اخبار العراق الان

تورغينيف بين حياة شرارة ومحمد يونس

أما المرحوم أ.د. محمد يونس فقد كان يدرس في جامعة موسكو نتاجات تورغينيف , و كتب عنه رسالة تخرجّه , أي رسالة الماجستير . وهكذا أصبحت حياة شرارة – بعد تخرجها – متخصصة بأدب تولستوي , وأصبح محمد يونس متخصصاً بأدب تورغينيف . كلاهما عادا الى العراق في الستينيات وهما يحملان هذا التخصص الدقيق في الأدب الروسي, وبدأ كلاهما بالعمل في قسم اللغة الروسية بكلية الآداب في جامعة بغداد . محمد عاد قبل حياة , وبدأ يعمل رأسا في القسم المذكور باعتباره قد حصل على ( شهادة جامعية أولية أمدها خمس سنوات – هكذا اطلقت عليها وزارة التعليم العالي العراقية تلك التسمية آنذاك كي لا تعادلها بالماجستير) , فلا هي بكالوريوس ولا هي ماجستير , أو كما قال عنها أحد المسؤولين العراقيين في الوزارة ساخراً مرة – (شبر أعلى من البكالوريوس وشبرين أوطأ من الماجستير!). عاد محمد يونس الى جامعة موسكو مرة أخرى لإكمال دراسته العليا بعد أن فهم , أن وزارة التعليم العراقية لن تعادل هذه الشهادة بالماجستير بأي حال من الأحوال , وحصل فعلا على شهادة الدكتوراه هناك, ولكنه ترك تورغينيف , وكتب أطروحة عن تولستوي . وهكذا أصبح في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد واقعيّا متخصصان في أدب تولستوي هما د. حياة شرارة ود. محمد يونس ( انظر مقالتنا بعنوان تولستوي بين حياة شرارة ومحمد يونس ). لم ينعكس التخصص الدقيق هذا على طبيعة العمل التدريسي في القسم , إذ كانت التدريسات في هذا القسم كلها تدور في إطار المعلومات الأولية البسيطة ليس إلا في اللغة الروسية وآدابها لطالب عراقي يبدأ بدراسة اللغة الروسية من الصفر, بل وإن معظم هؤلاء الطلبة كانوا حتى لا يرغبون بدراستها , ولكن بالنسبة للبحث العلمي اللاحق لكليهما انعكس هذا التخصص طبعاً بشكل واضح , فقد نشرت حياة شرارة كتاباً بعنوان ( تولستوي فناناً ) , وهي أطروحتها واقعياً , ولكنها لم تستمر بالكتابة عن تولستوي , بل ابتدأت بالانتقال ( إن صح التعبير ) الى تورغينيف بالتدريج , وهكذا قررت ترجمة أعماله الكاملة الى العربية , واستطاعت أن تترجم وتنشر فعلاً عدة نتاجات لتورغينيف هي (مذكرات صياد) و(عش النبلاء) و (رودين) , وحياة ( وليس محمد ) التي كتبت الفصل الخاص بتورغينيف في كتاب ( مدخل الى تاريخ الأدب الروسي في القرن التاسع عشر ) , الذي صدر في بيروت آنذاك ( وأعادت دار المدى طبعه ثانية في بغداد ), وهو كتاب منهجي باللغة العربية لطلبة قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد حول مادة تاريخ الأدب الروسي من تأليف حياة شرارة ومحمد يونس معاً , أما محمد , فكتب الفصل الخاص بتولستوي في ذلك الكتاب.

جاء مرّة الى قسمنا الصحافي المعروف الاستاذ ماجد السامرائي , وطلب منّا باسم صاحب المؤسسة العربية للنشر في بيروت ( الكيالي ) المشاركة بمشروعها الثقافي , وهو نشر سلسلة حول أعلام الفكر العالمي . اختار محمد الكتابة عن تورغينيف وتولستوي معاً ( اختصاصه الدقيق الأول واختصاصه الدقيق الثاني ) , أما حياة , فقد قررت الكتابة عن بيلينسكي , إي أنها لم تقرر الكتابة عن تولستوي ( اختصاصها الدقيق ) , ولا عن تورغينيف , الذي بدأت بالانتقال اليه , وذلك لأن محمد أخذ على عاتقه الكتابة عنه باعتباره اختصاصه الاول آنذاك , و حياة لم تكن تحب المنافسة والدخول بدروبها الضيّقة, إذ إنها كانت دائماً موسوعية الافآق , و تجد دائماً المواضيع الجديدة ضمن اختصاصها العام طبعا , وكانت حتى لا تطيق تدريس نفس المواد كل عام , وإنما كانت تحاول تنويع جدولها ولو جزئيّاً . إن ثقافة حياة شرارة الواسعة جعلتها هكذا , فقد ترعرت منذ صباها في أجواء ثقافية راقية , إذ إنها ابنة الكاتب محمد شرارة , وهي خريجة قسم اللغة الانكليزية قبل أن تسافر الى موسكو , أي إنها تحمل شهادة البكالوريوس في اللغة الانكليزية وآدابها , وكانت لغتها الانكليزية ممتازة , وكانت تستخدم هذه اللغة ومصادرها في بحوثها حول الأدب الروسي , أما محمد يونس , فانه خريج المدرسة السوفيتية منذ الدراسات الأولية وحتى العليا , ولذلك , فإنه يمكن القول , إن محمد يونس هو الابن البار لهذه المدرسة الفكرية, وقد انعكست كل هذه الخصائص لدى حياة شرارة ومحمد يونس على مسيرتهما العلمية اللاحقة , ولا مجال هنا طبعا للكلام التفصيلي عن كل ذلك , إذ يقتضي هذا مقارنة كل نتاجات د. حياة شرارة و د. محمد يونس , وهي عملية ليست بسيطة أبداً في مجال البحث العلمي حول الأدب الروسي في العراق ( وكم أتمنى أن أعود الى هذا الموضوع يوماً ما ), ولكن التزاماً بعنوان المقالة هذه نود أن نشير في الختام , الى أن حياة شرارة ساهمت – في نهاية المطاف – بنشر اسم تورغينيف ونتاجاته ( والذي هو ليس اختصاصها الدقيق ) بشكل أوسع من محمد يونس ( الذي هو اختصاصه الدقيق الأول ) . 

دور حياة شرارة و دور محمد يونس في اطار دراسة الادب الروسي في العراق مازال ينتظر الباحثين العراقيين … 

 

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

اقسام فرعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق