اخبار العراق الان

ساغان سيرة ضاجة بالمتع والإبداع

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

ناجح المعموري

يثير عنوان سيرة فرانسواز ساغان ” مع أطيب ذكرياتي ” التعامل مع تجربة إبداعية وثقافية واجتماعية واسعة ، ذات انشغالات متنوعة ،

تضيء الانغمار الذاتي بمزاولات يومية ، هي بالنسبة لساغان ممارسات لا يمكن الكف عنها وكناقد أشرنا لها في مقال سابق . ومثل هذه التجربة جوهرية وتتمتع بحضور مهم في تاريخ الأدب والثقافة والعلاقات المجتمعية الباريسية التي كشفت عنها مذكرات وسير بوصفها ملمحاً مكملاً للصفة المركزية التي يتمتع بها الشخص وكلنا نتذكر ما له علاقة بثنائية سارتر ودوفوار / وكامو / وساغان / واسماء كثيرة صدرت عن دار المدى . ” مع أطيب ذكرياتي ” تنطوي على موقف دال على نوع من علاقة حميمة بين ساغان والقارئ الذي جعلت منه حاضراً بقوة ومتمتعاً بمرتبة جعلت منه صوتاً قادراً على التشارك مع مثل هذه التجربة . وسيرتها هذه مثل رسالة ذاتية وخاصة جداً ارسلتها الى صديق ، لابد عليها أن تختم بــ ” مع أطيب ذكرياتي ” متناصة مع التقليد الذي نعرفه في كتابة الرسائل ولأنها تحب الحب ، تحب الاعجاب ، على خلاف الرجال …. أدبيات قليلات ادلين باعتراف اكبر من أنفسهن . اولئك الذين جعلنا نقابلهم ، هم اولئك الذين تأثرت بهم تأثراً شديداً بموهبتهم ، بمأثرتهم ، تماساتهم : موهبة ، مأثرة ، مأساة ، هي متحدة في غالب الأحيان ” ص7.

حياتها صاخبة باليومي الباريسي ، ومزدحمة برغبات تبدت ذات هووس واضح ، لكنها تكشف عن ولع بما هو حاصل من مثيرات معبرة لقبول ما جرى وسيستمر ” فمن هذه الحكايات البسيطة والحية يستخلص هذا الدرس : إن ساغان تحرص على الحفاظ على الضحك : لماذا الخوف من كلمات كبيرة ، كلمات بسيطة : طبيعي ، استقامة ، مأثرة ، واعجاب ؟ و ” مع أطيب ذكرياتي ” تذكرنا فرانسواز ساغان بما عرفته ، بما تعرفه من الأطيب الى نفسها . الصباح الباكر حيث ، وهي خارجة من كازينو دوفيل اشترت بالمال الذي ربحته في القمار ، بيتها في النورماندي ، أو …. لقاءها الاخير في المسرح مع تبني ويليامز الذي كان سيمونت بائساً بعده بفترة وجيزة ” .

اطلعنا على مذكرات ساغان ” سارا برنارت ضحك لا ينكسر ” والتي ترجمها ــ أيضاً عباس المفرجي وتمتعت مذكراتها كشوفاً عن ثنائية العلاقة الصداقية العميقة بين سارا برنارت ضحك لا يكسر ، باضاءات جوهرية عن بدايات سارا برنارت وعلاقتهما بالمسرح وكيفية تميزها وتحولها الى طاقة فنية كبيرة جداً . وتضمنت المراسلات المتبادلة بينهما عن نمط الحياة الخاصة والأهواء والغرابات والعلاقات مع الآخر والهوس بالمتع واتساع العلاقات الفنية والأدبية . تميزت المذكرات بسمات عرفت بها ساغان في السرد الذي جعل منها اسما مهماً في الحياة الفرنسية ، وإضاءات الملمح الشعري والتدفق بمرونة واضحة لكني لن انسى ما قالته ساغان في رسالة الى سارا برنارت عندما ذكرت كلمة مدوية وصاخبة : إنني متفقة معك تماماً . الحرب شيء قذر .

فوز ساغان في ليالي القمار مناسبة سعيدة جداً ، لأن مثل هذه الأحداث هي التي تحتفظ بها الذاكرة ” نرى الوجوه ذاتها كل مساء ، كل ليلة ، خلال ثلاثة شهور ، ثم أحياناً لأعوام متواصلة ، ثم أحياناً خلال ثلاثة أعوام . لا نتحدث مع بعض ، لا لنقول ” مرحباً ” نتبادل ابتسامات مع تعابير استحسان أو أسف ، تبعاً لمسار الآخر ، نشارك حظه أو سوء حظه ، نتوحد بروابط صلبة حميمية أكثر من علاقات متبادلة ص 35/ مع أطيب ذكرياتي //

اوضحت سيرتها الذاتية الخاصة بالمسرح موقفها لفن المواجهة مع الجمهور المفتونة ، لأنه اثارها كثيراً بالتصفيق المثير جداً لها ، وعاشت اسعد لحظاتها وهي تتابع ما يتبدّى من تعبيرات آنية معبرة عن موقف لحظي ، لكنه ينطوي على رسائل صريحة لساغان حول عملها // اكتشفت في ذلك العام فتنة النجاح المسرحي ــ التصفيق في لحظات معنية ، الصمت في أخرى ــ فتنة جمهور بدالي من ذهب لأنه احب مسرحيتي . اصغيت ببهجة لرأي الجمهور ” وفوق ذلك ، تعرف هي كتابة مسرحيات / ص 88//

تضمن فصل المسرح في سيرة ساغان كل ما له علاقة بالسرد ، ولأن القصة والرواية من مكونات نظام السرد ، تضمن هذا الفصل رأياً فنياً حول مزاولة ساغان كتابة القصة والرواية وقدمت موقفاً جرئياً وكأنها تجاورت مع العديد من أشهر كتاب القصة في العالم حول أهميتها وصعوبتها ، لأنها ليست توظيفات نمطية ، نادراً ما تخترق بالمعاير مثل الرواية .

ومثال ذلك تشخوف ويوسف أدريس عبد الملك نوري . وعبرت ساغان عن قناعتها بأهمية القصة القصيرة وخطورتها ، لذا ظل حضور هذا النوع الإبداعي المتميز محدوداً . ولأن ساغان إحدى الروائيات المتميزات في العالم ، برزت باعتبارها كاتبة مسرحية وبه ومن خلاله تعرفت على تفاصيل العلاقة المباشرة مع الجمهور . لكنها منحت صفتها قاصة دوراً بارزاً ، لأنها مجدت القصة كنوع ابداعي وقالت : القصص القصيرة والمسرحيات كانت ، كما تبدو تعتبر دائماً أصعب من الرواية : الأولى فن أكثر حذقاً والثانية مهنة أكثر دقة . ومع ذلك شخصياً ، بدا لي دائماً أن قصصي القصيرة ماثلت عندي النفس القصير ، والمسرحيات ، سهولة الحوار . القصص القصيرة والمسرحيات تصدر عن الشخصيات التي تعرضها على الفور ، هذه الشخصيات تسبب بحدث تطوره بسرعة ويفضي الى حل عقدة محتوم ومتوقع منذ الاسطر الاولى . الرواية تذهب من شكوك الى شكوك ، من إيحاءات الى إيحاءات من تغيرات في الشخصية الى تغيرات في الشخصية . قصارى القول ، الرواية لها كل الحريات . الخطوة والمغرية على نحو مهلك ، التحولات ، التطواف ، الذي يجب عليك إزاحتها من حكاية قصيرة أو من عرض درامي ، لنقل أن القصص القصيرة والمسرحيات بديهات ، والروايات نظريات موسعة جداً ومعقدة / مع أطيب ذكرياتي / ص 87//

تضمنت هذه السيرة ملمحاً فنياً بارزاً ، تميزت به مذاكرتها ” سارا برنارت ضحك لا يُكسر ” وسيرتها ” مع اطيب ذكرياتي ” واعني به لغتها السردية ، الشفافة التي نجحت بالإمساك بما هو مخزون بالنفس والذاكرة ، حتى تحولت المخزونات الى اسرار اخترقت تكتمها وتحاورت مع القارئ باعتبارها درساً ، وتضافرت لما كتب ترجمة ذات خصائص ملفته للانتباه على الرغم من معرفتنا للشخصية الفنية للأستاذ عباس الذي قدم انموذجاً للوسيط الذكي والماهر . 

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك