اخبار العراق الان

صحيفة نيويورك تايمز: الكفاحُ من أجل عراق جديد

ترجمة وتقديم : لطفية الدليمي

يكادُ المرء يصابُ بالإعياء وهو يشهد هذا التعتيم الإعلامي العالمي على أنباء الثورة العراقية؛ حتى لكأنّ القوى العالمية تبدو متواطئة – بطريقة خفية وخبيثة معاً –

مع أقطاب القوى الحاكمة في المشهد العراقي ، ويتفاقم شعور الإضطراب والحيرة لدى المراقب – العراقي الغيور على عراقه على وجه التخصيص – إزاء هذه النبرة الباردة التي تتناول بها الصحافة العالمية الحدث العراقي المزلزل الذي مازال يقدّم الشهداء الأبرياء كل يوم ..

آليتُ على نفسي منذ بدء الثورة العراقية التي إنطلقت شرارتها المباركة الأولى في مفتتح تشرين الماضي أن أضع بين يَدَي القارئ العراقي والعربي ترجمات منتخبة لمقالات تتناول الحدث العراقي الثوري غير المسبوق في التأريخ العراقي، ولاأخفي ألمي وأنا أشهد هذا التعتيم المُريب- بل المتواطئ والمشبوه- على الثورة العراقية. هل نحنُ إزاء فساد صحفي وإعلامي شبيه بما حصل مع فضيحة ” كوبونات النفط ” سيّئة الصيت ؟ كم تحمّلتَ ياعراقنا الجريح ؟ وكم تحمّلتم أيها العراقيون المظلومون من سوء أفاعيل الأقربين والأبعدين!! 

أقدّم أدناه ترجمة لواحدة من مقالات الرأي (Opinion) التي كتبتها ( مينا العريبي ) ونشرتها في صحيفة ( النيويورك تايمز) العالمية في عددها الصادر بتاريخ 5 نوفمبر (تشرين ثاني) 2019 . تعمل ( مينا العريبي) ، وهي صحفية عراقية – بريطانية ، رئيسة تحرير صحيفة (The National) التي تصدر في مدينة (أبو ظبي) عاصمة الإمارات العربية المتحدة . 

المترجمة

لم تزل المطاولة التي تبديها التظاهرات الإحتجاجية العراقية الأخيرة ، فضلاً عن زخمها المتعاظم منذ إنطلاقتها الأولى في باكورة تشرين الأول الماضي تتسبّب في هزّ البلد هزاً عنيفاً ، وساهمت وحشية الحكومة العراقية وقوى الميليشيات الساعية لسحق تلك الإحتجاجات في مفاقمة الأجواء المشحونة في العراق ، وعلى الرغم من أنّ مايفوق ( 275 ) من المحتجّين قُتِلوا ، وأنّ ألوفاً آخرين أصيبوا إصابات بالغة ؛ فإنّ الإحتجاجات العارمة تبدو ماضية في مسارها من غير أن تعيقها تلك الممارسات الحكومية والميليشياوية المفرطة في العنف والقسوة . 

تظاهر العراقيون أوّل الأمر بالضد من الفساد والبطالة والفشل الحكومي المخجل في تقديم الخدمات ؛ لكنْ بعد شهر من الإحتجاجات، وعقب العنف الحكومي مفرط الوحشية إزاء المحتجين ، راح هؤلاء يطالبون بإستقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي والإزالة الكاملة للنظام السياسي المهيمن على العراق فضلاً عن ضرورة أن تُحلّ الفصائل السياسية المتسلحة بكلّ أسباب القوة العسكرية الباطشة ميليشياتها التي تدعمها إيران وتتحكّم في كلّ مفاصل حركتها على الأرض العراقية .

لطالما فشلت الحكومة العراقية والنخبة السياسية الممثلة لها في الإستجابة بطريقة مناسبة ومعقولة لأيّ من مطالب المحتجين . وعد ( برهم صالح ) ، الرئيس العراقي ، بتمرير قانون إنتخابي جديد إدّعى أنه سيعمل على جعل أعداد أكبر من الشباب العراقي تلتحق بالعملية السياسية السائدة ، كما وعد بوضع نهاية حاسمة للمنظومة السياسية السائدة في تشكيل الحكومة والتي تقوم على مبدأ المصافقة الفاسدة . إلى جانب ماتقدّم وعد صالح أيضاً بإجراء إصلاحات جذرية على مفوضية الانتخابات عن طريق تطعيمها بخبراء مستقلين ؛ لكن سرعان ماقوبلت هذه الوعود بالرفض من جانب المحتجين باعتبارها ” ضئيلة للغاية ، ومتأخرة للغاية ” ، وأنها لاتعدو أن تكون مساعي تجميلية يريد رئيس الجمهورية من ورائها بثّ الروح في منظومة سياسية متهالكة فقدت مصداقيتها بصورة مطلقة . 

لايمكن إغفال أنّ معظم الإحتجاجات العراقية تجري وقائعها في المدن التي تقطنها غالبية سكانية شيعية ، ويؤشّر قتل مايزيد عن ( 18 ) من المحتجين في الأسبوع الماضي في مدينة كربلاء المقدسة عند الشيعة ، وبطريقة لايمكن أن يشوبها أي شك ، الوضع البائس الذي لم تزل الحواضر الشيعية العراقية تعيش فيه ، وهو الأمر الذي يؤكّد حقيقة أنّ هذه الحواضر لم تلقَ أقلّ عناية مستحقة من جانب الأحزاب السياسية الشيعية التي إستغلّت ” الهوية الشيعية ” للإستئثار بالسلطة والإحتفاظ بها . 

ساهمت الإحتجاجات العراقية وردّة الفعل العنيفة إزاءها من جانب القوات الحكومية والميليشياوية في تفتيت أسطورة الطائفية باعتبارها المبدأ الحاكم للسلطة السياسية ؛ إذ بات واضحاً وبما لايقبل الشكّ بأنّ الطائفية المدعومة والمموّلة من جانب الدولة قد تهافتت وفشلت فشلاً واضحاً بعد أن برهنت على عجزها المريع في تقديم الحماية والإزدهار للمواطنين العراقيين . 

تتجوهر هذه المعضلة – وإلى حدّ كبير – في طبيعة المنظومة السياسية التي فُرِضت على العراق من جانب التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 ؛ فقد عزّزت تلك المنظومة السياسية الأكذوبة القائلة بأنّ العراقيين يفتقدون إلى الهوية الوطنية الجامعة ، وأنّ هوياتهم الفاعلة على الأرض هي طائفية أو إثنية بالضرورة تتمحور في الثلاثية المكوّناتية : شيعة ، سُنّة ، كُرْد . تعمل هذه التقسيمات الطائفية والإثنية على عزل الغالبية العظمى من العراقيين الذين يعتقدون إعتقاداً راسخاً بهويتهم العراقية ، وفضلاً عن ذلك فإنّ هذه التقسيمات تعزل المسيحيين والإيزيديين والمندائيين وبقية الأقليات السكانية العراقية عن الرافد الجامع للوطنية العراقية الحقّة . 

في مقابل هذه الخارطة التقسيمية فقد راح المحتجّون العراقيون اليافعون يرفعون العلم العراقي وحسب رافضين كلّ ماسواه من الرموز السياسية والطائفية ، وراحت الأنشودات الوطنية تملأ كلّ الأجواء . الشعار الأوحد الذي تراه يتردّد في كلّ الأماكن هو : ” نريد وطناً ” – ذلك الشعار الذي يدعو إلى عراق لايعاني من كلّ العلل الطائفية التي يغذيها السياسيون . ثمة شعارٌ جماهيري شائع آخر يؤكّد على ضرورة إنتزاع الحقوق : ” نازل آخذ حقي ” . 

عملت الطبقة السياسية في العراق منذ عام 2003 ، وبدلاً من إقامة نظام سياسي على مبادئ المواطنة بعد الإطاحة بدكتاتورية صدام حسين ، على تخليق منظومة وصاية طائفية بقصد الفوز بالسلطة السياسية والمغانم المالية ، وقد أحْيَت هذه الطبقة السياسية نمطاً من الهوية الطائفية وجعلت منها أساساً – هو أقرب إلى عُرفٍ غير مكتوب – لتشارك السلطة : رئيس وزراء شيعي ، رئيس جمهورية كردي ، ورئيس برلمان سُنّي ، وهو الأمر الذي عزّز التقسيمات الطائفية ورسّخ سطوتها في الوقت الذي عمل فيه بالمقابل على تقليل شأن الإمكانيات الفكرية والمهنية النخبوية والمشروعية الإنتخابية ، وصار تشكيل الحكومة ، بالنتيجة الحتمية ، أقرب إلى فعالية شرسة في المغانمة على السلطة والمال عن طريق تشكيل التحالفات الهشّة قبل الإنتخابات وبعدها . 

ثمة قطاع مؤثر في الطبقة السياسية العراقية لاينفكّ يعلن موالاته المطلقة لإيران ، وقد جعل هذا القطاع الأوضاع أكثر سوءاً في البلد . تزايد الغضب العراقي الشعبي إزاء السطوة الإيرانية المتعاظمة على المؤسسة السياسية العراقية وبخاصة بعد أن أشارت تقارير ذات مصداقية قاطعة إلى أنّ معظم حالات القتل التي طالت العراقيين في سنوات سابقة – وخلال الإحتجاجات كذلك – إنما إقترفتها ميليشيات مدعومة من طهران .

نعلمُ جميعاً أنّ معظم المُحتجّين الشيعة كانوا يصدحون بأصواتهم عالياً : ” إيران ! برّة ! برّة ! ” ، وقد أحرق هؤلاء المحتجّون الأعلام الإيرانية ومزّقوا ملصقات للمرشد الإيراني الأعلى ، آية الله علي خامنئي ، الذي ألقى باللائمة على الولايات المتحدة ووكالات المخابرات الغربية في إدامة شعلة التظاهرات الإحتجاجية في العراق ولبنان . 

يطالبُ المحتجّون بحكومة عراقية وطنية غير محكومة بأية سطوة خارجية ، وقد أفرد المحتجون إيران بالإسم لكونها هي الدولة التي تتحكّمُ بمقادير غالبية الأحزاب السياسية والميليشيات في العراق . في مقابل هذا المطلب العراقي أرسلت طهران الجنرال ( قاسم سليماني ) ، قائد الحرس الثوري الإيراني المعروف بفيلق القدس ، إلى بغداد لكي يشرف بنفسه على التعامل المليشياوي إزاء الإنتفاضة العراقية ، وقد أكّد الجنرال سليماني منذ البدء على أنّ رئيس الوزراء العراقي لن يقدّم إستقالته على الرغم من أنّ عبد المهدي قد أبدى رغبته في الإستقالة . 

لاتنفكّ المشهديات التي تأتينا من مدنٍ مثل الناصرية والبصرة وبغداد تولّد في العراقيين مزيجاً من الأمل والخوف ؛ إذ أنّ الشجاعة الفائقة التي يُبديها المحتجون أمام تغوّل السلطات الأمنية الباطشة تمنح العراقيين أملاً في أنّ التغيير ممكن ، وفي المقابل فإنّ وحشية الردّ الحكومي والميليشياوي المدعوم من طهران قد برهن وبما لايدع أيّ مجال للتشكيك في أنّ طهران ووكلاءها المعتمدين في العراق سيعمدون لفعل أي شيء وكلّ شيء متاح أمامهم للحفاظ على مصالحهم واستثماراتهم المالية المتغوّلة . ليس بخافٍ على الجميع أنّ إيران تعتمد على العراق في محاولة الإلتفاف على العقوبات الدولية المفروضة عليها عبر بيعه الغاز والمحاصيل الزراعية ، وفضلاً عن هذه المصالح المالية الضخمة فإنّ إيران تستخدم العراق كمنصّة لمدّ نفوذها في العالم العربي .

يمضي الفتية العراقيون في ثورتهم الإحتجاجية ليلة إثر أخرى وهم يقاومون المحاولات الحكومية الحثيثة لكبح جماح عنفوانهم ، وواضحٌ أن الطبقة السياسية المعزولة وراء جدران المنطقة الخضراء تبدو بعيدة عن نبض الشارع العراقي ، وهي لاتعرف من يقود هذه التظاهرات الإحتجاجية بالإضافة إلى أنها لاتفهم دوافع هؤلاء الناشطين اليافعين . 

الحرمان الإقتصادي والإهتراء السياسي هما العاملان الجوهريان اللذان دفعا العراقيين للنزول إلى الشوارع ؛ لكن برغم هذين الدافعين الكئيبين فإنّ إحساساً بالفخر قد نما بين كلّ العراقيين بعد أن توحّدوا على مطلب أسمى يبتغي إستعادة العراق كبلد ذي سيادة حقيقية بعد أن ظلّ مختطفاً لسنوات طويلة ، وعند هذه النقطة المفصلية تبدو وعود الحكومة بتحسين فرص الوظائف والبدء بإصلاح المنظومة السياسية والقانون الإنتخابي فعاليات غير كافية ؛ فالملايين من العراقيين صارت تدعو إلى ركل كامل المنظومة السياسية وإزاحتها عن مشهد الحياة العراقية . 

إنّ حلاً مقبولاً وذا ديمومة للمعضلة العراقية المتمثلة بالفساد وارتهان الإرادة الوطنية لجهات خارجية يستوجب إخضاع الرؤوس الرسمية الفاسدة الكبيرة للمساءلة ومن ثمّ المحاكمة العادلة ، وكذلك يستوجب التأكّد من إعتماد منظومة شفافة في تشكيل الحكومة العراقية المقبلة ، والتأكّد من أنّ العراق ( الذي يضمّ خُمْس إحتياطيات النفط المؤكدة في العالم ) دولة قادرة على توفير تعليم أساس وخدمات صحية أساسية لكلّ مواطنيه بكيفية تتناغم مع المعايير العالمية . 

بلغ تعب الشعب العراقي مداه الأعظم إزاء منظومة تقاسم السلطة المتهرّئة – حيث يكون لكلّ حزب سياسي مقعدٌ في طاولة الحكم ؛ لكن لاأحد من هذه الأحزاب ينهض بعبء المسؤولية بل يكتفي – ببساطة – بإلقاء الملامة على سواه من الأحزاب وتحميلها مسؤولية الفشل الجمعي الشامل في كل مرافق الحياة العراقية .

يطلب العراقيون ، وبصورة أساسية ، عراقاً ذا تمكين وسيادة من الفرقاء السياسيين الذين يقودون المنظومة السياسية العراقية الحالية ، وكلّ من سيفشلُ من هؤلاء الفرقاء في تحقيق هذا المطلب العراقي الجماهيري لن يكون بوسعه بعد اليوم الإختباء وراء لافتة ” المنظومة السياسية ” . إنّ هؤلاء الفرقاء السياسيين هم ” المنظومة السياسية ” ذاتها ، ومالم يرتقوا ثقوبها المعيبة فسيُطاحُ بهم وبمنظومتهم السياسية معاً .

كتابة : مينا العُريبي


كل يوم هو يوم جديد

2019/11/02 07:17:51 م

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق