العراق اليوم

خارطة الأنتفاضة في ساحة التحرير

لو نظرت الى خارطة خيم الأعتصام المنصوبة في ساحة التحرير وحديقة الأمة لأصابتك الدهشة حقا ، فهو العراق المصغر بكل فئاته وطبقاته ، وقلما تجد تلاحما شعبيا يجمع الأمي والدكتور، الشاب والكهل، العاطل والموظف للأحتجاج في مكان واحد . وخارطة التحرير متكونة من جبهتين : الأمامية حيث الشباب خلف المتاريس على جسر الجمهورية ويزودهم بالمعلومات من اعالي بناية المطعم التركي الذي سيطر عليه الثوار واكسبهم درعا واقيا من اعتداءات السلطة. الجبهة الخلفية المساندة تضم عشرات الألاف من المتظاهرين الذين يتبادلون الأدوار وخيم اعتصام للراحة والأسعاف ولتموين شباب الخط الأول بالماء والطعام وتقديم الدعم المعنوي والنفسي.   فأمام نصب الحرية مباشرة تجد خيمة نقابة المعلمبن ، و خيمة اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين ومجموعة من شعرائهم  تلقي القصائد كل يوم ، وجنبها خيمة “نحن العراق” مع مركز اسعافات يديرها شباب من كلية التمريض (هناك اكثر من 25 مركز اسعاف شعبي في الساحة لكثرة المصابين)  ،وخيمة “امل العراق” وعلى الجهة الأخرى خيمة نقابة المحامين ، وورائها نقابة الحلاقين ، ومقابلها خيمة الصحفيين ، وجنبها خيمة تجمع أهل النجف الأشرف ، وتجمع العزيزية ، والكوت و جنبها مواكب “زين العابدين” يقدم الماء والشاي للمنتفضين مثل عشرات المواكب الحسينية التي تقيم على امتداد الشارع لساحة الطيران وتقوم باطعام  المنتفضين ، أوتأتي يوميا لتشييع شهدائها مع مكبرات الصوت، وهو مايشكل دعما معنويا كبيرا للمنتفضين . وما ان تنزل من درجات الساحة لمدخل حديقة الأمة تجد خيمة الأكاديميين العراقيين التي أتواجد فيها كل يوم مع نخبة من اساتذة الجامعات ، وهي خيمة مميزة في الساحة  كونها دوما مليئة الحركة لكون الأساتذة الجامعيين  فيها من معدن نشط وصلب ، فها هي الدكتورة من الجامعة المستنصرية وضعت القناع على انفها ومع دكتور أخر من الجامعة التكنولوجية اخذوا مجموعة من الشباب لساحة الخلاني لمساعدة الجرحى الكثر (500 منهم سقط يوم السبت بعدما اصيبو باختناق حاد حيث رميت الساحة  بمواد كيمياوية كثيفة بحيث وصل الغاز الخانق الى ساحة التحرير والطيران وبقي ليومين، فهو غاز محرم دوليا وفق تحقيق اجرته منظمة العفو الدولية، وهي جريمة نكراء لم يروج لها  لقطع الأنترنت).  وتعقد في الخيمة  ندوات وأنشطة لصياغة وثيقة “طلبات الأصلاح الدستوري والأنتخابي والحكومي” ، ومنذ اليوم الأول ساعدتنا كافة النقابات في جمع تواقيع تطلب لجنة دولية لمحاكمة قتلة المتظاهرين (جمع لحد اليوم 10 الاف توقيع وساهمت كافة النقابات في جمع التواقيع) وتم قبل خمسة ايام رفعها مع مذكرة تطالب بوقف العدوان على المتظاهرين الى للأمم المتحدة ومنظمة العفو الدولية ومنظمة مراقبة حقوق الأنسان (وربما على اثرها قد بدات الأن ردود الأفعال الدولية  تتكاثر وتاتي اكثر وضوحا بادانة عمليات الأعتداء والقتل) ، ونحاول الأن جمع 100 الف توقيع لطلب محاكمة القتلة و رؤوس الفساد .
أعتادت حكومة “عدو المهدي” ،كما يدعونه هنا، الترديد ان قوات الأمن هي لحماية المتظاهرين وانها لجأت للقوة للدفاع عن النفس او عندما قام المتظاهرون بحرق او مهاجمة المباني او المرافق العامة،  وهو كذب صارخ  ورخيص، فهم قوة مهاجمة وأستخدمت الرصاص الحي منذ اول يوم للتظاهر، ولم يحدث اطلاقا في بغداد اي حرق واي اعتداء على اي مبنى عام ، ونتحداهم ان ينشروا ولو صورة واحدة لمبنى حرقه المتظاهرون في بغداد ، فجميع المتظاهرين سلميين تماما، اما اسطوانة مندسين فهي لذر الرماد في العيون ، فالمندسون هم من قبل السلطات او ميليشياتهم التي أُئتمرت بمهاجمة المتظاهرين ، ومنهم قناصة اصابوا عدد كبيرا في الأيام الأولى ، وتقول السلطات نفسها انهم قناصة مندسون وليسوا رجال امن ، والسؤال هنا : اين اذن دور القوات المدججة لحماية المتظاهرين اذا كانوا قناصة مندسين ، انهم في الواقع قوة واحدة، و تجب محاكمة من نظم ذلك ومن اعطى امرا باطلاق الناربقنابل توجه مباشرة الى رؤوس وصدور المتظاهرين ، انه عمل بربري شنيع  ولن يهدأ الشارع حتى تقديمهم للعدالة  او قضاء دولي ان لم يحدث، ونحن جادون (بالتعاون مع نقابة المحامين) بطلبه في حالة عدم مقاضاتهم محليا.
وخلال اليومين الماضيين كان هناك مخطط اجمعت عليه الأقطاعيات السياسية بتصفية الأعتصام باي ثمن ، وتحضر المنتفضون لذلك منذ اول امس ، وأمس جاء تصريح من الناطقة الأممية باسم السيد علي السيستاني في اللحظة المناسبة “لا عودة للمنازل حتى ينال المتظاهرون مطالبهم” وهو دحر واضح للسلطة ولصقور وميليشيات الأسلام السياسي الذي افسد وافقر وتسلط واهان العراقيين .
أما مطالب المتظاهرين فهي من ابلغ ما اتت به الثورات الشعبية التي قراناها في الكتب، كالثورة الفرنسية، وهي تلخص بكلمتين فقط “نريد وطن”  اي مكانا للعيش الكريم وفيه عدالة وفيه احترام للذات الأنسانية. وهي ليست الخبز للجائع ، والعمل للعاطل، بل العيش الكريم في وطن وهو مطلب لايتحقق بحكومات حرامية تلبس لباس الدين والطائفة والعرق لتسرق المال العام وتترك شعبها في ظروف لا انسانية كتلك التي تعاني منها كل طبقات المجتمع العراقي ، فالمتعلم والأمي و والقاصي والداني هنا يعي ويعرف جيدا انه بدون اصلاح جذري للدولة والنظام وللحكومة وللدستور وللنظام الأنتخابي وللبرلمان (الذي يمثل فقط 18% من المنتخبين لعام 2018 بينما يمثل المتظاهرون كتلة 82% الذين رفضوا الأشتراك لعلمهم المسبق ان احزاب الفساد الأسلامي ستزورها) ، وبدون أصلاحات دستورية وأصلاحات لجهاز الدولة تمنع المحاصصة ، ودون جلب رؤوس الفساد للعدالة ووضع حد للفساد ، فاي حل ترقيعي لن يمر مهما تحذلق “عدو المهدي” من كلام انشائي ، ومن تهديد من يقف وراءه من كتل سياسية مافيوية دموية اثبتت انتفاضة تشرين انها الطرف الأقوى رغم المال والسلاح والسطوة على مؤسسات  الدولة التي بايديهم.  
ملاحظة: ياتي لوم المتظاهرين لأيران فقط  لكونها تحالفت مع احزاب ناهبة حرامية وفاسدة وخطافين وليس لكونها ايران ، او خضوعا لسياسة امريكا المعادية للجمهورية الأسلامية ، فكان الأولى بايران ان ارادت كسب عطف الشارع العراقي ان تجد من هم اجدر وانظف ، وان لم تجد فهو فشلها ولايمكن تحميل المتظاهرين المنشغلين بمعركتهم مع سلطات فاسدة مسؤولية وضع دولي تكون ايران الخاسرة فيه، فهذا ليس شان المتظاهرين .     
د لبيب سلطان

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق