اخبار العراق الان

جثة الاقطاع السياسي في العراق

 ساطع راجي

خلال السنة الأولى من عمر أي حكومة عراقية تنفجر في العراق موجة تظاهرات إحتجاجية، المطالب متقاربة فيها وتنتهي غالباً بخطوات إصلاحية صغيرة وهشة سرعان ما تتلاشى وترتكب الحكومات أخطاء أكبر من تلك التي دفعت المواطنين للاحتجاج،

ومع ملاحظة إن كل موجة إحتجاج رافقها استغلال سياسي حتى من قبل القوى والأشخاص الذين خرجت الاحتجاجات ضدهم ولتمرير صفقات ومنافع تحت غطاء الصخب الاحتجاجي وعلى وقع سقوط الضحايا الأبرياء.

محصلة تلك الاحتجاجات على الصعيد السياسي حتى نهاية دورة حكومة العبادي كانت صفراً حتى إطمأنت القوى السياسية الحاكمة الى أن الشارع لن يؤثر في شيء، إذ لم يظهر من خضم التظاهرات منافسون سياسيون في الانتخابات ولم تتشكل تنظيمات تمارس الضغط المستمر في الشارع بطريقة تدفع قوى الحكم الى مراعاة مطالب وتوجهات المواطنين الغاضبين، وهو ما قاد الى انتاج أحدث وأخطر سلاسل الأخطاء في العملية السياسية في العراق قبل وخلال وبعد انتخابات 2018.

لقد تجاهلت القوى السياسية الحاكمة مطالب المواطن واحتجاجاتهم تماماً وهي تشرع قانون الانتخابات البرلمانية لعام 2018 وفي تشكيل مفوضية الانتخابات حتى يظن المراقب إن قوى السلطة قررت الانفصال تماماً عن الشعب وربما تصورت إن الشعب العراقي ينقسم الى نصفين، شعب القوى السياسية الحاكمة المنتفع منها والمؤمن بها والمندفع لحمايتها الى آخر نفس، وشعب آخر غير مهم وغير فعال وليس عنده غير الكلام وربما المظاهرات قصيرة النفس، لكن نجاح الدعوة لمقاطعة الانتخابات كشف زيف هذا التصنيف وبين حجم الخطأ الذي ارتكبته قوى الحكم في تشريع قانون الانتخابات وتشكيل المفوضية، ولكن ولأنها قوى إقطاعية متعالية تحتقر “العامة” تجاهلت قوى الحكم الاقبال الهزيل على الانتخابات وأطلقت أيدي ممثليها في المفوضية لترتيب النتائج على هواها، لكن الأتباع في إدارة العملية الانتخابية تسابقوا فيما بينهم الى حد هتك أستار المفوضية لننطلق في مسلسل فضائح انتخابية من تلاعب الى حرق صناديق ثم اتهامات بالتزوير وفضيحة التصويت الالكتروني وتجميد للمفوضية وإعادة عد وفرز الأصوات جزئيا وبقيت ذيول هذا المسلسل متواصلة بشكاوى قضائية تغير في أعضاء البرلمان حتى اليوم، هذه الحلقة المفصلية في سلسلة الاخطاء قادت لنتائج متقاربة في الانتخابات أعلنت بالتزامن مع موجة احتجاجات، وعليه قررت القوى السياسية الخروج من أزمة الانتخابات عبر تجاهل نتائجها جزئياً والعودة الى طاولة أمراء الحرب لتقاسم الغنائم، وهذا يعني أن تنتهي القسمة الى تنصيب رئيس وزراء محايد ينفذ ما تتفق عليه الطاولة.

عقلية القوى السياسية الحاكمة، بسبب إصولها العقائدية والعائلية، ترفض الوضوح وتحمّل المسؤولية المباشرة، هي تستخدم تقنيات الوكلاء والسراكيل (تسمية وكيل الاقطاعي في العراق)، لذلك إنقلبت على كل الأعراف الدستورية والديمقراطية، وبدلاً من تشكيل كتلة أكبر داخل البرلمان يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشحها بتشكيل الحكومة، ذهبت أقوى الأحزاب على الأرض (بقوة السلاح التي تنعكس أصواتاً في الانتخابات) الى تشكيل تحالف غير رسمي يحكم بلا مساءلة ولا مسؤولية واضحة، هكذا تم ارتكاب خطأ تشكيل هذه الحكومة التي أسمتها القوى الحاكمة (حكومة الفرصة الأخيرة) في ممارسة احتيالية أخرى حيث لم تقل للمواطنين ماذا سيحدث بعد فشل الحكومة التي استنفدت كل ما تعتبره (حيلاً شرعية) خلال سنتها الأولى لتواجه بالاستحقاق الشعبي مجدداً المعبر عنه بالاحتجاجات.

قوى الحكم تعرف أخطائها جيداً لكنها لا تعتبرها أخطاء بل اجراءات ضرورية لإدامة السلطة غير أن ديمومة أي سلطة تعتمد على فعالياتها وانجازاتها وهذه لا تتحقق بالحيل الشرعية وغير الشرعية، في أحسن الظروف يمكن إدارة دكان او شركة اعتمادا على الاحتيال لكن إدارة الدول تختلف كلياً، إدارة الدول لا تنفع فيها تقنية استخدام الوكلاء والسراكيل بل أن من يريد القيادة عليه التقدم بنفسه وإلا فالجلوس في بيته والانشغال بحياته الخاصة هو الأفضل له وللناس، حتى فكرة تدخل دولة في شؤون دولة أخرى عبر العملاء والجواسيس والوكلاء لم تعد نافعة، العراق خير دليل، كم دولة تدخلت في شؤونه عبر هذه الأساليب والى ماذا إنتهت؟!، لم تنفع الجمعيات والمنظمات الممولة ولاصفحات وسائل التواصل الاجتماعي فضلاً عن الأحزاب الكارتونية والجماعات المسلحة في ترسيخ مصالح أي دولة تتدخل في الشأن العراقي، الكل على قلق، لأن المصالح الراسخة تتحق بعلاقات متكافئة بين الدول وإلا ستخضع المصالح لمنهج العصابات الإجرامية وهي مؤقتة وسريعة التقلب.

صفقة تشكيل الحكومة الحالية هي لحظة انفجار سلسلة الأخطاء في العراق، وهي السلسلة التي منبعها الحكم المتوازي، إذ يحكم العراق بضعة أشخاص ليست لهم صفات رسمية وبالتالي لايمكن محاسبتهم لأنهم يحكمون عبر وكلاء (حكومة وبرلمان) يمثلونهم واقعياً لكن يقال إنهم يمثلون الشعب باعتبار أنهم جاءوا عبر الانتخابات لكنهم في الحقيقة جاءوا عبر تسويات، دول أخرى تريد أن تحكم العراق لكنها أيضا لاتريد تحمل مسؤولية مباشرة عن الاحتلال فتقدم أشخاصاً تعتبرهم ساسة بينما هم ليسوا أكثر من مواطنين أجانب (جنسية وولاء أو ولاء فقط) من أصول عراقية.

التعبير الشعبي الشائع في العراق عن المطالبة بحاكم واحد يعكس المعضلة الراهنة، هو ليس نتيجة الحنين المرضي للطغيان الفردي بل هو ملل من الحكام المتسترين، الحكام الذين يديرون الشأن العام بطريقة الاقطاعي الذي يعيش بعيداً عن أراضيه التي استحوذ هو أو اباؤه عليها بطرق غير شرعية، ويطلق سراكيله وأزلامه على الناس ليجلبوا له الغنائم فيتنعم بها ولمداراة غضب الناس يغير سراكيله من وقت لآخر كما تفعل الزعامات السياسية مع نوابها ووزرائها واسماء تنظيماتها، لكن الاقطاع انتهى زمنه وحتى تستره بالعقائد والمقدسات لن يمد عمره في ظروف عادية وإذا جاءت ظروف تسمح بمد عمره فإن نهايته ستكون مأساوية بسبب ماتراكم من أخطائه فالإقطاع السياسي هو جثة قاتلة.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق