اخبار العراق الان

قراءة في كتاب (في الطابق الرابع) انفتاح التعبير من السرد الحكائي إلى السينمائي

أحمد الناجي

(2)

ونعاود معاينة الصورة بوصفها شكلاً تدوينياً أو بالأحرى سردية بصرية، نجد أمامنا نوفل، يشع في الغرفة بوجهه اللامبالي، ذلك هو “الجالس هناك، اللي شعره أبيض” (ص35)،

يظهر أمام الكومبيوتر/الأرشيف، يراقب نابض الالتقاط، وينصت الى تكة الضغط على زر الكاميرا، وهو يميل بمرونة نحو العدسة اللاقطة، والميلان بالجسد مع تحريك الكرسي نحو الجدار الخلفي يحقق الانشطار في مساحة اللقطة، أي أن العنصر الأرأس أو البؤرة المركزية قبلت التنحي ولو قليلاً الى الخلف لحساب مظهرية العناصر الهامشية، فتبدت في هذه الحالة فسحة أكبر بين التكوين الرئيس والفراغ/الخلفية، وأظهرت حضوراً مرئياً يعكس لحظة من الارتياح لدى نوفل بالتعامل مع الفعل الفوتغرافي، كما أن في توسعة المجال لعدسة الكاميرا دلالة رمزية تنطوي على أنه عارف بأسرار سردية الصورة، فقام متقصداً بالإعلاء من شأن الكاميرا الفوتوغرافية، وفي هذا تكريس لقيمة اللغة البصرية.

واضح أن الصورة الفوتوغرافية حافلة بحركات متداخلة، تضفي جمالاً على قيمتها البصرية، متجلية في الابتسامة على وجه نوفل، والمقترنة بحركة اليد اليمنى الممتدة حول البطن أفقياً نحو اليسرى لتحضنها وتلتف فوقها، فضلاً عن رفع الساق اليسرى فوق اليمنى، خبرات نوفل ومهاراته الفنية هي التي شكلت وضعية الكائن الماثل أمام الصورة، وصاغت ما تراه عدسة الكاميرا، حيث وسعت تدخلاته القصدية مديات الرؤية، موجهة النظر الى حواف المشهد، محثاً على تفحص ما هو ظاهر من محتويات المكتب المتنوعة في الخلفية التي تحمل دلالات رمزية عديدة، مما يعطي الصورة الفوتوغرافية عمقاً أوسع، ويمنحها طاقة متجددة، بل يجعل سردية الصورة تنفتح على الآفاق الواسعة. 

ما يلفت في صورة الغلاف الفوتوغرافية حالة المكان الذي يبدو أنيقاً ومرتباً بدقة، وعلى أكمل وجه، ويبدو أن كل شيء موجود في مكانه المناسب تماماً، وتظهر طاولة عمله غير مكتظة، وهذه الحالة غير معهودة لدى الشخص المهموم بالقراءة والمشتغل بحقول الأدب والفن، حيث تكون في المعتاد على غير انتظام، ويبدو أن التقنيات الحديثة التي مكنت الكومبيوتر على القيام بمهمة حفظ الأرشيف بالاتساق مع التحولات الحضارية، وهي التي رسمت ملامح هذه المظهرية الأنيقة. اللون الأسود أسفل الطاولة يبرز ما علاها بشكل لافت، تستيقظ كافة العناصر بألوانها المغايرة، لتصطاد عين الناظر، تفتح ذهنه، وتدفعه الى التخيل. 

نرى الجدران مزدحمة ومليئة بكم حاشد من العلامات البصرية المتنوعة، الساعة تتجاور مع شاشة العرض، علامتان تنفتحان على دلالات: الأولى تنطوي على أهمية الوقت الثمين/التاريخ، والثانية تكشف الصورة المتحركة، أي تقوم بعرضها، والاثنتان لهما وقع على النفس ومعزة في الروح، وربما شغلت الصور الباقية الحيز المكاني طولاً وعرضاً لأنها قريبة من القلب، كل واحدة منها تحمل ذكرى، وتفيض بالمعنى، والصورة هي أفكار وتخيلات قبل كل شيء، وكما يقول أرسطو: لا تفكر الروح أبداً من دون الصور (د. شاكر عبد الحميد، عصر الصورة، ص7)، تغري الناظر، وتغوي شاغل المكان على الإمعان في التأمل، وتبعث الارتياح الذي يجدد الحيوية.

أثار انتباهي عنوان الكتاب، ويسبقني التساؤل الذي يطرق باب العقل قبل الحديث عن أي شيء، لماذا (في الطابق الرابع)؟ ينبغي أن يكون للمخيال دوره في التأويل، والبحث عن إجابة شافية، وقراءة البعد الرمزي الكامن في العنوان، وتصور قصدية المؤلف في صوغ مفتاح الكتاب. 

يستحثك العنوان من البداية على الانتباه، وتوجيه رؤياك فوق مستوى النظر نحو أفق متعال، ومن ثم حشد المخيلة وتركيز الذهن للذهاب صعوداً الى حيث يكون ذلك المرقى، بغية الوصول الى الغرفة في الطابق الرابع، مكتب نوفل الجنابي، وبعد أن نشعر بنكهة المكان الذي صار بالنسبة له مقاماً حميمياً، ينال مكانته من خلال تجربته الإبداعية الراكزة، من هنا تتكشف لنا الإجابة عن السؤال المطروح أنفاً، التي تفيد بكون العنوان هو العتبة الأولى، وإذا شئت قل ثُريا النص، والمتمثلة فيه دلالة رمزية تومئ الى الارتقاء، وتبرز أمامنا متسقة تماماً مع استعارة مدلول الترفع والسمو الذي يؤديه الفعل الثقافي والإبداعي عموماً، والمتجسد أمام ناظرينا على وجه التخصيص في محتوى الكتاب الذي يروي اشتغالات نوفل، وما أبدعه على صعيد اخراج الأفلام الوثائقية، منجز إبداعي بدأ عرضه على الشاشات منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، وكان الطابق الرابع، هو نقطة الشروع لهذه التحققات، وعلى وجه التحديد ذلك الحيز المكاني، الغرفة/المشغل الذي أصبح موطن تدوير أحلامه الى واقع ملموس. 

ما أن تبدأ بقراءة عنوان الكتاب وبقية العتبات النصية الأولية، حتى تواصل المسير نحو الطابق الرابع، الى حيث يقودنا نوفل بخطوات وئيدة بغية التعريف بالغرفة/المكتب/المشغل، وذلك من خلال تقديم تصور موجز لشكلها، وما يجاورها ومسار الوصول اليها، وتأتي بعد ذلك باب (اقتباس) أو العبارة المقتبسة، مدخلاً يؤثث لفضاءات المتن المعبر عن إبداعات، هذا المبدع المهجوس بالكلمة، القائل: فلما “ضرب الهوى برأسي، أيقظ اللغة، هذا الكائن الذي تدخل في حياتي فغيّرها” (ص35). ذاكراً في المقدمة التي أفردها تحت عنوان (خذه كما هو)، ما يختصر تحولاته على بساط ريح الكلمات في الصحافة المكتوبة بالعبارة الآتية: “ما أن كتبت أول كلمات الحياة، حتى وجدتها تقاسمني –أي الكلمة- كل شيء. رحلة المدرسة، غبار الشارع، ظلام السينما، طريق المسافر وحيرة الغريب. قادتني الى الصحافة ثم الى غرافيك الصحافة، فالتدوين، لقد أخذت حياتي طولاً وعرضاً” (ص11).

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق