اخبار العراق الان

(30نيسان 2016) و(1 تشرين أول 2019) .. قصة وطن

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

وتعددت التحليلات حينها ،فمنهم من وصف الحدث بأنه انعطافة تاريخية في العملية السياسية العراقية،ومنهم من وصفه بثورة جياع،فيما قال آخرون أن ما يجرى في (30نيسان) مشابه لما جرى في (9 نيسان 2003) حيث نهب الرعاع ممتلكات الدولة.وفي ليلتها وصفت ممثلة الاتحاد الأوروبي أن ما يجرى الآن في بغداد هو أعمال شغب وإن الدول الأوروبية تدعم الحكومة العراقية برئاسة السيد العبادي،وقبلها كان التأييد صريحاً من أميركا بدعم الرئاسات الثلاث في العراق.

ما جرى في (30 نيسان) يدخل ضمن مفهوم الاحتجاج الجمعي،وهو ظاهرة عالمية انشغل علماء النفس والاجتماع السياسي في تحليل أسبابها وغاياتها وصنفوها الى نوعين:تمرّد غوغائي (بمفهوم لوبون ) لمحرومين يقعون في أسفل الهرم الاقتصادي للمجتمع،واحتجاج سياسي لأفراد من طبقات وفئات اجتماعية متنوعة تشعر بالمظلومية وعدم العدالة الاجتماعية،وتوصلوا الى أن السبب الرئيس لقيام الناس بالاحتجاج السياسي ناجم عن الشعور بالحيف والحرمان والمظلومية وهدر لكرامة الإنسان والإحساس باللامعنى والاغتراب،والشعور باليأس من إصلاح الحال.

في العراق..كان الحال أسوأ بكثير،فقد بدأت التظاهرات أولاً في أكثر أحياء بغداد تضرراً بالأمطار وذلك في شباط 2011،حيث شهدت ساحة التحرير تظاهرة للمطالبة بتحسين الخدمات والإصلاح السياسي..امتدت لاحقاً الى عدد من المحافظات،نجم عنها أمران:قيام الحكومة باجراءات أمنية أدت الى قمع تلك التظاهرات،وإعطاء السيد نوري المالكي رئيس الوزراء في حكومته الثانية وعدا بتحسين الخدمات خلال مئة يوم..لم ينفذه.وفي كانون 2012 شهدت المحافظات الغربية تظاهرات واعتصامات وصفها رئيس الحكومة (نوري المالكي) بأنها (فقاعات). وفوجيء رئيس الحكومة هذا بأن فقاعات (الشتاء السنّي) قد جاوبتها (فقاعات) الصيف الشيعي في تموز 2013 بدءاً بتظاهرات البصرة ثم ذي قار، المطالبة بتوفير الكهرباء في قيظ صار الحمار فيه يبول دماً بتعبير العراقيين،واللتين جرى قمعهما،الى تظاهرات عمال السكك المطالبة بصرف رواتبهم،الى امتداداتها لتعم التظاهرات قرى ومدن محافظات الوسط والجنوب.

كان العراقيون وقتها انقسموا بين محرومين يقولون:صبرنا على حكامنا فاستضعفونا وأذلونا،واضطرونا الى أن نثور على واقع صرنا فيه نزداد بؤساً ومعاناة وهم يزدادون ترفاً وفساداً،وبين محايدين موزعين بين متعاطفين ومنتقدين وشامتين (وحيل وياهم لأن همّه الجابوهم).أما الحكومة..فكان بينهم من هو سفيه،كوزير الكهرباء الذي عزا أسباب انقطاعها الى ان العراقيين يشعلون السخانات مع ان ماءها يحتاج الى تبريد من شدة حرارة الشمس،وبينهم من وصف تظاهراتهم بأنه (أمر دبّر بليل)..ما يعني ان القائمين بها (متهمون.. متآمرون..) ينوون تنفيذ جريمتهم في الصباح ضد سلطة شرعية.

وتوقفت التظاهرات في العام 2014 بعد سقوط الموصل في ليلة (9 على 10 حزيران) في ساعات بيد مسلحي الدولة الاسلامية في العراق والشام(داعش)،وقد سفكت فيه دماء( 5500) عراقي في الأشهر الستة الاولى منه فقط!. وفي العام ذاته،تعهد رئيس الوزراء السيد حيدر العبادي بأنه سيقضي على الفساد والفاسدين بمن فيهم (الحيتان)،وصرّح في كربلاء بانه ماض في تحقيق ذلك حتى لو كلفه الأمر حياته(يريدون يقتلوني..ما يهمني).وحظي حينها بتأيد المرجعية والشعب،وخرجت تظاهرات تحمل لافتات (تفويض) الشعب للسيد العبادي،وكانت فرصة له لو أنه تخلى عن حزبه وانحاز الى الشعب والمرجعية ليدخل التاريخ بوصفه بطلاً وطنياً منقذاً،غير أنه تراجع تحت ضغط حزبه(الدعوة) ورؤساء الكتل السياسية..وخذل الشعب والمرجعية التي اضطرت أن تنأى بنفسها (بعد أن بُح صوتها).

في آب (2015) عادت التظاهرات في العاصمة بغداد والمحافظات الوسطى والجنوبية لترفع سقف مطالبها هذه المرّة الى انهاء المحاصصة الطائفية ومحاسبة الفاسدين وتشكيل حكومة تكنوقراط واستعادة الأموال المسروقة والمهرّبة الى الخارج التي قدرتها بعض المصادر بأكثر من مئتي مليار دولار.وكانت تلك التظاهرات قد بدأت بعلمانيين ومدنيين ثم انضم اليها الصدريون باعداد وصفت بأنها مليونية.وكنت عشت نهاراً كاملاً(جمعة آذار 2016) في أكبر تظاهرة شهدتها بغداد، وشاركت مع المتظاهرين الشيوعيين والمدنيين في ساحة التحرير، وعبرت مع الصدريين جسر السنك الى المنطقة الخضراء ضمن جموع حاشدة لها أول وليس لها آخر..تبعتها اعتصامات كان حدثها الأجرأ دخول السيد مقتدى الصدر المنطقة الخضراء واعتصامه فيها.وكان المطلب الرئيس هو تشكيل حكومة تكنوقراط والقضاء على المحاصصة الطائفية وهيمنة رؤساء الكتل السياسية (7 أشخاص بيدهم أمور البلد!)..وجرى التسويف والمماطلة متصورين صبر العراقيين ضعفاً.وأدرك الشعب أن سلطة السبعة قد (استفلكتهم)،وإن الرئاسات الثلاث تضحك عليهم مستقوية بقواها الأمنية وباتفاق أميركي إيراني لبقاء الوضع السياسي كما هو عليه.

واعتبارياً،وجد السيد مقتدى الصدر أن هذا التسويف والمماطلة يعني عدم اكتراث به وإنه (سخرية )سياسية منه.ولأنه أعلن إنه ممثل الشعب وخادمه،فإنه نفذ تهديداته باحتلال المنطقة الخضراء التي كان يتصورها (السبعة الكبار) إنها ضرب من الوهم في عقل شاب غير ناضج سياسياً..دون أن يدركوا أن اتباعه ناقمون نفد صبرهم،وأن هناك قوى مدنية وعلمانية تمثل شعباً مقهوراً تتظاهر من خمس سنين والسلطة تستخف بهم..ما يعني إنه ليس من الصحيح أن ينسب حدث(30 نيسان) الى الصدريين لوحدهم، ولا يصح أن تنسب ما يعد تصرفات ( غوغائية) الى المتظاهرين المدنيين لأنهم متحضرون ويهتفون (نعم نعم للعراق)،ولا للصدريين لأنهم ملتزمون بتعليمات قائدهم، بل هي تصرفات تحصل من أفراد غير منضبطين وجياع غاضبين،وإن من سيكولوجية الانفعال في الاحتجاج الجمعي إنه يزداد حدة ويؤدي الى قيام الفرد بتصرفات انتقامية تشفي غليله من الذين اضطهدوه وأذلوه وأهانوه.

ومع كل الذي حدث،فان الرئاسات الثلاث ورؤساء الكتل السياسية اجتمعوا في اليوم التالي(1 أيار) لا ليتفقوا على حل للأزمة،بل ليدينوا ما قام به المتظاهرون والمطالبة بمقاضاة من دخل مبنى البرلمان الى العدالة.وصلافة هولاء تنطبق عليهم مقولة جبران خليل جبران ( الوقاحة هي أن تنسى فعلك..وتحاسبني على ردة فعلي)،فهم يطالبون بمقاضاة من كسر كرسياً في مجلس النواب،وما طالبوا بمقاضاة فاسدين سرقوا مليارات الدولارات..هم من بينهم!. 

وكان ما تحقق في حدث (30 نيسان )هو مكاسب اعتبارية وسيكولوجية نوجزها بالآتي:

• هروب نواب الشعب من الشعب!..في مشاهد مخجلة ومفارقة غاية في السخرية تستعيد فيها ذاكرة العراقي هروب (أقرانهم)مسؤولي النظام الدكتاتوري..في نيسان أيضاً!

• إعادة الشعب لاعتباره،باذلال من أذلّه،وأهانة من أهانه وأهدر كرامته.

• سقوط هيبة الحكومة عملياً بعد أن كانت ساقطة اعتبارياً.

• جسرة الناس على الدولة وكسر حاجز الخوف وإشاعة روح التحدي لدى المتفرجين أو المراقبين لما يجري.

• تراجع المد الجماهيري لأحزاب الإسلام السياسي.

ولتذكير جماهير انتفاضة تشرين،كنا كتبنا وقتها أن المطالب السياسية،بدءاً بتشكيل حكومة تكنوقراط ومحاسبة الفاسدين وانتهاءً بتأميين الخدمات وضمان حياة كريمة..مرهون تحقيقها بثلاث قوى:ثبات المتظاهرين من الصدريين والقوى المدنية على موقفهم والعمل على جذب المزيد من الجماهير المحرومة والمثقفة،والتصرف بمسؤولية والهتاف بشعار موحّد (نعم نعم للعراق)، والموقفان: الدولي (امريكا وإيران وبريطانيا بشكل خاص) الساندة للوضع السياسي الهش والمأزوم،واستجابة رؤساء الكتل السياسية لمطلب المتظاهرين بانهاء المحاصصة ونجاحهم أو فشلهم على تمرير بديل جديد خبيث هو (توافق مصالح) عابر للطائفية!..وتعرفون ما حصل!..ولكم التقاط العبرة.

2018 ..أيضاً!

كنت متابعا للأحداث والتظاهرات من 2011بهدف توثيقها للتاريخ والأجيال..ومع أن انتفاضة 30 حزيران كانت أخطرها ،فإن انتفاضة تموز 2018 أرعبت الحكومة أيضاً اليكم توثيقها بالنص: 

(سيسجل التاريخ شهادة بعنوان( انتفاضة العراقيين ضد الفاسدين)،إنه في النصف الأول من تموز 2018 انتفض العراقيون في ثورة غضب عارمة أخافت الحكومة العراقية لتعلن حالة التأهب الأمني القصوى في إنذار (جيم)،وقامت في 14 تموز بتعطيل خدمات الأنترنت خشية من جمهور الفيسبوك،فيما شهد مطار بغداد مغادرة مسؤولين ونواب بصحبة عوائلهم..وأن ما يجري يوحي بأن الأيام حبلى بأحداث جسام.)

هذا يعني أن انتفاضة تشرين ليست فقط امتداداً لانتفاضة 30 حزيران ،بل ولانتفاضة تموز 2018 أيضاً ،ولكن ما يميزها إنها ثورة شباب عانى الاحباط والخذلان والخيبات والاغتراب والبطالة والعوز متطلع بفكر منفتح الى المستقبل في استعادة وطن مهاب يعيش فيه بكرامة..وإنها حظيت بسلميتها وعنفوانها ومطاولتها وتقديمها أكثر من اربعمائة شهيد وعشرين ألف مصاب،بتعاطف الشعب معها ودعم ومشاركة الاتحادات والنقابات وعشائر محافظات الوسط والجنوب..وإدانة عالمية من الأمم المتحدة والاتحاد الاوروبي ومنظمات دولية لما ارتكبته السلطة من مجازر وحشية ضد متظاهرين سلميين يطالبون بحقوق مشروعة.

تظاهرات..وحكومات مستبدة

يوثق هذا المقال أن حكومات ما بعد التغيير (2003) استفردت بالسلطة والثروة،وأن العراقيين بدأوا بالتظاهرات من قبل عشر سنوات مطالبين بالأصلاح وما استجابات حكومات محاصصة بهوية شيعية،وانها استهانت بالشعب وأذلته وأفقرته فانتفض عليها جماهيرها الشيعية في 30 حزيران 2016 ودخلت الخضراء وأضاعت قيادتها الدينية وتدخل دولة إقليمية فرصة تاريخية تعيد للوطن هيبته وللشعب كرامته..وإن تلك الحكومات التي سقطت اعتباريا وأخلاقيا في 30 حزيران،وصلت الى يقين بأن نسبة الـ(24%) التي شاركت في انتخابات 2018 تعني أن الشعب مستكين،وإنها تفاجأت بانتفاضة تشرين 2019ما يستدعي هذه المرّة ان تمارس كل الأساليب من القتل والاغتيال والاختطاف والترهيب والترغيب،الى النفاق بأن يعلنوا في العلن إنهم مع مطالب الشعب ويعملوا في الخفاء بما يبقيهم في السلطة..وكل ما يبتكره عقل مستبد خبيث يبقيه على كرسي الحكم.

ويبقى التساؤل الشاغل كل العراقيين:

هل ستكون انتفاضة تشرين..امتداداً لأنتفاضات قادمة ،أم إنها ستكون خاتمة التظاهرات التي بها تستعيد للوطن هيبته وللشعب كرامته؟

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك