العراق اليوم

رسالة تاريخية من ضياء الشكرجي إلى المرجع الأعلى

الاخبار
مصدر الخبر / الاخبار

المرجع الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني المحترم
السلام عليكم.
لا أكتب هذه الرسالة كمناوئ للمرجعية كما صُوِّر لكم في السنوات الأولى بعد سقوط الطاغية من 2003 لغاية 2005 وما بعدها، ولا أكتب بلغة بعيدة عن الاحترام، بسبب عدم استخدامي للمخاطبات المألوفة مثل «سماحة» و«آية الله العظمى»، لأن هذه المفردات ليست من لغتي، وأريد أن أعبر عن احترامي لكم بلغتي، وإلا فأقع في النفاق، ورسالتي تريد أن تكون صادقة وصريحة، وباحترام من غير نفاق.
إني، وكما هو الحال مع كثيرين غيري، وفي السنوات الأخيرة أثمن وأحترم مواقفك، التي ابتعدت بها بشكل واضح عن أحزاب الطبقة السياسية المتنفذة، فهذا يحسب لك، ولذا لا أريد أن أرجع كثيرا إلى الماضي، لاسيما إلى السنوات الأولى بعد سقوط الطاغية، وبالتحديد من 2005 لغاية 2010 أو ما بعدها بقليل، إلا بإشارة سريعة في نهاية رسالتي هذه، ذلك بمقدار ما له علاقة بهذه الرسالة ودوافع كتابتي إياها لكم، آملا أن تعيروها اهتمامكم، رغم أني لم أستطع اختصارها.
بالرغم من أني كنت – كما تعلمون جيدا – معارضا لتدخل المرجعية وعموم المؤسسة الدينية في الشأن السياسي، حتى عندما كنت إسلاميا، لكن مؤمنا بأدلة شرعية أيضا بالديمقراطية، وعندما كنت شديد الإيمان والالتزام بالأحكام الشرعية، ولمعرفتي بأنك تنتمي إلى المرجعيات التقليدية الرصينة، التي لا تعتمد الإسلام السياسي، لكني أستطيع أن أتفهم لوقوفك مساندا لأحزاب الإسلام السياسي الشيعية، لأن ذلك حسب ظني جرى من خلال ما اعتقدتم أن فيه مصلحة الدين والمذهب والطائفة والوطن.
ولكن المراقب لتحول مواقفكم من تلك الأحزاب، يصل إلى نتيجة إن إسنادكم لها، كان من خلال حسن الظن بها وبرموزها، بسبب كون أتباعها متدينين، مما احتملت التزامهم بالاستقامة من خلال تقواهم، ولأنهم ينتمون إلى مذهب أهل البيت، لا لأنك حشاك ذو نفس طائفي، وإنما لأن أتباع هذا المذهب يمثلون أكثرية الشعب العراقي، الذي هم من أكثر من مسهم الظلم أثناء حكم النظام الديكتاتوري، وأيضا عبر العهود المناوئة لأهل البيت وأتباعهم، وربما لقناعتك بأن منهج أهل البيت أكثر إنسانية وانفتاحا على المذاهب والأديان الأخرى.
ولكنكم غيرتم موقفكم من هذه الأحزاب ورموزها، وأغلقتم بابكم أمامهم، ولم تستقبلوا أحدا منهم، تعبيرا عن عدم رضاكم عنهم؛ كل ذلك بعد أن تبين لكم إن تدينهم لم يكن رادعا لهم عن ارتكاب المحرمات، وأهمها سرقة المال العام، والعنف من البعض منهم، والكذب والتزوير، كتزوير الشهادات وتزوير الانتخابات، علاوة على تقصيرهم المتعمد في تقديم الخدمات الأساسية للشعب العراقي، ليحظى بالحد الأدنى من العيش الكريم، لاسيما والعراق بلد غني، كان بالإمكان أن تستثمر ثروته للنهوض به على جميع الأصعدة، وتحقيق قفزة نوعية في جميع المجالات.
كما تجلى لكم بوضوح إن الذين لا يعتمدون الإسلام السياسي، سواء سموا بالمدنيين أو العلمانيين أو الليبراليين، لا يمثلون خطرا على الدين والمذهب، وليس من أهدافهم محاربة الدين، أو منع الشعائر، إذا ما أمسكوا بزمام الأمور، مثلما فعل الطاغية من قبل، وكما أشيع عنهم ظلما وافتراءً لتشويه صورتهم أمام الشعب، الذي غالبيته من المتدينين. وأخالكم لا تغيب عنكم حقيقة أن الذين يعتمدون الفصل بين الدين والسياسة ليسوا بالضرورة ملحدين، فمنهم المؤمنون بالإسلام والملتزمون بحلاله وحرامه، أي من المتدينين، ومنهم من المسلمين غير الملتزمين، ومنهم من أتباع الديانات الأخرى، ومنهم نسبة من الملحدين أو اللاأدريين أو المؤمنين اللادينيين، والغالبية العظمى من الذين ذكروا فهموا مبدأ الفصل بين الدين والسياسة فهما دقيقا، يعلمون إن هذا الفصل يشمل حتى عقائدهم الدينية أو الدينية المغايرة أو غير الدينية أو اللادينية، فكل ذلك شأن شخصي تكفل الدولة للمواطن حرية الاعتقاد به والتعبير عنه، كما هو الحال في دول العام الحر، حيث يتمتع المتدينون، بما في ذلك المسلمون، وحتى المتشددون بكامل الحرية الدينية.
سيدي الكريم، وأنتم غني عن التوضيح، فإن بناء الوطن لا علاقة له بالدين، ولا بالتدين ولا بعدم التدين، ولا بأصل الإيمان ولا بعدم الإيمان، ودليل اعتقادي بوضوح ذلك لديكم إن القسم السياسي من خطب الجمعة لممثليكم في كربلاء لا يصاغ بلغة دينية، بل بلغة عصرية حكيمة، تركز على مصلحة الوطن والمواطنين وتلبية احتياجاتهم الحياتية وحل مشاكلهم، كالفقر ونقص الخدمات، الصحية والتعليمية وغيرها.
إني اعتبرت بيانكم الذي تلاه ممثلكم في خطبة الجمعة في التاسع والعشرين من تشرين الثاني لعام 2019، بيانا تاريخيا مهما، كتبت مقالة بخصوصه، كما اطلع على الأرجح مكتبكم عليها. إذ بينتم لأول مرة منذ 2003 بشكل واضح – مفهوما لا منطوقا – أنكم لا تعتمدون ولاية الفقيه، بأي مقدار كان، وعلى أي نحو كان، بل بينتم مشكورين بما سيسجله التاريخ لكم، بأن ليس عليكم كمرجع ديني إلا النصح والإرشاد، والشعب وحده صاحب القرار فيما يراه أصلح لحاضره ومستقبله دون أي وصاية لأحد عليه، أي نفيتم بالتالي وصايتكم على الشعب، بما في ذلك على مقلديكم فيما هي القضايا السياسية، واعتبرت هذا الإعلان تاريخيا، لأنه أسس منهاجا للمرجعيات الدينية من بعدكم.
ومن هنا ودون أن أجعل نفسي معكم في خط أفقي واحد، كما لا أنفي احتمال كوننا كذلك، أرى إن هناك مشتركات كثيرة، بيني ضياء الشكرجي المعروف بعلمانيته منذ أواخر 2006، والتي أي العلمانية اعتمدتها آنذاك بأدلة شرعية، وبين جنابكم المرجع الديني الأعلى السيد علي الحسيني السيستاني، لأن همنا هو إصلاح العملية السياسية، بما فيه صلاح مستقبل هذا البلد العزيز، وأهله الذين أصابهم الكثير من الظلم والحيف، لاسيما في عهد الطاغية صدام، ثم في عهد هذه الطبقة السياسية السيئة، التي تبين ألا دين لها ولا ضمير ولا إنسانية ولا حب للوطن ولا اكتراث بمعاناة الشعب، والتابعون لأهل البيت منهم حتما تعتبرونهم لا يمثلون خط أهل البيت، بل ترون أن أهل البيت براء منهم ومن فسادهم ومن عدم استشعارهم خوف الله باعتبارهم مؤمنين ومتدينين وعابدين.
وأخيرا فإننا متفقان أيضا فيما يتعلق بالتظاهرات الاحتجاجية منذ الأول من تشرين الأول، باعتبارها على النحو العام سلمية، كما نحن متفقان على عدم إنكار حصول بعض ممارسات العنف والتخريب، إما من مندسين، وقد يكونون دُسّوا من بعض القوى السياسية الإسلامية المتضررة من الإصلاح والتغيير، وإما من متظاهرين لا يمثلون الحالة العامة للتظاهرات، بسبب تفشي الجهل وتفشي ظاهرة العنف في مجتمعنا، وهو مرض اجتماعي لا نغفل عنه، كما إننا متفقان باعتبار مطالب التظاهرات مشروعة، كما نتفق بتجريم كل من قتل مئات المتظاهرين وأصاب عشرات الآلاف منهم، كما ندين قتل أفراد من القوات الأمنية، سواء ارتكب من مندسين أو من جهلة عنفيين.
بالرغم من أني أتمنى لشعبي، أن يتحلى بالوعي السياسي، والإرادة الصلبة للإصلاح والتغيير، والتحلي بالنزعة الإنسانية والنهج السلمي، وبالحكمة والعقلانية، ولا ينتظر من جمعة إلى جمعة ما يقوله المرجع مع احترامي، لكني لا يمكنني أن أنكر إن لنصيحتكم – ولا أقول فتواكم – أثرا كبيرا، وإن كان أقل من الماضي، ومن هنا وحيث إن الأحداث ساخنة، وهناك في كل يوم، بل في كل ساعة أحيانا مستجد، أتمنى عليكم أن تحسموا الرأي بشكل حازم وواضح، فتجرمون القتلة، وتعتبرون ممارستهم القتل للمتظاهرين السلميين وللأبرياء جريمة لا تغتفر، فهي من أكبر الكبائر عند الله، وأن توجهوا نداء إلى قوات الأمن والدفاع، بأن الواجب عليهم الاصطفاف إلى جانب الشعب كليا، بشكل لا يفهم منه أنكم والمعاذ بالله تدعون إلى انقلاب عسكري، بل يكفي أن يعصي أفراد القوات الأمنية والدفاعية أي أوامر، مهما كان مصدرها، بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين، أو استعمال الغازات المسيلة للدموع بما يؤدي إلى الاختناق، وكثير من الأحيان إلى القتل، وكذلك أن عليهم القيام بواجبهم بحماية المتظاهرين من أي جهة تريد أن تمارس العنف المحرم دينيا وقانونيا وإنسانيا ضدهم، مع التحذير من أن يؤول ذلك لا قدر الله إلى حرب أهلية.
ثم اسمحوا لي أن أذكركم بكل احترام، بدعمكم الذي يعلمه الجميع لقائمة الائتلاف العراقي الموحد 169 مطلع عام 2005 في انتخابات الجمعية الوطنية بشكل مباشر وصريح، ثم دعمكم لنفس القائمة برقم 555 في نهاية 2005 للدورة الأولى لمجلس النواب، هذه المرة بشكل غير مباشر، لكن أقرب للمباشر، حيث وضعتم شروطا يجب أن تتوفر في القائمة التي على المواطن أن يمنحها صوته، لم تكن بالنتيجة تنطبق إلا على تلك القائمة، بل وكان لكم التأثير في اختيار كل رؤساء الوزراء حتى الآن. ولست عندما أذكركم بذلك بصدد النقد أو العتاب، فإنكم بكل تأكيد فعلتم ذلك، من حيث رأيتم تكليفكم الشرعي، ومن حيث حسن ظنكم بـ(المتدينين) الشيعة من السياسيين، أي ممثلي قوى الإسلام السياسي، لما فيه، كما مر، مصلحة الدين والمذهب والطائفة والوطن. ثم اتخذتم قرار الوقوف على مسافة واحدة من الجميع منذ انتخابات مجالس المحافظات عام 2008، وبعدها بفترة أغلقتم بابكم بوجه معظم السياسيين، لأنكم شخصتم فسادهم وعدم كفاءتهم وإهمالهم لمصالح واحتياجات الشعب.
لذا اسمحوا لي وبكل احترام أن أقترح عليكم أن تعبروا مرة، بصياغة تناسب شأنكم كمرجع ديني أعلى، عن أنه قد تبين لكم لاحقا عدم صواب دعمكم لهؤلاء السياسيين، وكما أقترح أن تعبروا بلغة تناسب شأنكم، عن الاعتذار إلى الشعب العراقي، ليس بالضرورة باستخدام مفردة «الاعتذار»، لكن بما يؤدي المعنى ويحفظ لمقامكم الاحترام، بل لو استخدمتم اللغة المباشرة بحصول الخطأ والاعتذار عنه، فإني واثق بأن هذا سيرفع من احترامكم عند غالبية الشعب العراقي والمجتمع الدولي، ولكم اختيار الأسلوب الذي ترونه مناسبا، ويؤدي الغرض.
وأخيرا أعرض عليكم أمنيتي التي ربما لا يكون من السهل تحقيقها، إلا إذا شاء الله وشئتم، وهو أن تسنح لي الفرصة يوما أن ألتقي بكم لساعة من وقتكم الثمين، ولا أريد أن يغطى ذلك إعلاميا، ولا أريد أن أزايد بهذا اللقاء، فإنه ليس في نيتي التصدي لأي منصب سياسي، وحتى لو كان في ذلك، فإني ضد أن أستمد شرعيتي من مرجع ديني، مع احترامي، ثم إن غالبية الشعب العراقي لن تعول في المرحلة القادمة في اختيار الأصلح على تزكية المرجعية، بل يجب على السياسي الذي يريد أن يتصدى لمسؤولية قيادية، أن يحظى أولا وآخرا بثقة أكثرية الشعب العراقي.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
ضياء الشكرجي
07/12/2019
انتهت الرسالة.
ملاحظة للقراء: نشرتها مرة واحدة رغم طولها، لأن الرسالة لا يصح نشرها على صورة حلقات.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

الاخبار

أضف تعليقـك