العراق اليوم

ألعراق بين واقع ألتخلف وطموح ألإزدهار

الاخبار
مصدر الخبر / الاخبار

ألجزء ألأول: واقع ألتخلف
     ألتخلف عن ركب ألتحضر وألإزدهار يحدث في حالتين من تجارب ألشعوب: إما شعب بسيط لم يشهد بتأريخه تجربة ألتحضر حتى بات يعيش حياة بدائية أو شبه ذلك، ومثل هذا ألقليل في وقتنا ألحاضر. وأما شعب كان يوماً ما متحضراً أو على ألأقل متمدناً ثم مَرَ بسلسلة من ألدمار وألتدهور ألثقافي وألإقتصادي وألبيئي ولمدة طويلة تزيد على ألأقل عن عمرِ جيل كامل، يتم خلالها ألقضاء على ألمقومات ألعلمية وألثقافية في ألمجتمع ويصبح ذلك ألجيل عاجزاً عن إصلاح نفسه ومواكبة ركب ألحضارة. فإذا إتفقنا على هذا ألمفهوم وطبقناه على وضع ألعراق وما حدث له خلال ألقرن ألماضي وليومنا ألحالي نستنتج، وأظن لا يرغب أغلب ألعراقيون في معرفة هذا ألإستنتاج، إن ألعراق أليوم هو ألمثال ألنموذجي لبلد يعاني، ومع شديد ألأسف، من ألنوع ألثاني أعلاه من ألتدهور وألتخلف. في هذا ألصدد، لابد من ألتأكيد على إن رأيِ هذا وتعليله ألمبين أدناه معني بشكل خاص بألقدرات ألعلمية وألثقافية وألإدارية (أي ألقدرات ألتكنوقراطية) للشخص ألعراقي وعنما يستطيع أن ينجزه عراقيو ألداخل من إعادة لبناء وتطور وإزدهار ألدولة وألمجتمع ألعراقي.

يجمع ألمؤرخون وألمفكرون ومن تعايش مع أحداث ألقرن ألماضي إن ألعراق وبعد خروجه من ألإمبراطورية ألعثمانية ثم تأسيس دولتَهُ ألمستقلة سنة ١٩٢١، تمتع بفترة إستقرار نسبي ولمدة تزيد على ألنصف قرن حتى بداية سلسلة ألتدهور وألإنحطاط ألحديث في ١٩٨٠. إن فترة ألإستقرار وألإزدهار ألنسبي كان أولاً نتيجة لعدم تدخل ألقوى ألخارجية ألمفرط في شؤون ألعراق آنذاك من جهة ونزاهة وحكمة مَن حكموا ألعراق من جهة أخرى. بألإضافة إلى ذلك وألأهم هو للقيم ألمجتمعية للعراقيين حينها وإستعدادهم ألشديد للتغيير وألتحضر أدى إلى إنتاج ثمار ألتحضر في ألمجتمع ألعراقي وألتمتع بها لأكثر من خمسين سنة وخصوصاً في فترة ألستينات وألسبعينات من ألقرن ألماضي. إستطاع ألعراقيون بتلك ألفترة أن يواكبوا نسبياً وإن كان ذلك بألشيء ألبسيط رَكْبَ ألتمدن وربما شيئاً من ألتحضر وخصوصاً في مجالات ألتعليم وألصحة وألثقافة ألعامة وألإعمار. ليس ألغرض هنا أن نسرد ألمنجزات ألكثيرة ألتي حققها ألعراقيون ولكن وعلى سبيل ألمثال فقط نستشهد بما جاء في تقرير ألأمم ألمتحدة إن مستوى نوعية ألبنى ألتحتية وألخدمات ألمقدمة في مجالات ألتعليم وألصحة في سبعينات ألقرن ألماضي في ألعراق كانت توازي ألمستوى ألسائد في أوربا آنذاك. في هذا ألصدد، يجب أن نوضح عندما كان ألمواطن ألعراقي من جيل ألسبعينات متمتعاً بإزدهار نسبي كان ذلك نتيجة لإبداع ألجيل ألذي سبقهُ وألذي قام بتربية وتعليم جيل ألسبعينات بألشكل ألعلمي ألحضاري وألإنساني ألسليم. بألتأكيد، لم يكن ألفضل، كما يظن ألبعض، لحكم ألبعث ألمتخلف وألمستبد ألذي تزامن في تلك ألفترة بل ألفضلُ لمن سبقهُ من جيل أو أجيال خلال ألعهد ألملكي وصولاً لأوائل ألحكم ألجمهوري ألعراقي، قبل وبعد ١٩٥٨. هذا يعني إن ما يتمتع به ألمواطن في وقت ما من تحضر وأزدهار هو إنتاج ألآباء وألأجداد، وما على ألجيل ألمعاصر إلا أن ينتج مثل هذا بل أحسن منه لأجيال ألأبناء وألأحفاد. نعم، ومما لا شك فيه إن ألجيل ألمعاصر هو مَن يعمل جاداً على إدامة بل وتطوير هذه ألمنجزات.

بدون شك لقد أنتج ألعراق حشداً كبيراً من ألعلماء وألمفكرين وألسياسيين وألأدباء وألفنانين ولأجيال متتالية وكان آخر هذه ألأجيال ألمبدعة في سنين ألسبعينات (أي مَن وُلِدوا في ألأربعينات وقبلها). فبينما كانوا ألعراقيون يطمحون في مستقبل زاهر متحضر ومواكب لركب ألعلم وألتكنولوجيا في ألقرن ألحادي وألعشرين، سُرقت منهُ ألدولة بمواردها ألإقتصادية وألبشرية لتصبح بيد حفنة من ألمتخلفين ألمجرمين وتحت أديولوجيات عنصرية وطائفية بدأت بتشويه ألفكر ألإنساني وأخلاق ألتسامح للعراقيين وصولاً إلى هاوية ألدمار ألشامل ألمتمثلة بسلسلة ألحروب ألمدمرة من سنة ١٩٨٠ ولحد ألآن. ومع ألأسف ألشديد وعبر ألأربعين سنة ألماضية لم يستطع جيل ألسبعينات بإمكانياته ألإبداعية ألتي إكتسبها من ألأجيال ألسابقة لهُ أن يسلمَ راية ألتحضر للجيل ألقادم بعده لأنه ولسوء حظه عاش في زمن ألتردي وألإنحطاط ألبعثي بل على ألعكس تحول إلى جيل فاشل ألإنتاج حين خلف بدلاً عنهُ جيلَ “هلهولة للبعث ألصامد” ثم تلاه لاحقاً ألجيل ألضحية ألحالي تسوده ألأميةُ وألجهل وألضياع. وأستمر مسلسل ألتدهور لسنين عجاف إبتداءا من حرب ألخليج ألاؤلى في ١٩٨٠، لم يستطع ألعراقيون أن يأخذوا بزمام أمورهم نحو ألإصلاح وألتطور حتى جاء ألتغير ألكبير (ولكن) من ألخارج في ٢٠٠٣ وأستبشر ألعراقيون من ذلك ألتغيير ألخَيرَ ألكثير. ولكن وبعد ستة عشرة عاماً من ألتغيير لم يحدث فيها إلا أن يعيش ألعراقيون تحت ألإرهاب وألفساد بألإضافة إلى ماكانوا عليه من إضطهاد وبؤس. وهنا يأتي ألسؤال ألمحوري في هذا ألموضوع وهو لماذا لم يستطع ألعراقيون أن يطووا صفحة ألتدهور ويبدؤا عملية ألإصلاح وألتطور وألتقدم، علماً إن ألعراق يمتلك ألكثير من ألعوامل ألأساسية للتطور بما في ذلك ألموارد ألإقتصادية وألبشرية وألجغرافية وألتأريخية ثم مؤخراً إقامة ألنظام ألسياسي ألديموقراطي ألدستوري؟ فأين ألمشكلة؟

ألجواب ألقصير هو إن ألمشكلة تكمن في ألشعب، في ألجيل ألضحية لسنوات ألدمار ألطويلة. ولكن، يشترك جميع ألمهتمون بهذا ألسؤال بتوجيه أصابع ألإتهام إلى من تولوا ألسلطة في ألعراق وعلى مدى أربعة دورات إنتخابية ديموقراطية على أنهم سراق وفاسدين أو جهلة وعملاء وغير ذلك من ألأوصاف. هذا ألطرح، وإن كان يحمل شيئا من ألحقيقة، لكنه يتغاضى عن ألدور ألرئيسي للشعب وألذي من ألمفترض أن يكون مصدراً للسلطات وألحكام وليس بمجرد ضحيةٍ لفساد ألحاكمين. وألأهم من ذلك، إن مثل هذا ألرأي يوحي بشكل غير مباشر بأن حكام ألعراق قادرون (إن أرادوا فعلاً وكفوا عن ألفساد وألعمالة) على تطور ألعراق ولهذا يستحقون كل أللوم وألعقاب من جراء تصرفاتهم ألغير وطنية. ولتناول هذا ألموضوع بشيىء من ألجدية وألصراحة أقول، هذا إفتراض ساذج ينقصهُ ألأساس ألعلمي، وبناءاً على ما ورد أعلاه، إن ما يحدث في ألعراق ومن ٢٠٠٣ ولحد ألآن من تخبط ألسياسين وما ينتج عنه من فوضى وعدم إستقرار ما هو إلا نتيجة متوقعة لابد منها، وما ألغضب ألشعبي وألتنكيل على ألسياسيين ليس فقط لا معنى له بل أعتبره إستنتاجاً خاطئاً ناتجاً من قصر في ألفهم ألعلمي للتجربة ألسياسية وألثقافية وألإجتماعية في ألعراق. قد يتصور ألقارىء أني أبرر أو أدفاع عن سياسيي ألعراق، ولكن على ألعكس فإن كنت لا ألوم سياسيي ألصدفة في ألعراق فذلك لأني لا أتأمل بل ولا أتوقع من فاقد ألشىء أن يعطيه. كيف لي أن أترجى منهم أن يبنوا دولة متحضرة ومستقرة كبيرة بحجم ألعراق ذو ألثقل ألكبير على ألمستوى ألإقليمي وألدولي وليس فيهم مَن يمتلك ألشيء ألبسيط من علم وثقافة وتجربة عملية مطلوبة لتحقيق مثل هذا ألتطور ألحضاري ألمنشود وخصوصاً بعدما تحول ألعراق خلال ألأربعين سنة ألماضية إلى خرائب تسكنها ألأشباح وألموت؟

ولكي أوضح رأي هذا، أحاول أن ألجأ إلى ألتحليل ألعلمي ولغة ألأرقام. من ألمتفق عليه عالمياً إن عمر ألإنسان وهو في حالة ألإنتاج وألإبداع ألفكري (إن تَمَ تعليمه وتأهيله بألشكل ألعلمي وألحضاري) هو بين ٢٥ و ٥٥ سنة من ألعمر، حيث يكمل ألشخص تعليمه وتدريبه ألمهني ألأولي في سنة ٢٥ ثم تليها سنين ألكهولة وتباطىء قدرة ألتعليم وألإبداع بعد سنة ٥٥ من ألعمر وصولاً إلى مرحلة ألتقاعد عن ألعمل. هذا يعني أن ألجيل ألمؤهل للقيادة وألإنتاج وألإبداع وألأخذ بزمام ألإصلاح وألتطور وألإزدهار في عراق أليوم هم مَن وُلِدوا وترعرعوا بين ١٩٦٥ (عمر ٥٥ سنة) و ١٩٩٥ (عمر ٢٥ سنة). بتعبير آخر إن أغلب من يقودون ألعمل ألسياسي وألإداري وألعلمي ألحالي في ألعراق هم جيل أللذين درسوا وتعلموا وعملوا في فترة ألإنحطاط وألدمار ألمشار إليها سابقاً (١٩٨٠ إلى ٢٠٢٠) بما في ذلك من ألحروب وقتل ألأهل وألأحبة وألحصار ألإقتصادي وألإرهاب وما نتج من ألتشرد وألتهجير وألأمراض وألأمية وألتفكك ألمجتمعي وألأخلاقي من نزعات عنصرية وطائفية وعشائرية وفساد وغيرها ألكثير. كيف يستطيع جيل كهذا وهو ألذي قبل غيرهِ بأشد ألحاجة إلى ألعلاج وإعادة ألتأهيل علمياً وثقافياً وإنفتاحه ثانية على ألعالم ألمتحضر أن يصلح نفسَه بنفسِه أولاً ثم ليقود ثورة ألإصلاح وألتحضر حتى يتنعم ألشعب بأكمله بألإزدهار ومواكبة ركب ألعلم وألتكنولوجيا ؟ تصوروا معي على سبيل ألمثال إن طفلاً وُلِدَ في ١٩٨٠ ولم تُتَح له ألفرصة أن يتغذى على حليب صحي أيام رضاعته، ثم قُدِر له أن ذهب إلى إحدى مدارس “ألصفيح” ليفترش ألأرض مع خمسين طفلا في صفٍ ليس فيه كهرباء ولا طبشور. ثم “نجح” ليواصل دراسته ألجامعية في كلية ليس فيها مكتبة فعالة أو مختبرات علمية حتى أن “تخرج” بعونه تعالى وحصل على ألشهادة ألجامعية (كحد أدنى للتأهيل لعضوية ألبرلمان ألإتحادي ألعراقي) لينضم بعدها إلى صفوف ألبطالة ألمقنعة كموظف في إحدى ألوزارات ألحكومية ألتي ليس لها ميزانية إنتاجية غير ما هو كافي لسد رواتب ألعاملين فيها، ويستمر هذا ألمواطن يَعُدَ ألسنين في شغفٍ حتى يتمتع في مرحلة ألتقاعد من ألعمل. كيف يستطيع مثل هذا ألمواطن وبهذه ألسيرة ألذاتية أن يشغل منصباً قيادياً في ألدولة، وهذا ما حصلَ ويحصل ألآن، ونتوقع منه أن يحدث ثورة ألإصلاح وألإبداع وألتطور وألإزدهار؟ أهذا ضربا من ألتمني وألخيال؟ أم هو إيمانٍ بإنتظار إلهام سماوي ينزل على صدور هؤلاء “ألصالحين” و”ألصديقين” ألعراقيين؟

وفي ألختام، لابد من ألإشارة إلى ألوجه ألآخر ألمشرق للمجتمع ألعراقي، وهذا ما سأتناوله بإسهاب في ألجزء ألثاني من هذا ألموضوع وألخاص بطموح ألإزدهار في ألعراق. نعم، هناك ألعدد ألغير قليل من ألعراقيين أللذين يملكون مثل هذه ألقدرات ألتكنوقراطية ألمطلوبة، وخصوصاً أؤلائك ألمغتربون منهم وأللذين واصلوا تعليمهم وأكتسبوا ألخبرات ألمهنية وألعملية في عدة مجتمعات متحضرة ولكنهم ومع ألأسف لم يُدعَونَ أو يتسنى لهم ألمشاركة بإصلاح بلدهم كعاملين فاعلين أو كمستشارين في مواقع ألدولة. بألإضافة إلى ذلك وبدون شك، يبقى ألعراق وبشكل عام كبقية دول ألعالم ولأسباب متعددة بلد فيه ألكثير من ألقيم ألسليمة وألمُثل ألعليا في ألمجالات ألإنسانية ألمتعددة. ولكن لا يمكن للأوطان أن تُبنى وتتطور بألمثل وألأخلاق ألإنسانية فقط بل بألعلم وألمعرفة وألعمل ألجاد وسيادة ألقانون.

ألدكتور غانم ألمحبوبي
ملبورن، أستراليا

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

الاخبار

أضف تعليقـك