اخبار العراق الان

باليت المدى: أمي الهولندية

 ستار كاووش

بينما كنت منشغلاً بتعليق لوحاتي في الغاليري، نَزَلَتْ خوني من الطابق العلوي حيث تعيش، وحدثتني قليلاً قبل أن تجتاز القاعة نحو الباب الخارجي، ولحظة إمساكها مقبض الباب،

إلتفَتَتْ نحوي مثل أم تهتم بإبنها وأشارت نحو الثلاجة الصغيرة قائلة (هناك بعض قناني البيرة، هيئتها لك البارحة، فربما ستحتاج لها في غمرة العمل. أنا ذاهبة الى وسط المدينة للتسوق واعداد العشاء)، كان هذا في غاليري آيزرمان الذي أسسته خوني آيزرمان في الطابق الأرضي من بيتها بمدينة دوكم في أقصى الشمال الهولندي. خوني التي يسميها المعارف والأصدقاء (ماما خوني) كنتُ قد تعرفت عليها عن طريق الصديقة يَنكا نورد والصديق الفنان حسام كاكائي، وهو على الأرجح من أطلق عليها هذا اللقب تحبباً، كونه عاش في ذات المدينة مدة طويلة وتربطه بها علاقة كبيرة. لم تتوقف يوماً عن منح المحبة لكل معارفها وأصدقائها، ورعايتهم بشخصيتها المؤثرة والطيبة، وتحتويهم بحضورها الأخاذ وذكائها المتوقد رغم تقدمها في العمر. 

إصطحبتنا ذات مساء أنا ومجموعة من الصديقات والأصدقاء لمشاهدة أوبرا كارمن، وكان ذلك أول عرض مهم أشاهده في هولندا، حيث مازالت الموسيقى وألوان الملابس والرقصات حاضرة في ذهني، بعدها حين التقينا مع مجموعة من الأصدقاء، نظرت لي قائلة (هذا مفتاح بيتي في مدينة فلنيسيا الأسبانية، خذه واقضي هناك إجازة مع صديقتك حسب الوقت الذي يكفيكم، هناك متوفر كل شيء) فشكرتها ضاحكاً: ليست لديَّ صديقة الآن، وسأعود بالتأكيد للمفتاح حين تتغير الأمور. وذات مرة كانت تستمع لي وأنا أتحدث بحماس وإعجاب عن الزخارف والخطوط والمعالجات في (الآرت ديكو) لتفاجئني في عيد ميلادي بإهدائي كتاب كبير ومدهش عن هذا الفن الجميل، وحين سمعت أن إبنها نيكو معجب بلوحتي (الملاك الحارس)، إقتنتها سريعاً وأرسلتها له رغم كونه محامياً كبيراً ويستطيع القيام بذلك بنفسه، أما عند صدور كتاب (أصابع كاووش) باللغة الهولندية، اشترت مجموعة من النسخ ووزعتها على معارفها، ووضعت نسخة في واجهة الغاليري إحتفاءً بالكتاب. هكذا عرفتها منذ عشرين عاماً وهي تعرف كيف تستجيب لجماليات الحياة والناس، وتمد يد العون والمحبة والإخلاص للانسان. 

أقمتُ عندها ثلاثة معارض، وفي كل مرة كانت تزيد محبتها وكرمها أكثر من المرة السابقة، وتقوم بتهيئة كل متطلبات نجاح المعرض. إقتربت مني ذات ظهيرة وسلمتني ظرفاً يحتوي على ثمن اللوحات التي بيعت بعد انتهاء معرضي، لكن بعد وصولي الى البيت وجدتُ أن النقود أكثر من اللازم، أو في الحقيقة لم تخصم نسبة الغاليري المتفق عليها، فعدتُ اليها مسرعاً وأنا أقول: هناك مبلغ زائد عليك استرجاعه، فقد أحصيتي النقود بشكل خاطئ. وهنا أجابتني (لا لم اخطئ بِعَدِّ النقود، لكني لم أرد أن أخصم نسبة الغاليري، فربما تكون بحاجة لهذه النقود أكثر مني)، فرفضتُ ذلك لأن تلك النقود كانت استحقاقها وهذا هو اتفاق الغاليري مع كل المعارض، وهنا قالت (أنا لست بحاجة الى هذه النقود، ثم أنك قد تعرفت على صديقة جديدة، تبدو رائعة، تمتعوا يابني بهذا المبلغ الاضافي)، وكان ذلك كافياً لسفرة أسبوع بالقطار لباريس. 

كل لقاء مع ماما خوني كان يتحول الى عيد مليء بالمسرات والحبور والطمأنينة. أتَذَكَّرُ الآن إيثارها العظيم، وأستعيد طعم الشوربة الدافئة التي كانت تقدمها لنا في كل زيارة، وقناني نبيذ الرسيرفا الملفوفة بشبكة ناعمة من الاسلاك، حيث كنت أصنع لها وجوهاً جانبية من هذه الاسلاك المعدنية الناعمة بعد الانتهاء من كل قنينة، واعلقها على الثريا التي تتدلى فوق طاولة الطعام. 

مضت السنوات سريعاً، وظهرت آثار الزمن على ماما خوني وبدأت تجد صعوبة في المشي، لألتقي بها آخر مرة صحبة إبنتها وحسام وينكا وبعض الاصدقاء القدماء، وقد أمضينا النهار في مركب كبير وسط القنوات المائية لفريسلاند، لينتهي بنا المطاف عند ينكا التي اعدت لنا حفلة صغيرة في البيت. 

تجاوزت ماما خوني الآن التسعين من العمر، بعد أن قضت جانباً كبيراً من حياتها بين اللوحات والفنانين. وفي آخر لقاء لي مع صديقي حسام الذي كان وما يزال وفياً لها، أبلغني بأنه كان في زيارتها، حيث تجد الرعاية من ابنتها، وذكر لي بأن كل اللوحات التي لديها لم تعد موجودة، بإستثناء ثلاث لوحات صغيرة، ما زالت متعلقة بها ولا تريد التخلي عنها، واحده له وأخرى لشقيقه نور والثالثة من نصيبي. 

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق