العراق اليوم

“لا شيء أسوأ يمكن ان يحدث” – وهم خطير

الاخبار
مصدر الخبر / الاخبار

لكي يرى المرء طريقه الى الأمام يجب ان يعرف أولا أين هو. ان يعرف ما يملك وما يريد ليقارن بينهما. ان يعرف النقطة التي يقف عليها ليحدد كيف يصل الى ما يريده. عندها فقط يمكن تحديد الأهداف الممكنة، ويمكن رؤية علامات الطريق التي تدلنا إن كنا نسير الى الأمام ام اننا واقفون في اماكننا ام بالعكس، نسير الى الخلف. لكننا ان نقلناه اعتباطاً، سواء إلى الأمام وصورنا الوضع ورديا، أو الى الخلف وجعلنا كل شيء خراب تام.. تضيع الرؤية ويستحيل التخطيط ويتعذر مراقبة النجاح والفشل. 
هذا بالضبط ما يحدث حين نقتنع بالمقولة المبسطة والخطيرة القائلة بأننا “في أسوأ حال ممكن” وبالتالي “لا يمكن ان يحدث ما هو أسوأ”. إنها فكرة بسيطة دوافعها الغضب من جهة والامنيات من الجهة الأخرى، وليس التفكير والمنطق. 
يجب ان لا يذهب احد الى التصور اني ادافع عن الوضع او اعتبره مقبولا بأية درجة كانت. ولدي دليلي الحاسم لأية شكوك في جميع مقالاتي حول الموضوع، واكتفي منها بالأخيرة ” لماذا العراق مختلف ويدعو للقلق؟” عددت فيها مساوئ الوضع المأساوي في العراق. ومما قلته: “احتلال لكل مفاصل البلد من عدو يهدف للقضاء عليه، ابتزاز كردستاني اردني متزايد، دستور منتهك ومحتقر، اعلام معادي يبث السموم يوميا، نظام بنكي يمسك خيوطه الأعداء، فساد يسيطر على البلاد تماما، برلمان لا يرى الشعب جلساته، قضاء مرتشي، قوات مسلحة تعمل للعدو وتسلم داعش كل شيء، ساسة من ابشع ما خلق الله، مفوضية انتخابات مخترقة حتى العظم، مهمتها تزوير الانتخابات حسب تعليمات الاحتلال… الخ”.. وفي الخاتمة كتبت: “إذا كنت تراني سوداوياً أكثر من اللازم، قارئي العزيز، فالسبب هو انك تنسى هذه الحقائق اعلاه.. أما انا فلا انسى واحدة منها ابداً.”(1)
هذه المقالة انتهت بفقرة احتوت السؤال المنطقي: “إن كان الحال بهذا السوء، فلماذا القلق من التظاهرات؟”
وانا هنا أجيب: “لإننا ان لم نتعامل بعقل يصاحب الشجاعة، فقد نذهب الى الأسوأ! نعم هناك أسوأ! 
فكرة أن “لا يوجد أسوأ مما نحن فيه” فكرة مريحة لأنها تعفينا من الانتباه، لأنها تقول أن لنا ان نفعل ما نشاء، فمهما فعلنا “لا يمكن ان يتغير الحال نحو أسوأ مما نحن فيه”.. لكنه، كمعظم الكلام المريح، كلام فارغ لا يدل سوى على نقص في الخيال وفي قراءة التاريخ. ولا نحتاج إلا للحظة واحدة حيادية، لندرك أن هناك الكثير من التدمير مما لا يزال ممكنا، وأن من الممكن ان نتخيل بلداً أسوأ وحياةً أسوأ بكثير مما لدينا. وإن لم نفعل نحن، فسيتخيل غيرنا هذا الأسوأ ويعمل على دفعنا اليه! 
لنحاول: يمكننا بسهولة ان نتخيل أن ينتج عن تفكك السلطة المركزية، انفصال أجزاء الوطن عن بعضها لتكوين إمارات ثلاثة أو اكثر، وبالتأكيد سيقود هذا الانفصال شيوخ العشائر، وبالتأكيد، سيكون هناك صراع ودماء على حدود تلك المناطق. فإلى ان تكتشف مؤسسة العشائر المتخلفة حدود قوتها وترضى بخط التقسيم، يكون البلد قد غرق في الدماء، خاصة عندما تكون تلك الحدود مزروعة بثروة نفطية أو غيرها، أو تكون الفواصل ضبابية غير واضحة، أو تكون قد تغيرت خلال التاريخ، او يكون توازن القوى مختلاً يغري الأقوى بالاعتداء والتوسع على حساب من لا طاقة له برده، وما اكثر كل هذه العوامل على الأرض. 
مقابل كل هذه الفوضى، يمكننا أن نتخيل كمية الأرض التي سيتمكن “المنظمون” في شمال البلد من احتلالها من جيرانهم، حينما يجدون أنهم القوة الوحيدة التي تمتلك جيشاً حقيقياً موحد القيادة تدعمه قوة الاحتلال بكل شيء، ويرى مصلحته وقدرته في التوسع الى اقصى ما يمكن. بل يمكننا ان نرى مدناً وقرى عربية تختار بنفسها ان تكون تحت الاحتلال الكردي نجاةً من المصير المخيف الذي ينتظر الضائعين. 
في هذه الاثناء، ستكون الدولة قد سقطت وتكون الفرصة للفرهود العام قد اطلقت، والإحساس بالإعفاء من الاخلاق يعم الجميع كما في مثل هذه الحالات، وكل من يملك السلاح يشعر أنها فرصته للخروج من العوز والالتحاق بالأثرياء. ألم يبن الأثرياء ثروتهم على السرقة؟ سيفكر لإسكات أي صوت لضميره. 
هذه الإمارات العشائرية ستسارع ليس فقط للاعتراف بإسرائيل بل والانضمام الى قائمة خدمها وعبيدها، وتتسابق أيضاً إلى الاتفاق مع اساطين المال والنفط لبيع نفطها وهو تحت الأرض، وسيكتب على الأجيال القادمة ليس الجوع والفقر والجهل فقط، بل الموت حرفياً!
وفي هذا المجتمع لن يكون هناك سوى العصابات والسلاح لحماية الجزر الثرية القليلة الغارقة في بحر الفقر الجماهيري. 
تخيل، كما هو الحال في الكثير من دول اميركا الجنوبية، وهي ليست فقيرة، تخيل المدن قد هدمت وهجرت وحل محلها مدن من الصفيح، يعيش فيها الناس في هذا الحر القاتل والبرد، وعصابات أطفال لا اهل لهم يجوبون الشوارع بحثا عن المخدرات والطعام ومستعدين لارتكاب كل الجرائم من اجل ذلك، فتقتلهم الشرطة في حملات كما تقتل تجمعات الكلاب! 
ما الذي يحمي العراق من هذا السيناريو الرهيب؟ السيد السيستاني، نعم، لكن ماذا لو ان السيد توفى في هذه الأثناء او تم اغتياله من قبل مجهول، ولم يجد مقلدوه بديلا يوازيه في سلطته؟ 
يصعب على العقل ان يتخيل ويصدق شيئاً، لم يره في الماضي ابداً، لذلك من الصعب إقناعه بأن كل ذلك الدمار ممكن بالفعل وليس جزء من رواية للخيال العلمي، يراد بها تخويف الناس لكي تضيع “فرصة التغيير” عليها. وأنا لا أقول ان ذلك هو ما سيحدث، لكن استبعاده كشيء مستحيل، أمر  لا مبرر له. أريد ان أقول أن فكرة أن هناك “أسوأ وضع ممكن”، خرافة، وخطرة.
والحقيقة ان هناك آثار لجهود إعلامية وسياسية، من اجل تثبيت خرافة “أسوأ وضع ممكن”. فمنذ زمن، لاحظت وعلى العكس من الوضع الطبيعي لحكومات العالم، أن الحكومات العراقية لا تحاول الدفاع عن نفسها ضد بعض التهم المبالغة أو الكاذبة بالخراب والفساد. بل ان بعض من يفعل ذلك هم من ساسة أحزاب السلطة ذاتها، بل ومن الحكومة نفسها! 
وبنفس الطريقة، وعلى عكس المعتاد، فإن الإعلام العراقي الذي تدفع اميركا تكاليفه، لا يحاول تحسين صورة حكومة عميلة لها، بل يختلق الأكاذيب عن احصائيات تبين أن الوضع في العراق هو الأسوأ في العالم وان بغداد هي اوسخ مدينة في العالم ..الخ. كذلك ينشر هذا الإعلام اخباراً تبالغ بما تم سرقته، لو حسبت لقاربت كل انتاج النفط العراقي! لكن هذا سهل الدحض. فمن اين أتت الرواتب لكل تلك الفترة إذن؟ من اين اكل العراقيون ولبسوا؟ 
لكن حين تأتي هذه الأخبار من افواه السلطة نفسها، يبدو ان ذلك “اعتراف”، لأنه يأتي من الجهة المتهمة نفسها، والاعتراف يصدّق، فهو “سيد الأدلة”، وهذا يساعد على تجاوز التمحيص. فإن كنا كل مرة “في أسوأ وضع ممكن” فكيف كان وضعنا يزداد سوءاً في كل مرة؟؟”..
مرة أخرى، انا لا ادافع عن الوضع ولا أقول انه قليل الفساد او يمكن تحمله. إنه في غاية الفساد، ورغم ذلك هناك كذب في اتجاه تشويه الصورة أكثر، وهذه هي الحالة المريبة التي يجب الانتباه لها. 
السر في تشويه الواقع المشوه أصلاً، هو أنه يساعد على زيادة الخراب والفساد. 
فعندما تقتنع ان المكان خرب بشكل شديد، سيسهل عليك ان تشارك خرابه. فرمي عقب سيجارة في مكان وسخ اسهل بكثير من رميها في مكان نظيف. 
شعبية هذه النظرية هي أنها تعبر بشكل ممتاز عن حالة الغضب المشروعة، وإضافة الى ذلك فهي تعفي المواطن المرهق من بذل الجهد العقلي المطلوب للحساب المتأني، وتترك له لذة اطلاق الغضب والضرب دون تردد وتمييز.. ولنفس السبب كانت نظرية “الشلع قلع” أيضاً شعبية جداً، وهي من نواتج خرافة “أسوأ وضع ممكن”، والتي اسميتها “ام الخرافات” في مقالة لي قبل عام، لأنها كانت المولدة لخرافات عديدة.(2)
هاتان النظريتان، أداة ممتازة لتغطية المزيد من السرقة والخراب. تخيل أنك تحاول الوصول الى مدينة تبعد عنك 100 كلم، وكنت قد وصلت علامة 40 كلم. وأراد شخص اعادتك الى الوراء، الى علامة 30 كلم. سيكون الامر اسهل عليه، إذا تمكن من اقناعك بأنك الآن تقف عند الكلم 20 وليس 40. لأنك ستعتبر الوصول الى 30 تقدماً!  
وبالفعل فقد كتبت عن استخدام نظرية “لا يوجد أسوأ” في محاولة تغيير عقود التراخيص إلى عقود “أسوأ” بالفعل! وتم بالبداية التلاعب بالحسابات في الإعلام، لإعطاء انطباع بأن كلفة انتاج البرميل الواحد حسب تلك العقود تبلغ اكثر من 20 دولاراً، بينما الحقيقة انها تتراوح ما بين خمسة إلى عشرة دولارات حسب ما ورد في كتب وحسابات خبير النفط الأستاذ فؤاد الأمير، وهي حسابات يؤيدها غيره من خبراء النفط. 
لماذا هذا؟ تخيلوا أن تقدم عقود جديدة، وفي هذه العقود تكون معدل كلفة البرميل 15 دولارا (أي ضعف ما يدفعه الآن وفق عقود التراخيص) فسيبدو للمواطن الذي تعرض للتشويش، أن هذه العقود أفضل وأنها خفضت الكلفة من 20 إلى 15 دولار!(3)
 ومثلما استخدمت نظرية “أسوأ وضع ممكن” لمحاولة اسقاط عقود التراخيص، فأن سليلتها “نظرية الشلع قلع” استخدمت لتمرير القانون الجهنمي  المدمر، والمسمى ظلماً، قانون شركة النفط الوطنية، والذي كان عبد المهدي عرابه الأول، كما كتبت قبل أكثر من سنة! (4)
نذكر ايضاً أن الناس تم اقناعهم في الموصل والانبار بالاعتصامات واحياناً بقبول داعش، على أساس نفس النظرية: “ما راح يصير أسوأ”. واليوم تنتشر نفس الفكرة في اذهان الناس في نفس تلك المدن، وربما في كل مدن العراق. فالوضع سيء جداً ولا يصعب اقناع احد بأنه “أسوأ وضع ممكن”. 
ليس من السهل اقناع الناس بالمنطق بأن هناك وضع أسوأ، لأنه حين يتم غرس اكذوبة في ذهن المواطن الضحية بعمق كاف ويتم تثبيتها، فأن الضحية نفسها ستقوم بالدفاع عنها، واحيانا بشراسة كأنها جزء منها. كذلك من الصعب ان يرى الانسان ما يملك، لأنه يميل الى اعتبار ما يملك، تحصيل حاصل وأنه سيكون متوفراً دائما، ولا يتخيل إمكانية خسارته والهبوط إلى دونه.
لنقل أن هناك بالفعل ما هو أسوأ، لكن هل حقا نحن مهددون بالهبوط إليه؟  ونحن بكل هذا السوء؟ 
نعم،  كان يكفي ان تنجح الخطة لإحراق مرقد الحكيم في النجف، لتثير تداعيات لحرب أهلية تبدأ بين ال الحكيم والصدريين لتذهب بالبلاد الى حال أسوأ بكثير. او يكفي ان ينجح “صديق” الامريكان جميل الشمري بمهمته التي يبدو انها كانت إطلاق فوضى كافية لتحرير الاف الدواعش في سجن الحوت في الناصرية، لتذهب بالبلاد الى جحيم داعشي آخر! نعم هناك ما هو “أسوأ” ويمكن التدهور اليه بكل سهولة، إن لم يكن هناك عقل يوجه ويدرك ما يملك، ويدرك أن هناك “أسوأ”.. ليحذره!
(1) لماذا العراق مختلف ويدعو للقلق؟ صائب خليل   https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/2699632523427133
(2) صائب خليل – أم الخرافات السياسية: “لا يوجد ما هو أسوأ مما نحن فيه”! – الجزء الأول
https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1932986153425111
(3) صائب خليل – خرافة “لا يوجد أسوأ” من عقود التراخيص – الجزء الثاني
https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1935220436535016
(4) صائب خليل – نظرية “الشلع قلع” واستخدامها لتمرير قانون شركة النفط الوطنية
 https://www.facebook.com/saiebkhalil/posts/1941669659223427 

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

الاخبار

أضف تعليقـك