اخبار العراق الان

مراسلة الواشنطن بوست تكتب من بغداد..الانتفاضة العراقية هي الأعظم منذ عقود

دفعت الإنتفاضة العراقية المشرقة الحكومة إلى نسيان سردياتها (الطائفية ) المكرورة وهي تواجه حالة عراقية غير مسبوقة .

ترجمة : لطفية الدليمي

أقدّم أدناه ترجمة لمعظم أجزاء المقالة المنشورة بالعنوان أعلاه في صحيفة (الواشنطن بوست) العالمية في عددها الصادر يوم 8 تشرين ثاني (نوفمبر) 2019 . لويزا لفلوك هي مسؤولة مكتب الواشنطن بوست في بغداد ، وقد سبق لها العمل كمراسلة للصحيفة في بيروت ، كما عملت مراسلة صحفية لصحيفة (الديلي تلغراف ) في القاهرة .

المترجمة

من بغداد إلى مدينة كربلاء المقدّسة وحتى كلّ الجنوب العراقي ، العراقيون جميعاً يضغطون باتجاه إعلان ثورة شاملة . إنهم يملأون الساحات المركزية ، يغنون ويرقصون ( إبتهاجاً بانتفاضتهم ولشدّ عزيمتهم ) منذ انبلاج أول ضياء النهار ، ويواجهون قوات مكافحة ( الشغب ! ) عندما يُرخي الليل سدوله . 

ليست الشوارع العراقية بغريبة عن مشهديات تصارع السلطة ؛ إذ لطالما كانت ميادين للصراع الطائفي ؛ لكنّ الحشود مختلفة نوعياً هذه المرّة مثلما هي مختلفةٌ تماماً الإحتجاجات التي باتت تمثل تهديداً جدياً ( للحكومة والأحزاب الفاسدة ) من جانب الحركات الأكثر إلتصاقاً بقاع المعاناة من الشعب العراقي ، وهذا أمرٌ لانظير له في التأريخ العراقي الحديث كله : ثمّة جيل جديد نشأ عقب الإحتلال – الذي قادته الولايات المتحدة – للعراق ، وهذا الجيل هو ذاته الذي راح ينفض الغبار عنه وينتفض بطريقة زلزلت الأرض تحت أقدام السياسيين من بغداد إلى طهران وجعلتهم يرتجّون هلعاً . ” إلى جيل الستينيات والسبعينيات : نحن نملك شجاعة أكبر ممّا تملكون ” هذا ماتقوله لافتة ترفرف في سماء الساحة المركزية في بغداد (ساحة التحرير، المترجمة).

مع أنّ الإنتفاضة العراقية محصورة حتى اليوم في مناطق تقطنها غالبية شيعية فإنّ القادة الدينيين لم يرحّبوا بها ويعلوا من زخمها ، وفي الوقت ذاته فقد وجّه هؤلاء المنتفضون رفضاً حاداً وصريحاّ وبعيداً عن أية مخاتلة أو إستبطان تجاه إيران التي يهيمن عليها المذهب الشيعي وتمثل قوة سياسية وأمنية ذات سطوة في المنطقة . أضرِمت النار في القنصلية الإيرانية في كربلاء ، ومُزّق العلم الإيراني وسط مشهديات تذكّرنا بأجواء الإطاحة بصدام حسين ، وقد إندفع المحتجون الغاضبون في الإستعانة بأحذيتهم لركل صور قادة الميليشيات المدعومة من إيران . 

” إذا كان ثمة شيء ذو بال حققه هؤلاء المنتفضون فهو إسقاطهم للصيغة الطائفية التي إعتمدها حكمُ العراق منذ 2003 – تلك الصيغة التي قزّمت العراقيين وجعلتهم هويات مكوناتية إثنية ودينية فحسب ” هذا مايكتبه ( حارث حسن ) ، الزميل غير المقيم في مركز كارنيغي للشرق الأوسط ، في واحدة من أطروحاته البحثية . تتوزّع السلطة في العراق ، وتحت هيمنة المنظومة السياسية القائمة فيه ، بين أحزاب طائفية وإثنية بالكامل ، ويجري توزيع المغانم الإقتصادية بينهم طبقاً لتلك التوليفة الطائفية والإثنية . 

إيران من جانبها ، وهي تخشى أن يتآكل تأثيرها الهائل في العراق ، راحت تندفع نحو ردة فعل وحشية مفرطة القسوة تجاه هذه الإنتفاضة العراقية . في الموجة الأولى من الإحتجاجات العراقية التي إنطلقت شرارتها الشهر الماضي لم يتأخر الجنرال الإيراني الأكثر شهرة بين نظرائه ( قاسم سليماني ) عن التوجّه إلى بغداد في اليوم الثاني من بدء تلك الإحتجاجات بقصد إجلاء كلّ غموض بشأن التوجّه الإيراني لتقديم الدعم الكامل للحكومة العراقية لقتل الإنتفاضة العراقية ووأدها في مهدها وإخراس ألسنة المنتفضين العراقيين ، وهذا ماجاء على لسان مسؤولين رسميين عراقيين، ويضيف هؤلاء أنّ الميليشيات المدعومة من إيران وظّفت قنّاصين لإصطياد المحتجين في الشوارع . أما في الموجة الثانية من الإحتجاجات (التي إنطلقت يوم 25 أكتوبر ” تشرين الأول ” ، المترجمة) فيقول المسؤولون العراقيون أنّ إيران قد مارست ضغوطاً كبرى على رئيس الوزراء العراقي الضعيف والخائر لكي يستبعد فكرة إقالة حكومته، وفي الوقت ذاته راح الإيرانيون يعزّزون إيمانه بأنّ الإنتفاضة العراقية ليست سوى صنيعة مؤامرة خارجية . 

“المسؤولية الأكبر تقع على عاتق القوات الأمنية ” هذا ماقاله أحد ممثلي آية الله العظمى علي السيستاني يوم الجمعة الماضي (8 نوفمبر) بعد أن دخلت الإحتجاجات العراقية أسبوعاً ثالثاً من جولة التظاهرات ، ثم يردف ممثل السيستاني : ” يتوجّب على تلك القوات الأمنية الإبتعاد عن إستخدام القوة المفرطة تجاه المتظاهرين السلميين . ” 

صار ميدان التحرير ، ومنذ يوم 25 تشرين أول ( أكتوبر ) الماضي ، صورة لعراق جديد مختلف تماماً عن صوره السابقة . الحكومة العراقية تبقى غائبة بالكامل عن فهم هذا المشهد العراقي الجديد : شباب وشابات ينظّفون الشوارع من النفايات ويعيدون تجميل الجدران المتسخة بلوحات يرسمونها تمجّد أفعال أبطالهم الثوريين مثلما تمجّد تضحيات الموتى ( الشهداء ) . إندفع المئات لإعداد الطعام لجموع المحتجين ، ولن يخفى عن المراقب مشهد نسوة يعدّون الأرز ويقلّبونه على مهل في قدور تتصاعد منها الأبخرة ، وآخرون يقطّعون كتل اللحم الكبيرة ويعدّونها للطبخ ، وآخرون غيرهم يعدّون أقداح الشاي الثقيل المشبع بالسكّر . ” عندما أذهب وسط الجموع المحتشدة في تلك الساحة ( ساحة التحرير ، المترجمة ) فلديّ عِلْمٌ هو بمثابة يقين راسخ بأنني لو كنتُ جائعاً فثمة من سيطعمني ، ولو جرِحتُ أو أصِبتُ فثمة من سيأخذني بعيداً عن موضع الخطر ” هذا بعض ماقاله ( الحسن فهمي ) وهو يسند مرفقه على كومة من البطانيات ، ثم أضاف قائلاً : ” هذا مجتمع مختلف عمّا نعرف نشهده هنا ” .

أما على صعيد التصادمات التي تحصل في الجبهات الأمامية ، وفي الليل معظم الأحايين ، فإنّ المنتفضين يمسكون بمواضع أقدامهم على الأرض ويثبتون فيها وهم يستعينون بخليط من الإحساس العدمي والمرح معاً ! واجه المراهقون الذين تجري كميات هائلة من الأدرينالين في شرايينهم في إحدى الليالي القريبة الماضية قوات مكافحة الشغب ، وراحوا يتقافزون بين الغيوم التي أحدثتها قنابل مسيلات الدموع التي أطلقوها بغية قذف تلك القوات بالحجارة ومن ثمّ العودة إلى إماكنهم حيثما إستطاعوا لذلك سبيلاً وهم يلوّحون بقبضاتهم في الهواء ويردّدون في نغمة واحدة متّسقة يسائلون بها أنفسهم ويجيبونها في الوقت ذاته : ” هل أنتم إيرانيون ؟ كلا . هل أنتم أميركان ؟ كلا . هل أنتم بعثيون ؟ كلا . هل أنتم عراقيون ؟ ” هنا يتصاعد صوت الإقرار باليقين المقترن بالأهازيج التي تصمّ الآذان . 

نشأ مايقارب 60 بالمائة من العراقيين ( الذين يناهزون تخوم الأربعين مليوناً في يومنا هذا ) تحت هيمنة نظام سياسي شكّلته الولايات المتحدة بعد الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003 ، وقد عمل هذا النظام السياسي ، وبفعل المغانمة على السلطة وتوزيعها بين الفرقاء على أساس مذهبي وإثني ، على تغذية الفساد وإعلاء شأنه على حساب توفير الخدمات الأساسية ، وصار الفساد هو الآلية التي مكّنت إيران من توسيع شبكة نفوذها وتأثيرها المتعاظم في الشأن العراقي . عملت إيران من جانبها على دعم ميليشياتها القوية التي تعمل تحت أمرة الحكومة العراقية من الوجهة النظرية فحسب لكنها تتمتّع بحصانة كاملة في الوقائع العملية التي يشهدها العراقيون على الأرض . 

” نحن في مسيس الحاجة لحكومة من غير ميليشيات ومن غير صبغة دينية مهيمنة . نحتاج حكومة تديرها كائنات إنسانية لاالميليشيات التي تتحكّم بكل شيء ” هذا ماقاله ( محمّد ) ، المتطوّع الطبي ذو السبعة عشر عاماً في ساحة التحرير وهو يحاول إراحة ركبته المصابة بقذيفة عبوة غازية هشّمت عظمة فيها عندما كان يعمل على إخلاء بعض المصابين إلى حيث يجدون الأمان قبل بضعة أيام . يقول محمد ( وهو ، مثل الآخرين ، يؤكد على وجوب إستخدام إسمه الأول فحسب لأسباب تخصّ أمنه الشخصي ) : ” أحتاج مدرسة جيّدة ، مدرسة جيدة واحدة فحسب ، وبدلاً من هذه المدرسة فقد شهدتُ مُحتجّين مهشّمي الرؤوس ، وآخرين إخترقت الرصاصات صدورهم . ” يخربش محمّد بيده على ركبته المصابة المغطّاة بضمادة ويقول : ” ركبتي هذه فداءٌ لوطني ” 

بدأت الإنتفاضة العراقية يوم 1 تشرين الأول ( أكتوبر ) كصيحة إحتجاجية صغيرة بالضد من الفساد المتغوّل في البلد ؛ غير أنّ نموّها وثباتها دفعا النخب السياسية المنعزلة في المنطقة الخضراء ، فضلاً عن بعض العراقيين ، إلى الإستيقاظ من سباتهم العميق حتى لكأنها أخذتهم على فُجاءَة من أمرهم ومن حيث لايحتسبون . 

في زيارته إلى بغداد أوائل الشهر الماضي أخبر الجنرال سليماني المسؤولين العراقيين أنّ طهران تعلم الكيفية التي ينبغي بها التعامل مع المنتفضين العراقيين ، مذكّراً إياهم بأن طهران سبق لها أن ألجمت جموع الإيرانيين المحتجين الذين تظاهروا في إيران قبل سنوات خلت . سرعان ماإشتدت مظاهر القمع الحكومي العراقي إزاء الإحتجاجات عقب ذلك الإجتماع ؛ إذ تمّ نشر مجاميع من القنّاصة على أسطح البنايات العالية ، وحجب وسائل التواصل ، وحجز قادة النشاط السياسي المناوئ للحكومة . 

صرّح إثنان من كبار المسؤولين الحكوميين بأنّ ( عادل عبد المهدي ) ، رئيس مجلس الوزراء ، كان قد أعدّ منذ بدء الإحتجاجات كلمة يعلن فيها إستقالته من رئاسة الحكومة ؛ لكنه سرعان ماغضّ الطرف عنها بعد ضغوط من جانب مستشارين ومسؤولين حكوميين وثيقي الصلة بإيران : ” أراد ( عبد المهدي ) الإستقالة ؛ لكنّ هؤلاء المستشارين والمسؤولين الحكوميين نجحوا في جعله يعدل عن الإستقالة بعد اجتماع طويل ” هذا ماقاله أحد المسؤولين ، وقد طلب حجب هويته كالعادة بسبب حساسية الموضوع ، ثم أردف : ” الجانب الإيراني يرى حكومة عبد المهدي وكأنها الحكومة الإيرانية ، وللمرّة الأولى بات بوسع الإيرانيين ممارسة سلطة إصدار القرارات والتحكّم بكلّ مفاصل الحكومة ، وهم لايريدون خسارة هذه المكاسب الهائلة بسهولة . ” 

تتفاقم عزلة رئيس الوزراء العراقي يوماً بعد آخر على حدّ تصريح مقرّبين منه ، وقد بات منقاداً إنقياداً أعمى لثلّة من المستشارين المحيطين به الذين ماانفكّوا يغذّون في عقله فكرة أنّ الإنتفاضة العراقية ليست إلا مؤامرة صنعتها الولايات المتحدة وإسرائيل ، ويتناسون عامدين أنّ هذه الإنتفاضة ماهي إلا شكل من أشكال ردة الفعل العراقية الغاضبة تجاه الظروف الإقتصادية – الإجتماعية البائسة التي يحياها معظم العراقيين . ” هذه هي الحركة الإحتجاجية الأوسع نطاقاً والتي صنعتها الحشود المسحوقة في كلّ تأريخ العراق الحديث ” ، بهذا يصف ( حارث حسن ) من مركز كارنيغي للشرق الأوسط الإنتفاضة العراقية ، ثم يضيف : ” دفعت الإنتفاضة العراقية المشرقة الحكومة إلى نسيان سردياتها ( الطائفية ) المكرورة وهي تواجه حالة عراقية غير مسبوقة . “

كتابة : لويزا لفلوك ، مصطفى سالم

عن الواشنطن بوست

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق