العراق اليوم

فساد المؤسسات المُقترحة في اجتماع "الموالاة والمعارضة" لإدارة الثروة النفطية الوطنية

   تحت ضغط الاحتجاجات الشعبية الواسعة النطاق، اجتمع قادة “الموالاة والمعارضة!” السياسية في 18/11/2019 “… بدافع الحفاظ على الدولة، وتطوير النظام السياسي… يجب تحقيق إصلاحات جذرية في مكافحة الفساد… تُصحح مسارات عمل الدولة، لتضعها في السياقات الطبيعية كدولة خادمة وراعية وحامية لمصالح الشعب…” (وثيقة اجتماع قادة القوى السياسية). ومن أجل تحقيق أهداف الحفاظ على الدولة وتطوير نظامها السياسي، أقترح المجتمعون تشريع قانوني “النفط والغاز” و”مجلس الأعمار” خلال 45 يوما من تاريخ اجتماعهم ولغاية نهاية العام الحالي؟!
   ربما هذه الأهداف وغيرها، وأيضا وثيقة الاجتماع نفسها، ستكون مادة لتحليل سياسي واسع من قبل المهتمين بالشأن السياسي العام في الظروف السياسية الحالية كالمحتجين (والمرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف المتضامنة معهم بقوة لافتة) والسياسيين والمختصين بالتحليل السياسي. ما يعنينا في هذه المقالة هو النظر في مقترحات المجتمعين ذات الصلة بالشأن النفطي، كتعبير عملي ملموس، كما نرى، عن مواقفهم السياسية من مطالب الإصلاح أو التغيير التي يطالب بها المحتجون باسم الشعب العراقي.
   لقد قادت سياسات قادة الموالاة والمعارضة الموقعين على وثيقة الاجتماع (وكذلك قادة الموالاة والمعارضة من الذين لم يحضروا الاجتماع) منذ عام 2003 ولغاية يومنا الحاضر إلى تخريب الاقتصاد الوطني، وإفقار نسبة كبيرة من الشعب العراقي، واغتناء بدون حق مشروع عدد قليل من العائلات السياسية، وشيوع مظاهر الفساد الإداري والمالي والسياسي والفكري في إدارة الدولة والاقتصاد، وتصاعد الاعتماد على واردات تصدير النفط الخام في تمويل الموازنات التشغيلية والاستثمارية السنوية للدولة. وعلى هذا الأساس، نحن لا نعتقد بوجود عاقل واحد في بلادنا يمكن له تصديق ما تمخض عنه الاجتماع المذكور من قرارات وتوصيات ومقترحات، إلا إذا افترضنا أن مخرجات هذا الاجتماع جاءت كتعبير عن ندم المجتمعين لفشلهم المُريع في إدارة الدولة الديمقراطية الجديدة بعد السقوط المُدوي للدولة الشمولية القديمة. ولكن عالم السياسة لا يعرف سوابق عن ندم من قادوا بلدانهم نحو الكارثة والانهيار والاحتلال الأجنبي. أنهم وببساطة شديدة يكذبون! في هذه المقالة القصيرة سنُعرّي كذبهم الفاضح فيما يقترحون بشأن كيفية إدارة الثروة النفطية الوطنية.
   ابتداء نقول، أن إدارة للثروة النفطية متسمة بمعايير الكفاءة والفاعلية والمنفعة والعدالة والنزاهة والشفافية يمكن لها أن تكون صمام أمان لعدم إفقار شعب الرافدين وتعريضه للمجاعة، كما كان دور نهري دجلة والفرات والنخلة المباركة في العهود السحيقة من التاريخ، وأيضا بمثابة قاعدة مادية واستثمارية كبيرة لتطوير وتنويع الاقتصاد الوطني. بيد أن قوى الموالاة والمعارضة السياسية قد استخدمت صمام الأمان المذكور لصالح تقوية وديمومة نفوذها السياسي، من خلال “زراعة” رجالها في المفاصل الرئيسة من الهياكل التنظيمية لإدارة الثروة النفطية الوطنية، مُستخدمة في ذلك التشريع القانوني المُناقض لأحكام الدستور النافذ بغرض تهيأة مستلزمات الزراعة الناجحة لفساد المؤسسات المعنية بإدارة الشأن النفطي في بلادنا.
   في عام 2005، وضع الدستور ملكية الثروة النفطية في يد الشعب العراقي (المادة 111)، وقرر الدستور الهيكل التنظيمي الآتي لإدارة هذه الملكية بصورة تشاركيه نيابة عن الشعب العراقي من خلال تشريع قانون يُنظم نشاط هذه الإدارة على وفق معايير الكفاءة والفاعلية والمنفعة والعدالة (المادة 112/أولا/ثانيا): الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة للنفط. وعلى ضوء مُطالبة الدستور بتشريع القانون المُنظم والحاكم والحامي لإدارة استغلال وتطوير الثروة النفطية، تفتقت “عبقرية خبراء!” قوى الموالاة والمعارضة السياسية عن أربعة مبادرات لتشريع هذا القانون (مبادرتي مجلس الوزراء في عامي 2007 و2011، ومبادرة لجنة النفط والطاقة لمجلس النواب في عام 2011 أيضا، ومبادرة قانون شركة النفط الوطنية العراقية رقم 4 لسنة 2018)، ومبادرة خامسة من قبل مجلس الوزراء لتشريع قانون للتصرف بأكثر من 5% من إجمالي الموازنة الاتحادية السنوية المُمولة بأكثر من 90% من عائدات تصدير النفط الخام (مشروع قانون مجلس الأعمار لسنة 2019).
   في مبادرتي مجلس الوزراء ومبادرة مجلس النواب لتشريع ما سُميّ حينها بقانون “النفط والغاز الاتحادي”، أُفردت مكانة خاصة لما يسمى “المجلس الاتحادي للنفط والغاز” و”مكتب المستشارين المستقلين” (وبعضهم أجانب!) في الهيكل التنظيمي لإدارة الثروة النفطية، مُقصية بذلك الشخوص الدستورية من هذا الهيكل وهي الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم والمحافظات المنتجة (أنظر تفصيل ذلك في الكعبي، شبكة الاقتصاديين العراقيين في 7 آذار 2018، و25 آذار 2018). في قانون شركة النفط الوطنية العراقية لسنة 2018، والذي كان عرّاب مبادرة تشريعه السيد رئيس مجلس الوزراء الحالي، من أصل 11 عضوا، يؤمن ستة أشخاص طبيعيون (رئيس مجلس الإدارة، ونائبيه، وثلاثة خبراء) تحقيق الأغلبية المطلقة عند التصويت في اجتماعات مجلس إدارة الشركة (أنظر تفصيل ذلك في الكعبي، شبكة الاقتصاديين العراقيين في 10 نيسان 2018). وعلى الرغم من أن المحكمة الاتحادية العليا بتاريخ 23/1/2019 قد عدّت بعض أحكام قانون شركة النفط الوطنية العراقية غير دستورية، إلا أنها لم تَمُس تشكيلة مجلس إدارة الشركة المناقضة لأحكام الدستور (أنظر تفصيل ذلك في الكعبي، www.akhbaar.org في 5 نيسان 2019). في مبادرة مشروع قانون مجلس الأعمار لسنة 2019، يتكون الهيكل التنظيمي لمجلس الأعمار من 11 عضوا، منهم 6 أعضاء من الموظفين الحكوميين و5 أعضاء من القطاع الخاص، مناقضا في ذلك أحكام الدستور بشأن التصرف بمخرجات نشاط إدارة الثروة النفطية الوطنية (أنظر تفصيل ذلك في الكعبي، www.akhbaar.org في 30 تشرين الأول 2019).
   عندما تزرع قوى الموالاة والمعارضة السياسية رجالها، بحكم القانون، في جسد مؤسسات إدارة الثروة النفطية (المجلس الاتحادي للنفط والغاز، مكتب المستشارين المستقلين، مجلس إدارة شركة النفط الوطنية العراقية، مجلس الأعمار وغيرها)، عندها سيكون بمقدور هذه القوى:
•    استغلال المؤسسات لتحقيق منافع ضيقة.
•    التلاعب بالمؤسسات لتبرير سلوك مناقض للغرض من تكوين هذه المؤسسات.
•    استخدام المؤسسات بمثابة غطاء للتمويه على نشاط غير قانوني أو غير شرعي.
•    تحويل المؤسسات من كونها منفعة مُجتمعية عامة إلى مصدر فئوي لجني الريع من استعماله.
لقد أصَمّت قوى الموالاة والمعارضة السياسية العراقية أذانها طيلة ستة عشر عاما منذ عام 2003 عن سماع صوت الرأي العلمي الرصين في قضايا إدارة الشأن النفطي، وليس وحده. وها هي اليوم تقترح على المحتجين والمرجعية الدينية العليا والشعب العراقي مبادرات تشريعية فاسدة، يُراد منها وأد المطالب المشروعة للناس بحياة أفضل. آن الأوان لمالك الثروة النفطية الوطنية (الشعب العراقي في كل الأقاليم والمحافظات) أن يُقرر بنفسه كيفية إدارة عمليات استغلالها وتطويرها بمعايير الكفاءة والفاعلية والمنفعة والعدالة والنزاهة والشفافية!

المصادر:
دستور جمهورية العراق (2005).
الكعبي، جواد كاظم لفته (2018). لمصلحة من تقرع طبول النزاعات التنظيمية في مشروعات قانون النفط والغاز الاتحادي؟ شبكة الاقتصاديين العراقيين في 7 آذار.
الكعبي، جواد كاظم لفته (2018). مخاطر إدارة عمليات منح التراخيص النفطية في مشروعات قانون النفط والغاز الاتحادي العالقة منذ عام 2007. شبكة الاقتصاديين العراقيين في 25 آذار.
الكعبي، جواد كاظم لفته (2018). تقييم طبيعة عمل نظام إدارة الموارد النفطية في قوانين تأسيس شركة النفط الوطنية العراقية. شبكة الاقتصاديين العراقيين في 10 نيسان.
الكعبي، جواد كاظم لفته (2019). في ضوء قرارات المحكمة الاتحادية العليا: ماذا بعد “الإعدام التنظيمي!” لشركة النفط الوطنية العراقية ككيان إداري مستقل؟ www.akhbaar.org في 5 نيسان.
الكعبي، جواد كاظم لفته (2019). تحليل مُقارن للكيفية المؤسساتية لإدارة نشاط أعمار العراق.  www.akhbaar.org في 30 تشرين الأول.
وثيقة اجتماع قادة القوى السياسية (2019). بغياب عبد المهدي .. اجتماع موسع للقوى السياسية هذه تفاصيله ومقرراته. www.akhbaar.org في 19 تشرين الثاني.

د. جواد الكعبي
22/11/2019
[email protected] 

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق