اخبار العراق الان

تعديل الدسـتور العراقي في ضوء أحكامه النافذة 1-3

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

القاضي سالم روضان الموسوي

المقدمة

في ظل الاحتجاجات التي ظهرت مؤخراً في العراق حاولت المؤسسات الدستورية بامتصاص غضب الجماهير من خلال تسريع وتيرة التشريع وتفعيل عمل اللجان التي كانت معطلة،

ومنها لجنة التعديلات الدستورية وظهرت الآراء المتباينة تجاه هذه اللجنة من حيث تكوينها وأعضائها وآليات عملها ومن أهم هذه الآراء المتباينة تلك التي كانت تتعلق بطريقة عمل اللجنة وكيفية اعتماد توصياتها، فيما إذا لو تمكنت من الوصول إلى اتفاق لتعديل بعض النصوص الدستورية، وأكاد أجزم بان تلك الآراء كانت في صنفين الأول يرى بوجوب مراعاة شروط المادة (142) من الدستور في عمل اللجنة التي تتضمن حق الفيتو لثلاث محافظات، والرأي الآخر يرى بأن المادة (142) من الدستور أصبحت معطلة لانقضاء المدة الدستورية التي حددتها المادة ذاتها في الدستور ويجب العودة إلى الآليات التي وردت في المادة (126) من الدستور، التي لا تتضمن حق الفيتو المشار إليه في المادة (142) من الدستور، وأرى بأن كلا الرأيين جانبا الصواب لأسباب سأذكرها لاحقاً مع بيان الرأي الذي اعتقد يرجحانه تجاه ما تقدم ذكره وسأعرض للموضوع على وفق الفروع الآتية :

الفرع الأول

هل الدستور العراقي جامد أم مرن؟

قبل الخوض في موضوع تعديل الدستور لابد من الوقوف على طبيعة هذا الدستور هل هو مرن أم جامد ، حيث يشير فقه القانون الدستوري بان الدستور المرن هو الدستور الذي يجوز تعديل أحكامه بالطريقة التي تعدل فيها القوانين، وبمعنى آخر إن الجهة التي تعدل قانون معين هي ذاتها التي تعدل الدستور، ويكون التعديل بموجب قانون اعتيادي ، أما الدستور الجامد فهو الدستور الذي لا يجوز تعديله مطلقاً أو الذي يجوز تعديله ولكن بإتباع إجراءات وأشكال خاصة أشد وأكثر تعقيداً من الإجراءات والأشكال المتطلبة لتعديل القوانين الاعتيادية ، إلا إن جمود الدستور يختلف شدةً وضعفاً تبعاً للتعقيد أو للسهولة التي يتميز بها في إجراءات التعديل، ويرى أنصار جمود الدستور بأنه يؤدي إلى الاستقرار والثبات وبعيدة نسبياً عن التعديلات الكيفية والمرتجلة، لكن أحد المختصين في القانون الدستوري يرى بان استقراء التاريخ الدستوري لمختلف البلدان أعطانا نتيجة بان هذه الغاية وهذا الهدف من الصعب تحقيقه ما لم يكن الدستور ملائماً ومنسجماً مع ظروف المجتمع بشكل يبعث على تمسك الشعب به وحرصه عليه ، ومن خلال قراءة نصوص الدستور العراقي النافذ التي تتعلق بتعديله نجد إنه من الدساتير الجامدة لأنه اشترط لتعديله شروط تختلف عن تعديل القوانين الاعتيادية وعلى وفق ما ورد في المواد (126) والمادة (142) لكن هذا الجمود على نوعين نوع شديد جداً وهو الوارد في المادة (142) التي تضمنت حق الفيتو لثلاث محافظات، بينما المادة (126) كانت أخف من حيث الجمود لأن شروطها لم تتضمن ذلك الحق، وبهذا المعنى فان دستورنا قد رسم عدة طرق لتعديله ولم يقتصر على آلية واحدة.

الفرع الثاني

هل آليات التعديل دائمية آم مؤقتة؟

إن الدستور العراقي قد نص على كيفية وآلية تعديله في المادتين (126) التي وضعها في صلب الدستور وجعلها من المواد الختامية ، بينما في المادة (142) قد وضع آلية أخرى مؤقتة ومحدد بزمن وبشرط انجاز محدد تنتهي بانقضائهما وانجازهما وكانت موضوعة في المواد الانتقالية، وهذا منح الدستور النافذ سمة الآخذ بالآليات الدائمة والمؤقتة في آن واحد، لكن الآليات الدائمة وهي المشار إليها في المادة (126) وضعها في صلب الدستور وهي جزء من كيانه الدستوري تحيا بحياته وتموت بموته، بينما الآلية المرسومة في المادة (142) تنتهي وتموت حال انجازها زمنياً أو موضوعياً عند تقديم توصيات التعديل والأخذ بها بينما الدستور يبقى قائم ومستمر في نفاذه وحياته.

الفرع الثالث

تعديل الدستور أم تغيير الدستور؟

يشير فقهاء القانون الدستوري إلى إن تعديل الدستور هو تغير أحكامه ونصوصه بأحكام جديدة مع بقائه قائماً بينما تغيير الدستور تكون بإلغائه تماماً بجميع أحكامه ونصوصه واستبداله بدستور جديد والفرق بين التعديل وانتهاء الدستور كما يلي :

1. إن التعديل يكون على وفق الآليات التي رسمتها مواد الدستور في المادة (126) ، بينما إلغاء ونهاية الدستور يكون بطرق وآليات منصوص عليها في الدستور مثلما موجود في دستورنا الحالي وعلى وفق ما سأشير إليه لاحقاً حول المادة (142) من الدستور النافذ ويسمى بالأسلوب العادي لإنهاء الدساتير، وكذلك عن طريق خارج الدستور ويسمى بالأسلوب غير العادي مثل الانقلاب والثورة وتغيير النظام السياسي ، وخير مثال على الدستور الذي كان نافذاً قبل أحداث عام 2003 وهو دستور جمهورية العراق المؤقت لسنة 1970 فإنه عطل وتم إلغائه بالكامل بواسطة سلطة الائتلاف المنحلة التي شكلتها القوات المحتلة للعراق. 

2. إن الدستور العراقي النافذ أخذ بأسلوب تعديل الدستور وإنهاء الدستور فانه في المادة (126) قد حدد مسار تعديل الدستور ولم يتطرق لإلغائه بمجمله لأنه وضع قيود على بعض النصوص الواردة فيه منها مؤقتة مثل الحقوق والحريات الأساسية ومنها دائمة مثل صلاحيات الأقاليم التي لا تدخل في اختصاص السلطات الاتحادية ، بينما في المادة (142) جاء مطلقاً ولم يتقيد بمحدد موضوعي تجاه الأحكام الواردة فيه حيث يجوز للجنة المشكلة بموجب تلك المادة أن تغير الدستور وتنهيه وتحل محله مسودة دستور جديد كلياً لعدم وجود قيود على بعض النصوص الواردة فيه، مثل التي موجودة في المادة (126) ، لذلك فان الدستور العراقي أخذ بأسلوب تعديل الدستور وبأسلوب تغيير الدستور ولكن الطريق الاعتيادي.

الفرع الرابع

هل يوجد تعارض بين المادتين (126 و 142) من الدستور ؟

كُتِب الكثير عن الدستور النافذ وعلى وجه الخصوص في الفترة التي تفعل فيها اللجنة المكلفة بالتعديلات الوارد ذكرها في المادة (142) من الدستور، وذهب بعض الكتاب إلى اعتبار إن نص المادة (142) من الدستور يعطل نص المادة (126) من الدستور ولا يجوز العمل بالمادة (126) إلا بعد انجاز التعديلات بموجب المادة (142) من الدستور. وأرى أن هذا القول يوجد ما يخالفه حيث لا تعارض بين نص المادتين (126) و(142) من الدستور، لأن كلاهما تنظم أعمال وآليات تعديل الدستور بشكل مختلف عن الآخر وكل واحدة من تلك المواد لها أحكامها الخاصة بها ولأسباب عديدة منها الآتي :

1. إن المادة (126) من الدستور هي من المواد الأصلية في الدستور بمعنى إنها ليس انتقالية محددة بزمن وتنتهي بعد ذلك، وكل الدساتير تضع في نصوصها ما يضمن آليات التعديل وهذا متفق عليه من جميع فقهاء القانون الدستوري، لأن عدم قابلية الدستور للتعديل هو بمثابة تقييد للأجيال القادمة لا يقره العقل ولا المنطق ولا يجيزه مبدأ سيادة الأمة، لأن حق الأمة يبقى قائماً في تعديل دستورها وحرمانها من هذا الحق هو حرمانها من المظهر الأول والأساسي لسيادتها ، لذلك أصل التعديل يكون على وفق المادة (126) من الدستور والاستثناء هو التعديل على وفق المادة (142) من الدستور لأنها انتقالية ومؤقتة ومصيرها الزوال بعد انجاز المهمة الموكلة فيها.

2.إن المادة (126) من الدستور فيها محظور دستوري يمنع تعديل بعض أحكامه إما لقيد زمني مثل عدم تعديل الحقوق والحريات الواردة فيه إلا بعد انقضاء دورتين، أو حظر وقيد موضوعي ويتعلق بصلاحيات الأقاليم، بينما التعديل على وفق المادة (142) من الدستور لا محظور دستوري فيه ولها ان تعدل أي من أحكامه من الديباجة وحتى أخر حرف في مادته الأخيرة.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك