العراق اليوم

وماذا بعد بنات ثانوى؟

الاخبار
مصدر الخبر / الاخبار

آخر ما نسىء إليه هو بناتنا الصغار فى ثانوى، وآخر حصون البراءة تغزوها جحافل الربح الحرام، وتباح على عين التاجر الساقط السافل، وأول الهدم فى جدار الأمومة أن نسقط الحياء طوبة وراء الأخرى، من جيل لجيل، ومن الأمهات إلى بناتهن، قطعة وراء قطعة كراقصات الهوى، ونكشف ونعرى ما تحت جلودهن، ونرفع برقع الحياء وحمرة الخجل من وجوه بناتنا الصغار، فيتغامزن ويتلامزن ويلمحن بالسفالة والإيحاءات الجنسية فى القول والفعل فى هذا الفيلم الردىء «بنات ثانوى»، فلا وربكم لتحاسبنّ يوماً عن هذا الخراب وهذا الدمار وهذه الرداءة فى القول وفى الفعل وهذه الإسقاطات وهذه السفالات فى حق بنات ثانوى.

إياكم أن تظنوا أن هذا الغث الردىء فن، وهذا الإسفاف حوار، وهذه الخلاعة دلال الخدور، وهذا الغمز لغة الدور، وهذه التلميحات وهذا اللمز ورفع الحاجب يميناً ويساراً فى بجاحة هو أسلوب بناتنا، بل هو ابتذال وغش وتشويه، وتجريح ونبش فى أجساد الفراخ الزغب، التى لم تشب عن الطوق بعد، فتظن كل الصغيرات البريئات أن هذا مسلك الرفيقات، ودرب الزميلات، وخطى البراعم، وتصرف النواعم، وجواز المرور إلى الشهرة والنجاح، بل ومسموح ومبارك ومباح، فتضل وتهوى وتقلد وتضيع، ونكون كمن ضرب مئات العصافير البريئة بحجر واحد، وكمن ضلل آلاف العفيفات بغانية واحدة، وجرجر عشرات المحصنات الشريفات بصنارة صيد واحدة، وكمن أساء لقرية ببيت واحد، ألا يكفى مساحة الخراب التى شملت واتسعت على طول ما ترى عيوننا، وما تسمعه آذاننا، وما تضيق به صدورنا فى الشوارع والبيوت والتليفزيون والسينما حتى أحاطت وحوطت على أولادنا الصغار؟ ألا يكفى ما نسمعه من سب وقذف وشتائم وألفاظ مخجلة وقحة على ألسنة الرجال والنساء، فنكررها ونسمعها من ألسنة نضرة عفيفة رقيقة بكر لم تلمسها وقاحة من قريب أو بعيد، وكأن المقلوب أصبح المعدول، والمستقيم أمسى المعوج، وقلة الأدب والحياء باتت النموذج والقدوة، وحلت محل التربية والأدب، وظن القريب والغريب والقاصى والدانى أن بناتنا قد خربن كالأرض الخراب، كما ظنوا فى نسائنا من قبل، كلما شاهدوا أفلام تجار البهائم والجزارين، ومن كثرة ما تعودوا عليها وكرروها عليهم.

ما هذا الإعلان السفيه المخجل عن فيلم ردىء عن «بنات ثانوى» وهذه الأمثلة الرخيصة، وهذا الحوار الساقط الفاجر على ألسنتهن، وكأننا فى سوق النخاسة، أو على نواصى الخمارات، أو شوارع البغاء، تنادى كل منهن على بضاعتها، فهذه إشارة باليد، وتلك نظرة بالعين، وهذه فتحة بالفم، هل هؤلاء بناتنا فعلاً؟ وهل ما نشاهده فى إعلان هذا الفيلم هو ما يدور خلف الأبواب؟ وهل هذا الحوار الساقط المبتذل هو الحوار الجارى والمسموح بينهن؟ وإذا كان الهدف كما يزعمون هو تسليط الضوء على سلبية من سلبيات المجتمع، وجب التنبيه لها والتحذير منها، فإنها قولة حق يراد بها باطل، فهؤلاء ليسوا مصلحين، أو معلمين أو مرشدين، وليس الهدف هو العلاج أو المداواة، بل الهدف الترويج لهذه البضاعة الرخيصة، وجذب وشد انتباه الشباب المراهق المحروم لمشاهدة هذه الأفلام، وجنى الأرباح الوفيرة، وهو سبيل الغالبية العظمى من مروجى هذا الفن، دون النظر إلى مردود هذه الإهانة على بناتنا، فإذا حسب الناس وظنوا أن هذا سلوك بنات ثانوى، زاد التحرش بهن والإساءة إليهن، وأباح البعض منهم لنفسه حق الإهانة والتحرش وربما الاغتصاب، ويا ليت تجار الفن الردىء يعلمون كيف يساهمون فى انحدار الأخلاق، وانهيار القيم، وإباحة التحرش، والمساهمة فى تفشى منظومة الأخلاق السلبية.

أفيقوا أيها القائمون على الفن والثقافة قبل فوات الأوان، وقبل أن تغزو هذه الموجات العارمة بنات إعدادى، ثم تجور على بنات الابتدائى، وتزحف حتى الحضانة، امنعوا هذا الهابط من الفن قبل أن يدمر ويطول ما تبقى من قيم مجتمعية يقبض عليها الناس كقطع الجمر، ربما لا تقدر عليها يوماً، وطالما هذه العملة الرديئة ما زالت تطرد العملة الجيدة من السوق، وما زال هذا الفن الهابط يتمدد على حساب الفن الراقى، فليس أمامنا سوى تدعيم هذه العملة الجيدة وهذا الفن السامى ونزيد من مساحته، حتى يقف فى وجهه ويثبت ويقاوم ويتغلب عليه، والغالبية من الشعب معنا «والناس مش عاوزه كده، لكن للأسف الناس مش لاقية غير كده»، وهذا النموذج الراقى الموازى هو مسئولية الدولة ورجال صناعة السينما الشرفاء، فكما تقوم الدول فى العالم الأجمع بالتدخل لمنع الاحتكار، فإن الدولة من مسئوليتها التدخل لمنع انهيار وانحدار منظومة القيم المجتمعية، ومنافسة هذا الردىء بالجيد، حتى لو جملنا القائم وفردنا مساحة السمين على حساب مساحة الغث، والجمال على حساب القبح، لا نكذب ولكن نتجمل، كما تتجمل الأفلام الهندية والتركية، لتشجيع السياحة، ونعيد للناس الثقة فى صناعة الجمال، أين مؤسسة السينما؟ وأين وزارة الثقافة؟ وأين الدولة التى تمنع هذه الأفلام التى تهين بناتنا، وتلطخ شرفهن؟

“الوطن” القاهرية

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

الاخبار

أضف تعليقـك