اخبار العراق الان

دور المؤسسة الدينية لمرحلة ما بعد الاحتجاجات 2-2

 عباس العلي

نعود إلى أصل المقال ونحاول أن نرسم تصوراتنا الخاصة عن المرحلة التي تلي حصد نتائج ثورة تشرين المجيدة، بناء على ما بين أيدينا من معطيات ومقدمات وخلاصة للتجربة التاريخية

التي عاشها الفكر الديني السياسي عامة والمؤسسة الدينية خاصة، بلحاظ أن ما يعرف بالسيرورة التاريخية لتطور أي حدث مرتبط دوما بقانون الفعل ورد الفعل بتطبيقاته الأجتماعية على الواقع، ومن ملاحظة الفعل الذي مارسته المؤسسة الدينية في العراق تحديداً منذ أن نشأت الدولة العراقية الحديثة بعد إنهيار الإمبراطورية العثمانية ولليوم نلاحظ أنها كانت دون المستوى المطلوب منها تفاعلاً وفعلاً مع الحدث السياسي والاجتماعي.

فقد راهنت مثلاً هذه المؤسسة ومدفوعة بالوازع الديني كأساس على الاصطفاف مع الدولة العثمانية بكل أمراضها وعدم قدرتها على الصمود أمام الزحف الأوروبي القادم فيما يسمى بمرحلة الأستعمار الجديد، بالرغم من كل الممارسات القهرية والاستبدادية التي مارستها السلطة الحاكمة في الأستانة ضد الشعوب الإسلامية عامة والشعب العراقي خاصة، ولو قرأنا التناقض مثلا بين منطلقات الفكر المذهبي للسلطنة وعداءها الشديد مثلاً للشيعة وأفكارهم العقائدية، لكن كان هذا الأمر غير كافٍ بالمرة بأن يحيد المؤسسة الدينية الشيعية على مناصرة دولة الخلافة الإسلامية كما كان يطلق على سلطة الدولة العثمانية، وعندما انهزمت وتقسمت دولة الخلافة لم ينفك الشيعة كمؤسسة وفكر وأفراد من معاداة بريطانيا، ولو على المستوى المتعاطي به تثقيفياً على أنها كانت السبب في إنهيار هذه الخلافة وسقوط أخر كيان إسلامي برأيها.

في حين أن المؤسسة الأخرى والتي كانت حاضنة ومطيعة وحليف لسلطة الأستانة قد وجدت نفسها في هذا الحال في صف المحتل البريطاني وتحالفت معه على اعتبار أن الواجب الشرعي يقتضي منها أن تكون مع الحاكم صالحاً أو فاجراً طالما أنه تحصل على سيادة حتى لو كانت بالقهر أو بالغلبة حسب التعريف الفقهي، هنا أنعزل الشيعة كمؤسسة عن نظام الحكم الجديد وما أفرزه مما يسمى بالسلطة الوطنية ونظام الحكم الملكي والذي جاء بالرداء الإسلامي أيضاً، وبقيت هذه المؤسسة على موقفها الرافض هذا حتى سقوط نظام صدام حسين عام 2003، ولكن هذه المرّة تغير الموقف بالضد تماماً من موثقها عام 1917 وعام 1920 وتحالفت مع المحتل الجديد تحت تبريرات معلنة وأخرى خفية أهمها أن لا تفرط بالفرصة التاريخية التي قدمها المحتل الجديد على طبق من ذهب لها لتتحكم بمستويات القرار العليا.

كثير من الكتّاب والمفكرين والمراقبين للوضع العراقي ربط بين هذا التحوّل وبين خفيات السياسة الكونية التي تلعب وتحاك أحداثها ومخططاتها بالخفاء، وأشاروا إلى أن التخادم العلني الذي ظهر في أعقاب الغزو والاحتلال الأميركي للعراق إنما كان مدفوعاً بعامل المؤامرة والتخطيط المسبق، لا سيما وأن هناك أطرافاً من المعارضة العراقية الدينية حين ذاك والذي كانت محسوبة على المؤسسة الدينية الشيعية بفرعيها العراقي والإيراني، دخلت بالمباشر على خط العمل والتنسيق مع أميركا وإدارة حملة الغزو تمهيداً ومشاركة في صنع الرأي العام الشعبي وتحييده عن المواجهة معه أو حتى الرفض له، والذي بالنتيجة تقبل الأحتلال وباركه في الوقت الذي كان الشعار المرفوع منها (إن أمريكا هي الشيطان الأكبر) .

الحقيقة التي لا بد من الإقرار بها أن هذه المؤسسة وعلى مدى قرن كامل تقريبا لزمت مبدأ الرفض لكل الحكومات المتعاقبة الملكية والجمهورية وبكل توجهاتها، حتى أنها وقفت موقف المعارض الحاد والمباشر لبعض هذه الحكومات على أساس مبادئها أو تحالفاتها السياسية، وصنفت بعض القوى السياسية التي لعبت دوراً مهماً في عمليات صنع الوعي المدني والليبرالي في الواقع العراقي، كما حصل في فتوى السيد الحكيم في ستينيات القرن الماضي بتحريم الشيوعية ووصفها بالكفر والإلحاد مما تسبب بالكثير من الحوادث المؤسفة، وأيضاً نجد ذات الموقف المعارض مع حكومة البعث من قبل السيد الشهيد محمد باقر الصدر والسيد الشهيد الصدر الثاني.

كانت نتائج هذا الإعلان والرفض أن تحمل أتباع المؤسسة الدينية الشيعية الكثير من أصناف الأذى والمطاردة والتقتيل من قبل الحكومات العراقية المتعاقبة، حتى أنها وتحت ضغط السلطة قبلت أن تنزوي وتترك الشارع للسلطة وقواها إلا من خلال ما يعرف بالعمل السري، والذي من الممكن سريعاً أن تتخلى عنه دون أن تصطدم بالحكومة كما صار ووقع في أحداث عام 1991، وتبرئ السيد الخوئي حينها عن ما جرى فيها من أحداث وأدى هذا الموقف إلى إفشال سريع لما سمي في وقتها (الانتفاضة الشعبانية) أو أحداث صفحة الغدر والخيانة.

وجدت مرجعية الشيعة نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما وعليها أن تحسم الأمر سريعاً ودون تردد، الأول أن تقبل بالاحتلال بكل نتائجه ولا سيما أن قراءتها كانت تشير إلى عدم قدرة النظام الحاكم في بغداد على الصمود أو حتى الدفاع عن نفسه ومعاقله، كما أن إنهيار الجيش العراقي تحت وقع الضربات الماحقة وتشتته لم يساعد أبداً في اتخاذ موقف الدفاع عن السلطة وهويتها، حتى مع ظلمها وتجبرها وطغيانها كونها حكومة عراقية وإسلامية كما فعلت سابقا مع الحكومة العثمانية مع تشابه الحالة والمعيار والنتيجة، فلا تقبل أن تتحمل الخسارة المزدوجة حين ينتهي الإحتلال وتأت سلطة عراقية جديدة سيكون لحلفاء أميركا وأتباعها كثر في المعسكر الديني المقابل.

الخيار الثاني كان الإعلان على أنها على الحياد في صراع الظالمين كما روج رجال المؤسسة ودعاتها بعنوان (اللهم أضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا منها سالمين)، هنا لعبت العقلية الدينية البرغماتية دورا ذكياً في تحييد الشارع العراقي ولجمه حتى من مقاومة المحتل على أمل أنها ستتمكن هي لاحقا من إخراج المحتل الأميركي بطريقتها الخاصة والتي لم تعلن عنها أبداً، لكن سرعان ما أستتب الأمر للقوات الأميركية وتحول العراق من حكم الحاكم العسكري إلى الحاكم المدني الأميركي لنجد أن أهم القوى التي تعاونت وساندت عمل الإدارة المدنية الأميركية هم من ينتمون بالمباشر وبصورة غير مباشرة لها، حتى في قضية وضع الدستور كان لها ممثلون خاصون يعبرون عن رأيها وصفتها، وصولاً إلى التوصية العامة لكل الشعب العراقي بضرورة التصويت لصالح الدستور بغض النظر عن الكثير من الاعتراضات التي رافقت عملية الاستفتاء.

إذا كان خيار المؤسسة الدينية الشيعية هذه المرة مختلفاً جذرياً وعلى غير المتوقع منها كقوة محافظة تعودت على أداء دورها الديني، متحفظة على كل عمل سياسي قد يجرها لمواقف نأت كثيراً بنفسها عنها، فهي مثلا لا تؤمن بولاية الفقيه التي تتعامل بها شقيقتها الإيرانية، ولا تعترف أصلاً بمواردها ولا بتطبيقاتها السياسية لا بالواقع ولا بالافتراض، لكنها وتحت ضغط التجربة التاريخية وأرتباطات بعض أركانها ممن يمثلون جناح الصقور في إدارتها، بدأت تميل شيئا فشيئا للانخراط بالعمل السياسي بمفهوم (الرشد والنصح) وليس بمفهوم الإملاء والواجب، ولكن في نهاية إدارة بريمر الانتقالية وجدت نفسها شريكاً كاملاً ولاعباً أساسياً في خضم لعبة السلطة والسيطرة والتحكم.

يجب علينا التمييز حينما نكتب بحيادية بين المؤسسة الدينية العراقية في طرفيها السنّي والشيعي حتى نكون على قدر من الجدية في الرؤيا الكلية للموضوع، فبالرغم من بعض الاختلافات السطحية بين عناصر الأولى والتي غالباً ما تتم تسويتها أو التستر عليها حفاظاً على وحدة البيت الشيعي، نجد أن المؤسسة الأخرى والتي تمثل الجزء السنّي من المؤسسة الدينية العراقية تتخبط في توجهاتها العامة ووحدة قرارها العام، وذلك ناتج من تأثيرات المرجعيات الكبرى لها وتناقضاتها المبدئية، فهناك المرجعية السعودية بمدها المتطرّف والذي فرخ الكثير من التنظيمات الفرعية في الساحة السنّية، وهناك المرجعية التركية التي تتبع مرجعية أكبر منها وهي تنظيم الإخوان المسلمين العام.

هذا عدى أن هناك أصواتاً وطنية تتوزع على الخارطة السيا – دينية السنّية ولكنها من الضعف وعدم القدرة على مواجهة القوى المسلحة التي تحركها ، أما مرجعياتها المتطرفة أو تقع تحت ضغط قوة وتماسك التيار الإخواني المتنامي، لكن الجميع في الغالب كانت له صلات ووصلات وترابط مع ما يسمى بالمقاومة العراقية بمختلف أهدافها وتوجهاتها والتي تستهدف الوجود الأميركي ومن يتعاون معه عراقياً، هنا بعض القوى السنّية في المؤسسة الدينية وجدت نفسها في صراع مسلح مع الشيعة وظنوا وأعتقدوا أن التعاون الشيعي الأميركي يعني في النهاية إقصائهم من حق مكتسب تاريخياً في قيادة الدولة ونظامها، هنا بدأت ملامح الحرب الأهلية مباشرة بعد إنتهاء وإقرار الدستور عام 2005 والذي قسم وعمق الأزمة العراقية حينما أشار في الكثير من بنوده إلى مفاهيم المكونات وأحقية القوى الغالبة في قيادة الدولة باعتبارات لم تكن مبنية على أسس إحصائية يمكن الركون إليها.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق