اخبار العراق الان

الإقالة والاستقالة وأثرها في خلو منصب رئيس مجلس الوزراء في ضوء نصوص الدستور العراقي 2-2

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

 القاضي سالم روضان الموسوي

3 – لذلك فإن الإقالة والاستقالة كلاهما طريقان يؤديان إلى إنهاء عمل رئيس مجلس الوزراء بصفته الوظيفية مع الفارق بينهما أن (الإقالة)

تكون بقرار وإرادة من جهة أخرى غير شخص رئيس مجلس الوزراء وعلى خلاف إرادته تنهي صفته الوظيفية باعتباره رئيس مجلس الوزراء، أما (الاستقالة) فإنها تكون بقرار وإرادة طوعية نابعة من إرادته الصريحة لإنهاء صفته الوظيفية باعتباره رئيس مجلس الوزراء، وهذا الإنهاء يرتبط مباشرةً بصفته الوظيفية وليس بصفته الشخصية، بمعنى أن رئيس مجلس الوزراء يُقال أو يستقيل وهو يتمتع بكامل قواه العقلية والبدنية ومحتفظ بأهليته القانونية وليس لأنه أصيب بعارض صحي أرغمه على عدم الوفاء بوظيفته باعتباره رئيس مجلس الوزراء، وهذا الأمر أعطى لنا معياراً مهماً لنفرق به بين ترك المنصب بسبب الإقالة أو الاستقالة وبين ترك المنصب بسبب عجز شخص رئيس مجلس الوزراء ، ففي حالة ترك المنصب بسبب الاستقالة أو الإقالة تكون الحكومة بمجملها وبكامل كابينتها مستقيلة أو مقالة وهذا ما جاء في نص (ج) من الفقرة (تاسعاً) من المادة (61) التي جاء فيها الآتي (تُعدُ الوزارة مستقيلةً في حالة سحب الثقة من رئيس مجلس الوزراء) فإن كاتب الدستور اعتبر الإقالة بمثابة الاستقالة ورتب لها حكماً خاصاً، بمعنى أنه خلُص إلى نتيجة الإقالة (سحب الثقة) عبر الآليات التي ورد ذكرها بأنها بمثابة (استقالة) لأنه وصف الحكومة بأنها (مستقيلة) وليس (مقالة) ، وهذه العبارة عندما وردت في الدستور ولها دلالتها عند التفسير لأن من وسائل التفسير هو التفسير اللفظي للعبارات الواردة في الدستور، ويقصد به الكشف عن مدلول هذه الألفاظ واستخلاص المعنى من مجموع عبارات النص على هدي قصد المشرع ويكون الغموض أحياناً في لفظ محدد أو في عموم النص في المادة الدستورية لذلك ولغرض التعرف على الحكم لابد من تفهم جمل وكلمات النص وتطبيق قواعد اللغة عليها، لأن النص القانوني أو الدستوري، والذي هو جزء من القانون بمعناه العام ويسمى بالقانون الدستوري، ولا يعدو عن كونه مجموعة ألفاظ يريد بها المشرع أو كاتب الدستور التعبير عن معنى هادف، ويعتبر الكشف عن مدلول الألفاظ هو الخطوة الأولى في التفسير، وتفترض هذه الخطوة تحديد دلالة كل لفظ على حده ومن ثم تحديد المعنى الإجمالي للنص وهي من أهم الأدوات التي يتبعها المفسر) وهذا ما ذكره الدكتور محمد أحمد شريف في كتابه الملمع عنه في الصفحة 244. لذلك فإن من أهم النتائج المترتبة على اعتبار الحكومة (مستقيلة) وليس ( مقالة) من جراء سحب الثقة هو استصحاب هذه النتيجة على الاستقالة التي يتقدم بها رئيس مجلس الوزراء لأن نتيجتها هي نتيجة الحكومة المستقيلة على وفق ما ورد ذكره وإن أهم آثار ذلك الاستصحاب الآتي :

أ. تعتبر هذه الحكومة بمثابة حكومة تصريف أعمال على وفق ما جاء في البند (د) من الفقرة (تاسعاً) من المادة (61) من الدستور التي جاء فيها الآتي (في حالة التصويت بسحب الثقة من مجلس الوزراء بأكمله، يستمر رئيس مجلس الوزراء والوزراء في مناصبهم لتصريف الأمور اليومية، لمدة لا تزيد على ثلاثين يوماً، إلى حين تأليف مجلس الوزراء الجديد وفقاً لأحكام المادة (76) من هذا الدستور)

ب. تسري على إجراءات اختيار رئيس مجلس الوزراء الجديد الآليات الواردة في المادة (76) من الدستور المتمثلة باختيار رئيس وزراء خلال مدة لا تزيد على ثلاثين يوماً اعتباراً من قبول الاستقالة التي تماثل قرار سحب الثقة من حيث اعتبار تاريخ سريانها. بينما في حالات أخرى تختلف المدد ومنها في حال خلو المنصب تكون بمدة لا تزيد على خمسة عشر يوماً والواردة في المادة (81) من الدستور.

ج. يرى البعض من الكتّاب خلاف ذلك ويعتبرون الحالة بمثابة (خلو المنصب) المشار اليها في المادة (81/أولاً) من الدستور التي جاء فيها الآتي (يقوم رئيس الجمهورية، مقام رئيس مجلس الوزراء، عند خلو المنصب لأي سببٍ كان) وهذا الرأي لا اعتقد به لكن كما أسلفت كلها آراء واجتهادات لها من الأسانيد والحجج ما يدعمها وتبقى محل احترام وقبول الى أن يصدر قرارٌ تفسيري من المحكمة الاتحادية العليا إنْ عُرض عليها الموضوع للفصل فيه على وفق اختصاصها الدستوري ويكون عند ذاك قولها هو الفصل وتبقى أرانا في باب التحليل والتنظير الفقهي والقانوني، ولأن المحكمة الاتحادية العليا لم يُعرض عليها النزاع لغاية الآن ولم نطلع على قرار بهذا الخصوص نبقى في البحث والتنظير لإيجاد أيسر السبل لمعالجة الأزمة الدستورية وفق ما نرى في ضوء الممكنات التي نتوفر عليها والأدوات التي نعمل بموجبها 

ثالثاً : حالة خلو المنصب: 

1. إن خلو المنصب هو حالة الفراغ في الوظيفة التي يشغلها شخص معين لأسباب تعود لعدم قدرته على أداء وظائفه بالشكل الصحيح، بمعنى إن هذه الأسباب تتعلق بشخص رئيس مجلس الوزراء وليس بوظيفته أو أداءه للأعمال، لأن أي قصور في الأداء أو الأعمال التي يمارسها تكون عرضه للمساءلة السياسية المتمثلة برقابة مجلس النواب على أداء الحكومة ورئيسها ، أما في حال كون مسيرته محمودة وأدائه جيد، فلا توجد مساءلة ، لكن إذا ما اصيب رئيس مجلس الوزراء بعارض صحي يقعده عن إمكانية الاستمرار بوظيفته فإننا أمام حالة (خلو المنصب) لان رئيس مجلس الوزراء لم تسحب عنه الثقة ويقال رغماً عن إرادته أو يستقيل وتكون بإرادته الطوعية مع احتفاظه بأهليته القانونية والبدنية، لذلك فإن (خلو المنصب) يكون في حال توفر أي سبب يمنع رئيس مجلس الوزراء من الحضور إلى مقر عمله أو عدم القدرة على التواصل والاتصال بمقر عمله، أو عدم قدرته على بيان رأيه أو يعبر عن إرادته، وأهم هذه الصور هي (الموت) الذي يغيب الشخص عن مشهد الحياة الدنيا بشكل نهائي والتي في ملعبها يكون العمل الوظيفي، أو (العجز الصحي) والمتمثل بنقصان القدرة على العمل بشكل كامل أو جزئي بسبب المرض وعلى وفق ما عرفته الفقرة (رابعاً) من المادة (1) من قانون العجز الصحي رقم (11) لسنة 1999 على أن يكون بتقرير صادر عن لجنة طبية رسمية مختصة، أو ( الخطف) كما يدخل ضمن مفهوم (خلو المنصب) كل أمر يعيق شخص رئيس مجلس الوزراء من أداء وظيفته باعتباره رئيساً لمجلس الوزراء، والإعاقة عن أداء مهامه الطبيعية في حياته الشخصية باعتباره كأي إنسان اعتيادي ومواطن في الجمهورية العراقية، وفي هذه الحالة فقط نرى لحكم المادة (81) من الدستور النهوض والعمل بها، كما وجدت إن بعض الكتّاب تعلل بعبارة (خلو المنصب لأي سبب كان) الواردة في المادة المذكور أعلاه، وأرى أن المقصود بالأسباب التي تعيق عمل وأداء رئيس الوزراء لوظائفه ومهامه الاعتيادية بوصفه مواطناً عادياً، لأن هذه الأسباب لا يمكن حصرها أو عدها منها مثلاً في حالة حصول كوارث طبيعية وعزل مكان رئيس مجلس الوزراء وانقطاع الاتصال به مع إنه ليس بمريض أو مخطوف أو متوفى، لذلك حسناً فعل كاتب الدستور عندما لم يحصرها بأسباب محددة .

2. الآثار التي تترتّب على اعتبار خلو المنصب وهي كالآتي :

أ. تبقى الحكومة قائمة بوزرائها الحاليين ولا يسري عليهم حكم الإقالة أو الاستقالة، رغم المسؤولية التضامنية للحكومة بمجملها أمام مجلس النواب ، وإنما يتم استبدال رئيس الوزراء بشخص آخر يكمل ما تبقى من عمر الوزارة ولا حاجة إلى تجديد الثقة بالوزراء الحاليين.

ب. خلال فترة (خلو المنصب) يتولى رئيس الجمهورية منصب رئيس الوزراء ويمارس صلاحياته الكاملة دون تقييد وذلك لصراحة نص المادة (81/أولاً) من الدستور التي جاء فيها الآتي (يقوم رئيس الجمهورية، مقام رئيس مجلس الوزراء، عند خلو المنصب لأي سببٍ كان). 

ج. تعتبر الحكومة أصيلة وليس حكومة تصريف أعمال ولها كامل صلاحياتها المنصوص عليها في الدستور.

د. آلية ترشيح رئيس الوزراء سوف تختلف من حيث الوسيلة ومن حيث المدد الدستورية، لان في حالة (خلو المنصب) يكون لرئيس الجمهورية صلاحية اختيار رئيس الوزراء بعد ترشيحه ويكلفه بتشكيل الوزارة لكن يكون الاختيار ضمن مدة خمسة عشر يوم فقط، وعلى وفق ما جاء في الفقرة (ثانيا) من المادة (81) التي جاء فيها الآتي جاء فيها الآتي (عند تحقق الحالة المنصوص عليها في البند “أولاً” من هذه المادة، يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشحٍ آخر بتشكيل الوزارة، خلال مدةٍ لا تزيد على خمسة عشر يوماً، ووفقاً لأحكام المادة(76) من هذا الدستور)

ومما تقدم فإن استقالة رئيس مجلس الوزراء يكون أثرها الدستوري هو ذاته الأثر المترتب عن إقالتها من مجلس النواب عند (سحب الثقة عنها) وإن آليات تعيين رئيس مجلس وزراء جديد، ويكون بذات الآليات الدستورية في حال سحب الثقة عنه، وإن الحكومة تبقى حكومة تصريف أعمال مثلما تبقى الحكومة بهذا الوصف في حال سحب الثقة عنها، وإن الحكومة بمجملها تكون مستقيلة مثلما تكون عليه الحكومة في حال سحب الثقة عن رئيس مجلس الوزراء ، ولا يجوز أن يقوم رئيس الجمهورية بمقام رئيس مجلس الوزراء لأننا ليس في حالة (خلو منصب رئيس مجلس الوزراء)، وأرى أن هذه الوقائع قد أظهرت لنا الحاجة إلى تعديلات دستورية تستوعب ما فات على من كتبه إما لأنه لم يتحسب لها أو إنه لم يخطر في ذهنه إن رئيساً لمجلس الوزراء في العراق سوف يستقيل طواعيةً وهذا ناجم عن تراكم التجارب في الحكم على مر العقود السابقة وكذلك تاريخ نظم الحكم في العالم الإسلامي الذي بني برمته على التوريث، كما إن جميع ما يتم تداوله يبقى في باب التنظير والتفسير والتأويل غير المُلزم إلا إذا تصدت المحكمة الاتحادية العليا للأمر بناء على طلب من الجهات التي لها حق طلب التفسير أو إقامة الدعوى الدستورية، فإن قرارها آنذاك ملزماً وهو الفيصل الذي نهتدي به عند إصدار الأحكام وبيان الآراء في ما اختلفنا فيه .

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك