اخبار العراق الان

التسامح مهمة عالميَّة.. في عصر العولمة (2-2)

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

صحيفة يثرب

كُتبت صحيفة يثرب، أو كتاب يثرب، كمعاهدة بين فئات مجتمع المدينة (يثرب)، بعد هجرة النَّبي صلى الله عليه وسلم إليها مباشرة، وجاءت لحلِّ ما كان قائماً بين الفئات الاجتماعية والدينية، من نزاعات وحروب، في داخل المدينة، أو ما يتعلق بتلك الكيانات مع خارجها. وتعد مِن اللوائح القانونية الأُولى، ذات الصبغة الدستورية، وهناك مَن اعتبرها أقدم اللوائح، أي كلائحة يتم التعاهد عليها والاتفاق، ولها مرجعية واحدة، تبتُّ في الالتزام بها مِن عدمه، وتنظيم ما يتعلق بشؤون القتال والأسرى، وبالجانب الاقتصادي بما يتعلق بالإنفاق والتكافل الاجتماعي، ورعاية تطبيق القِسط والعدل بين تلك الفئات، وما تقرر فيها مِن التسامح الديني، أي التعايش والتجاور مع الاحتفاظ بالعقيدة الدينية، وحرية ممارسة الطُّقوس، ولم تَستثنِ أي جماعة، بما فيها جماعة المشركين، ولا شيء على الجميع سوى الالتزام ببنود ما جاء في الوثيقة أو المعاهدة، واتُّفق عليه.

هيأت الصحيفة المذكورة المجتمع بالمدينة المنورة، ومنذ مطلع العام الهجري الأول، إلى التضامن والتكافل الاجتماعي، مع الاحتفاظ بالعقائد الدِّينية وخصوصيتها، والاحتفاظ بحرية المقدسات لكلِّ ديانة. صحيح أن المدينة كانت حينها، حسب بنود الوثيقة التي فرزناها إلى ثلاثة وخمسين بنداً اقتبسناها من سيرة ابن هشام، مقتصرةً على المسلمين والمشركين واليهود، بسبب عدم وجود الديانة المسيحية وغيرها فيها وقتذاك، لكن البنود الخاصة بالديانة يمكن القياس عليها، حتى لو تعددت أديان منطقة ما إلى العشرات، فما زال يوجد أساس للاتفاق، فلا يضر كثرة الديانات أو قلّتها. أما عن تأكيد شمول المشركين بيثرب، أو المدينة، فقد جاء في البند التاسع عشر من الوثيقة: “لا يُجير مشرك مالاً لقريش ولا نفساً، ولا يحول دونه على مؤمن”.

سميت الوثيقة بعدة أسماء، فقد وردت في السيرة النَّبوية لابن إسحق(ت151هـ) وابن هشام (ت 218هـ) بـ”الكتاب” و”الصَّحيفة”، وفي “الأموال” لأبي عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ) بـ”الكتاب”، ومَن سماها بـ”الموادعة”، و”الوثيقة”، و”الميثاق”، و”المعاهدة”، و”الدستور”، والتسمية الأخيرة جاءت معاصرين ممَّن اعتبر المدينة دولةً إسلامية، وهذه الصَّحيفة دستورها، بل اعتبرت في “مؤتمر دائرة المعارف بحيدر أباد الدكن 1938″، بأنها أقدم دستور مسجل في العالم. جاء ذكر نصها في عشرات المصادر الإسلامية، من كتب السيرة والتاريخ والأموال والحديث النَّبوي، وقد جمع تلك المصادر محمد حميد الله (ت 1981) في كتابه التَّوثيقي: “مجموعة الوثائق السياسية للعهد النَّبوي والخلافة الراشدة” (ص 57 ما وبعدها)، وعنونها بعبارة: “دستور الدَّولة البلدية بالمدينة”.

أما تاريخها؛ فيكاد يكون الإجماع على أنها كُتبت في السنة الأولى للهجرة، مثلما تقدم، حال وصول الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة والاستقرار فيها، بعد بيعتي العقبة الأولى والثانية، بين جماعة مِن أهل المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم، على أن يُدافعوا عنه مثل دفاعهم عن أرواحهم وأموالهم، وهما البيعتان اللتان مهدتا إلى الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة.

شملت الصحيفة المسلمين والمؤمنين، حسب مستهلِّها “هذا كتاب مِن محمد (صلى الله عليه وسلم) بين المؤمنين والمسلمين مِن قريش ويثرب…”، ويغلب على الظن أن هناك فارقاً بين التسميتين، حسب الآية الكريمة: “قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ” (الحجرات: 14)، أي: أن المؤمن مِن دعَّم إسلامه، آنذاك، بالجهاد وطاعة الله ورسوله، مِن دون تردد.

كذلك تضمن العديد مِن بنودها الديانة اليهودية، وأشارت إليهم بالمساواة مع المؤمنين والمسلمين، وكذلك من غير المؤمنين والمسلمين مِن قريش والذين يُقيمون بالمدينة، قبل الإسلام، فإذا كانت الصحيفة كُتبت في مستهل العام الهجري الأول، فيمكن أن يكون هناك مَن لم يدخل الإسلام بعد، وعلى وجه الخصوص قبل المعركة الأولى مع قريش مِن أهل مكة، وهي معركة بدر التي حدثت في السنة الثالثة مِن الهجرة.

أهم ما أنتجته الوثيقة حينها أنها أشارت إلى مجتمع المدينة كلياً، مِن منطلق العقيدة الدينية، وليس من منطلق القبيلة، هكذا وردت تسميات الجماعات، صحيح أنها ذكرت أسماء القبائل والأُسر كالأوس، وبني الحارث وبني ساعدة وبني النبيت، لكن ذلك جاء للتعريف بالجماعات الدينية، فاليهود لم يكونوا واحداً ولا غيرهم، فمِن الصعب آنذاك تجاوز تلك التسميات الاجتماعية، لذا تم التعامل معهم بديانتهم وبانتماءاتهم القبلية. مع أن بعض الدارسين للوثيقة أشار إلى أنها تعاملت بـ “الأمة الإسلامية فوق القبيلة”، مثلما تقدم، لكن لماذا لا نأخذ ما ورد في مستهل الوثيقة نفسها وندع التفسيرات والتأويلات، فهي قد تعاملت بمصطلح “أُمة الناس”، وبذلك يكون هذا المصطلح فوق القبيلة؟!

أمريكا والاعتراف الدِّيني

حرص الرَّئيس الأميركي الثَّالث توماس جيفرسون (1801-1809) على اقتناء نسخة مِن القرآن الكريم، لأنه، سياسي طموح ومثقف، يرنو إلى تأسيس دولة مدنية تضم الجميع. لهذا تحرك مبكراً في التَّخفيف مِن الرِّق، ومعالجة قضية الهنود الحُمر، ولأنه كان صاحب اطلاع على ثقافات الشُّعوب، وذا اتصال مع الحكام المسلمين بشمال أفريقيا، طرأ على باله أن المسلمين سيكونون جزءاً مِن تركيبة المجتمع الأميركي، إلى جانب بقية الأديان، فماذا على الدَّولة توفيره، مِن دستور مدني يحفظ حقَّ الجميع، وألا يكون الحُكم دينياً، فيصبح التعامل على أساس العقيدة لا المواطنة.

فعندما يجري الحديث عن أغلبية دينية أو مذهبية، يكرس القانون حرية الأغلبية في فرض مقدساتها وتقاليدها، وهنا لا نقصد فرض العقيدة، إنما الهيمنة على الدَّولة بعذر حقِّها في ممارسة المقدسات في الدَّائرة الرَّسمية والمدرسة والطَّريق، فمناسبتها عطلة للدَّولة، وعيدها عيد الدَّولة، فلا تبقى قيمة للشعور بالمواطنة، ولا معنى لما يُتبنى مِن طريق الدَّيمقراطية في الحُكم، ولو أن الولايات المتحدة، وبقية الدُّول المتقدمة، ذات التَّنوع الدِّيني والمذهبي، كرست دستورها وقوانينها على أساس الدِّين والمذهب، لما وصلت إلى ما هي عليه.

كانت هذه الأفكار حاضرة في ذهن أحد بُناة الولايات المتحدة الأميركية، وكاتب لائحة استقلالها (1776)، هذا ما تحدثت عنه المؤلفة الأميركية دينيس أ. سلبيرج، الأستاذة المشاركة في تاريخ ودراسات الشَّرق الأوسط في جامعة تكساس، في كتابها الثَّري “جيفرسون والقرآن.. الإسلام والآباء المؤسِّسون”، الصَّادر بالإنجليزية عن دار “نوبف” بنيويورك (2013)، ثم أصدرت دار “جداول” نسخته العربية (2015)، تولى ترجمته فؤاد عبد المطلب.

كان اهتمام جيفرسون المبكر بالإسلام والمسلمين دفع البعض إلى اعتباره مسلماً، ويعني هذا الاعتبار في القرن الثَّامن عشر، وفي الوسط الإنجيلي والكاثوليكي، الكثير سلبياً، على شخصية سياسية تطمح لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية. ربَّما لم يتوصل جيفرسون إلى فكرة بناء الدَّولة والأُمة المختلطة، إلا بعد تأثره بالفيلسوف البريطاني جون لوك (ت 1704)، فقد أخذ يقتبس من مؤلفاته فكرة المدنية في الحُكم، خصوصاً رسالته في “التّسامح”. هنا يأتي دور التعاضد بين المثقف والسياسي أو الحاكم الرَّاشد، إن صحت العبارة، وهذه الثنائية ساهمت بنقل أوروبا من الحروب الدِّينية الطويلة، وظروف التعصب الدِّيني والمذهبي القاسية إلى رحاب المدنية في الحُكم وإدارة المجتمع. فترى جيفرسون يقتبس عبارة جون لوك المهمة في طرح التسامح الديني: “يجب عدم استثناء الوثني والمحمدي (المسلم) واليهودي مِن الحقوق المدنية للكومنولث بسبب دينه” (جيفرسون والقرآن).

تقول المؤلفة، في كتابها المذكور، عن نباهة جيفرسون في بناء دولة المواطنة: “لما كان معظم الأميركيين جاهلين، أو مضللين، أو ببساطة خائفين مِن الإسلام، تخيل توماس جيفرسون المسلمين مواطنين مستقبليين لأمته الجديدة، وقد بدأ ارتباطه بالدِّين مع شراء قرآن، قبل إحدى عشرة سنة مِن كتابته لإعلان الاستقلال، ولا يزال قرآن جيفرسون في مكتبة الكونجرس، مشكّلاً رمزاً لعلاقته المعقدة هو وأميركا المبكرة مع الإسلام وأتباعه” (المصدر نفسه).

كان وراء طرح قضية إشراك المسلمين في الأُمَّة الجديدة، لوجود مسلمين آنذاك بين المهاجرين، وإنْ كانوا بأعداد محدودة، ثم طرح المشكلات مع طرابلس الغرب عن حرية التجارة والتعامل مع السُّفن الأميركية المارة في البحر الأبيض المتوسط. كذلك كان الدَّافع هو محاولة تجنب العنف بين المذاهب المسيحية بأوروبا آنذاك، ونقلها إلى التَّجربة الأميركية، فعلى حد قول المؤلفة: “أن يكون المسلمون القضية القياسية لتعيين الحدود النَّظرية لتسامحهم مع جميع المؤمنين”.

التَّنوع الإنساني قوة

لا يتحقق التَّسامح، على المستوى العالمي، بل الوطني والإقليمي، بلا قبول للتنوع الإنساني، الديني والمذهبي، وكل ما اختلف فيه البشر، من اللون والعرق، ولا يغدو هذا التنوع سمةً من سمات الدُّول والمجتمعات المختلطة، بلا إدارة مخلصة تتبناه بموجبها الدولة كأحد ثوابتها، ثقافةً وممارسةً.

لأهمية التنوع، وأهمية مقولة «الناس على دين ملوكهم»، مثلما تقدم ذِكر ذلك، يُذكر أن رجال دين اقترحوا على السُّلطان العثماني سليمان القانوني (ت 1566) بفرض الإسلام على إمبراطوريته كافة، فكان جوابه: «كما أن هذا التَّنوع الظاهر في الأعشاب والأزهار لا يُضير في شيء، بل يُجدد النَّظر والشم على نحو رائع، كذلك تنوع الديانات في إمبراطوريتي لا يُشكِّل عبئاً عليَّ، بل عوناً لي(…) شرطَ أن يعيش رعاياي بسلام ويطيعون أوامري، فالأفضل لي أن أدعهم يعيشون على طريقتهم، ويتَّبعون الديانة التي يريدون (…) بدلاً من أن أثير الفتن، وأرى دولتي مُقفِرة شأن حديقة اقتلعنا منها جميع الأزهار، ولم نُبقِ فيها إلا على لون واحد». ذكر ذلك رجل القانون الألماني فيليب ميراريوس (ت 1624)، في «تأملات تاريخية» (صدر 1591)، الذي وثق فيه جهود أمراء وملوك قدماء في إدارة التنوع (لوكلير، تاريخ التسامح في عصر الإصلاح).

إذن، ظل التنوع قائماً بإمبراطوريات إسلامية، فقبل الإسلام، لم تكن المنطقة خالية منه، فلشاعر الحيرة عَدي بن زيد (نحو 587م)، ما يشير إلى الاعتراف بالإله الواحد مع وجود التنوع بعبادته: “سَعى الأعداء لا يألون شرّاً/عليك وربِّ مكةَ والصَّليبِ/أُعالِنُهُم وأبطنُ كلَّ سرٍّ/كما بين اللّحاء إلى العَسيب”ِ(اليسوعي، شعراء النَّصرانية قبل الإسلام)، إشارة إلى الاعتراف المتبادل بين ديانتي مكة والحيرة قبل الإسلام.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك