اخبار العراق الان

المنحى الوجودي في رواية قنزة ونزة

د.نجاح هادي كبة

رواية “قنزة ونزة” للروائي شوقي كريم حسن هي استبطان نفسي لشعور ولاشعور الشخصية العراقية تجاه حرب الثمانينيات مع إيران على لسان بطل الرواية (الراوي العليم)

لأنه شهد الحرب بفواجعها وآلامها كلها والرواية بوليفونية تعددت فيها الأصوات (الشخصيات) الذين يمثلون شرائح وهويات مختلفة من الشعب العراقي مسيحية ويهودية وإسلامية بهدف الوصول الى سؤال محدد هو (ما معنى الحياة ؟) الذي أكدته الفلسفة الوجودية على لسان منظريها أمثال سارتر وكامو وكيركيغارد وغيرهم فالفلسفة الوجودية (محاولات “الأنسان” لأن يجعل معنى لوجوده ثم يتولى مسؤوليته عن أفعاله “الشخصية” كلما حاول ؟أن يحيا طبقاً لقيمه ومبادئه) “الانسان من هو؟ قاسم حسين صالح، بغداد، دار الحرية للطباعة 1984، ص:137”.

ونجد أن هذه الثيمة هي مركز الرواية وهدفها ( مرات كثيرة أرى الموت يتقافز مثل جدي هنا وهناك ولكني أخذ كلَّي الى حيث يجب أن أكون … خيار رغباتي لاخيار رغباتهم … كل ما أطلبه أن تنسى، مثلك لايجب أن يتوجع عش حياتك فقط، وكن ابن يومك وغدك، اترك هذا الماضي المهذار وراء ظهرك، حاول أن تنسى الوجوه، الأمكنة، الأوطان/ يا أنت إنما هي نحن لاتلك الأرض التي لاتريد إرضاء وجودنا بحب وأمان ) ص:40، ولاشك في أن الفلسفة الوجودية تؤكد حرية الاختيار وأن يعيش الإنسان لحظات حياته التي يؤمن بها ككينونة ووجود لأن الوجودية تؤمن بالجسم قبل الجوهر لذلك فهي تعطي الحرية للفرد في الاختيار حتى في التضحية والدفاع عن الوطن والأرض والروائي يعيد للأذهان عن حالة تلميذ لسارتر حين سأله ( إذ وجد هذا الشاب نفسه أمام شكلين مختلفين من التصرف، شكل محدود المعالم لايتعلق الابالفرد وشكل أخر يتعلق بمجموعة ضخمة من الافراد، يتعلق بمجتمع إنساني أو وطني وإن مجرد تعلقه بهذا المجموع المتكاثر عدده يصبح شائكاً فيخلق في نفسه التردد ) ” الوجودية مذهب إنساني، جان بول سارتر، مكتبة الحياة، بيروت، ص:56 “. فسارتر نصح هذا الشاب بالبقاء الى جنب أمه التي فقدت آخاه ودخلت في نزاع مع والده وترك الدفاع عن الوطن في أثناء الهجوم الألماني على فرنسا العام 1940 ” المصدر السابق، ص:56 “. ويؤكد الروائي الهدف الوجودي النفسي عن معنى الحياة حين يرى حياته ليس في ساحة الحرب بل بالشعور بالحب والدفء مع المرآة (سيطرت المخاوف على كل الأرواح التي كنت أطالعها … لكن محاولاتي نجحت في اختصارها بشيئين مهمين هما رؤية ميري وتقبيل جبين جوري العلة الوحيدة التي يمكن أن تشفي هي هذه العلة، أم تصارع انتظارها وزوجة تركت منسية دون أن تدري لماذا اوكيف ) ص:173 . وتتضح الوجودية النفسية اكثر في الرواية إذ يؤكد الراوي العليم حرية الاختيار ( ثمة خلاصات جبانة مثل تلك التي نعيشها الأن … لهذا يجب ان نغادر أنفسنا لنبحث عن أنفس جديدة … احتاج الى أن أعرف طريق الاختيار فقط ولكني عاجز ) ص:49. ويسخر بطل الرواية من الماضي والتاريخ باسلوب مضمر حين يقلل من شأن الحصان الذي له دوي في التاريخ العربي والاسلامي فيقول ( اصطدمت أنفاسنا بظلمة الدرب الخيطي المحفوف بمزارع الألغام لكننا وبحنكة حصان الارث استطعنا أن نقف على ضفة الشط الذي كان يبتسم … أشار الى نابليون بان أمتطي الحصان بعد أن همس بأذنه بشيء ما … حين وجدت جسدي يترنح لم يستقر على ظهر الإرث المبارك ) ص:40. ويتناص الروائي مع مقولة سارتر عن التاريخ (فالوجودية تنكر على التاريخ الطبيعي صحته، وهي طبعا تنكر على التاريخ الانساني ذلك أن التاريخ يظهر ” الأفراد ” في عالم يضعهم امام ظروف مجردة ) ص:100-101، ويقول الروائي: ( مشكلتنا هذا التصور الخاطئ الذي خرّب الحياة كلها، تصور ان الماضي شيء أجمل من الحاضر وأَجمل من المستقبل، اعتقاد خرافات لاصحة لها .. كيف يمكن لماضٍ عفرته الحروب وسرق أعمارنا عند ألواح الترقب أن يكون أجمل من حاضر بين يدي أنثى تمنحك شهد قبولها ) ص:214 فالروائي كأكثر الوجوديين يقلل من شأن التاريخ ( قلت لمدرس التاريخ الذي كان يصر على أن يستدرجنا الى داخل تلك المحفوظات المثيرة للدهشة عن مجرد حطام انتجه هذا الماضي الحجري … قال المدرس الذي يؤمن ان الشعوب دونما تواريخ ورقم وحكايات لاتستحق ان تكون شعوباً، وهي مجرد اشياء زائدة ستزول بزوال صورة وجودها ) ص:186. ويعلل الروائي هجومه على التاريخ بقوله: ( قلت قولي لهم الأحجار وهم عقول صاغت فراغاتها ركاماً من المعابد والآلهة والخرافات الفعل الذي يعتمد العقل هو وحده من يصل الى الحقيقة !! قالت خذ كل الحقائق المعرفية التي ترغب بها وامنحني توقيعاً واحداً، أنقل من خلاله ماأريد !!) ، ص:188. والروائي يعيد الى الأذهان رأي الوجودية في العلم واكتساب المعلومات فهم يرون : ( أن الانسان يكابد من قلة المعرفة ولكنه يعاني من كثرة ما يعرف وإن المعرفة العلمية لا تزود الانسان بالفهم الصحيح عن العالم … أما العلم فهو اتفاق بين العلماء يجب أن يؤدي الى نجاحات علمية وهذا الفهم للعلم يتفق تمام الاتفاق مع فهم البراجماتيين له)” مذاهب ومفاهيم في الفلسفة والاجتماع,د.عبد الرزاق مسلم الماجد,المكتبة العصرية,بيروت,ص: 27 

ويستمر هجوم الروائي على التاريخ بأسلوب غير مضمر بل صريح فيقول : (قال نابليون بصوت ألذ من تمرة برحي / يا مياه الاجداد علميه يعيد قداس رجولته لان الاعادة تسع الحياة,علميه ان الروح شجرة مثمرة فان هجرت ثمرها قذفت بحجر الفشل) ص:40 فالروائي يسخر من الانشداد الى التاريخ كالوجوديين ( ما الذي يجب ان نفعله من أجل الارتماء بين احضان هذا المستقبل أريد أن استعد منذ الآن لكن الوراء … يسحبني الى حيث لا أرغب ولا أريد .. كائن لا يعرف غير حكايات ملؤها الكذب عن وراء موشوم بالدم والفسق والجفون) ص:41. فبطل الرواية يرى الحاضر ليس باحسن من الماضي فيقول (جوري إحنه أرقام ولما ينمحي الرقم نصير قطعة نعي سودة تنمحي شوية شوية شوية شوية) ص:189 فقد (ظهرت الفلسفة الوجودية رداً على حالة الاستبداد التي شاعت في العالم انذاك, وكانت النتائج المترتبة على ذلك, تكميم الأفواه, ومصادرة الحريات واستعمال القسر والإرهاب لاسكات الأصوات المعارضة) الوجودية وعلم النفس,”محمد شمال حسن,دارومكتبة عدنان,بغداد,2015,ص:22″ ولا بد من أن أشير الى أن الرواية عالجت مشكلات وجودية نفسية كثيرة بالاضافة الى ما سبق كالبحث عن الوجود الأصيل والوجود الزائف والتفاؤل والتشاؤم والاغتراب والمسؤولية واليأس والوعي والفراغ الوجودي وغيرها من الأفكار والرواية على لسان البطل الراوي العليم تشعر القارئ بتفاهة الحرب فبطل الرواية على الرغم مما عاناه في جبهة القتال من مصائب ومصاعب يرجع الى داره ليجدها قاعاً صفصفا فيشعر بالاغتراب ولا سيما إنه وجد أمه قد ابتلعها الموت هي والدار والأنكى من ذلك مواساته كانت هي التحقيق معه بوصفه شخصاً غريباً لا دار له في زيارته منطقته فأي ضياع وجودي نفسي هذا, والرواية واقعية اجتماعية يسودها التمرد الوجودي النفسي والضياع ما يجعلها قريبة من روايات مرحلة الستينيات في العراق التي تاثرت بأفكار الوجودية وبأفكار كافكا وسارتر وغيرهما.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق