء بخشوع أو تذلل أو ضراعة. كالذي ورد في سورة يوسف، حيث سجد إخوته له، تذللا وخضوعا. ورأيت في بعض البيئات نوعا من السجود أن يجلس المرء على ركبتيه وينحني بعض الشيء من غير أن تلامس جبهته الأرض. وربما كان سجود إخوة يوسف بهذه الطريقة: (وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا). 
فمعنى (وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا): أنه طُلب منهم أن يدخلوا الباب وقد انحنت رؤوسهم أو قاماتهم بخشوع وتضرّع، لا باستكبار واختيال. وقد استجاب بعضهم لذلك.
ومعلومٌ أن السجود صار هيأة تعبديّة معروفة في الصلاة. يُفترض أن تمثل أقصى درجات الخضوع والخشوع. وهذا السجود خاص بهذه العبادة، فلا ينطبق على دلالة تلك الآية. 
وباختصار، أيضا، ننتقل إلى معنى (حِطَّةٌ). وقد قيل إن معناها: اللهم حُطّ عنا ذنوبنا، وفي هذه الحالة يجب أن تكون (حِطَّةٌ) منصوبة لا مرفوعة. وثمة قراءة بالنصب، لا تعنينا هنا. وقيل: حالتنا حِطّة لذنوبنا، فهي مرفوعة خبرا للمبتدأ. وثمة تقديرات أخرى. ولا نراها صائبة.
نعود إلى اللغة. الحطّ: وضع الأحمال عن الدّوابّ. وفسّر الخليل الآية بقوله: (إنما قيل لهم ذلك حتى يستحِطّوا بها أوزارهم فتُحطَّ عنهم). بمعنى أنهم يطلبون إزالتها من ربهم فيزيلها.
وانطلاقا من هذه الرؤية ذات الصياغة الأدبية البعيدة عن تقعيد النحويين، يمكن أن نقول: إن التنوين فيها تنوينٌ عَوّضَ الألف واللام، كما تقول: سلامٌ عليكم، بدل السلام عليكم. فلقد طُلب منهم أن يقولوا حطّةٌ وكأنها الحطّةُ، دعاء بأن تُحَطّ عنهم أوزارهم، من غير تقدير وحذف، كما لو قلت: المغفرةُ المغفرة، بالرفع. وإن شئت تقدير محذوف يقع مبتدأ أو خبرا فعليك بكتب النحو.
والله الموفق للسّداد.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق