اخبار العراق الان

الصحفي

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

قصة: محمد خضير

أكثر من منفذ يمكن أن يؤدي الى ذلك الوكر الصحفي، مقرّ جريدة “الضباب”. ومن وكر الصحفيين المغامرين هذا، نفرز صحفياً استعار من وليم غولدنغ تورية “ملك الذباب” ليسيطر على المدينة التي غدَت ساحةً للاحتجاجات السياسية العارمة، وأسلوباً في زرع التناقض الايجابي في صميم الانهيار الذي سُمّي ب”الفراغ الدستوري” بعد استقالة رئيس الوزراء، وتفكك مجلس النواب، وانتشار فرق الاغتيال.

يتذكر الصحفيُّ الذي أسهم في تأسيس الجريدة، أنه اقترح اسمَ الجريدة ليدلّ على نقيضه: الوضوح الايجابي. قال ملك الذباب لرئيس تحرير الجريدة: “حسناً. إذا كنا ننشد التكافؤ بين الأضداد، فلنجعل للخبر الصغير التافه أهمية الحدث العظيم النادر، ونستخدم النور الكاشف لإضاءة أوكار الذباب. إنه تكافؤ عادل: صاع مقابل صاع. الوضوح بدلالة الضباب، والارتقاء مقابل الهبوط درجة بعد درجة حتى الوكر العميق”.

افترض الصحفيُّ أنّ مضمون تقريره الذي نذرَ له وقته، ورهنَ حياته لأجله، يرتبط بالعنوان المجازيّ الكبير: مدينة الذباب.

استفسر رئيسُ التحرير: “عن أي نوع من الحشرات تتحدث؟”

قال الصحفي: “نوع حقيقي. لكنّه يتحول في الروايات إلى شائعة أسطورية”.

حدق رئيس التحرير للوجه المكشوف أمامه، متفحّصاّ بدقّة أساريرَ الاقتحام والمغامرة، كي يفرزه عن الأقنعة الكثيرة التي يرتديها، وأهمّها قناع الممثل السينمائي خواكين فينيكس الذي عُرِف بدور الجوكر، والمراسل التلفزيوني أحمد عبد الصمد الذي اغتيل أخيراً، وشاعر ساحة التحرير الذي عُرِف بين المتظاهرين بحروف اسمه الرباعي “سديم”. غير أنّ الصحفي، الذي يمتلك روح الفكاهة، قال لرئيس التحرير أمام الصحفيين المتدربين: “قد لا تعرف وجهاً من وجوهي التي أخفيها عن الأنظار، وهو وجه سمسار مزادِ سوق الأسماك، حيث أعثر على نظافتي الروحية وسط الذباب المتكاثر على وجوه المزايدين”.

أمام استغراب عيون الصحفيين المزدحمين في وكر “الضباب” انسلَّ الوجه واختفى مسرعاً. كان في طريقه لمقابلة أسنّ امرأةٍ عراقية باقية على قيد الحياة، في دار رعاية المسنّين بالصوب الغربي. وقبل اختفائه ألقى بعبارة خاطفة: “اتخذوا اسماً مستعاراً واقتحِموا الضباب”.

نشرَت الجريدة تقاريرَ الصحفي الثانوية، التي عدّها خطوات تقريبية من هدفه العظيم: الوصول الى الطبقة العميقة لمدينة الذباب. وظنَّ زيارته دار المسنين ستزوده بتقرير ثانوي آخر، يضاف الى ما حقّقه عن الخبّازين وصائدي السمك وصانعي المفاتيح، مع قصص خبَريّة مسلّية عن حياكة السجّاد الريفي وسفّ المهفّات الخوصيّة. ولم يحتسب لما تخبّئه المرأة المسنّة من هسيس مخبوء يقرّبه من هدفه، بل يلقيه في القاع الذي وصله يوماً مع قصة كتبَها عن سجن النساء. لم يعتبر من هذه التجربة، كما لو أنّه ذبَّ عن وجهه طنينَ ذبابةٍ مزعجة، حسب، أو أنّه تغافلَ عن القاعدة التي سنّها لنشر تقاريره: “قد يكمن الشيطان في عباءة درويش”.

في طريقه، عرّج على مرآبٍ للسيارات قيد الإنشاء، شغله المتظاهرون واتخذوه مُعتصماً ليلياً، وارتقى طوابقه للسطح المشرف على النهر، والجسر المقطوع بحواجز الشرطة، وراقب الحركة البشرية الدائبة في الشوارع المتقاطعة حوله. قد يكتب سطراً رئيساً يقتاده الى تقريره الأساس، كهذا السطر: “الارتفاع والعمق متساويان في مدينة الذباب، فكلاهما بُعد متعاكس في بناءٍ لم يكتمل، مرآبٍ أو مستشفى”. أقرَّ مع نفسه بأنّ النيران التي يضرمها المتظاهرون في إطارات السيارات، ويشاهدها من هذا الارتفاع، تصدر عن هاجس عميق يتصاعد من أعماق المباني القديمة التي تؤوي شيطاناً بعباءة محوكة من جلودٍ هرمة.

ضحك الصحفي لهذا الوحي الشيطاني الذي سيلطّخ وجهه بسخام الإطارات المحترقة. كم وجهاً عليه أن يتصنّعه لكي يتفادى المرور بهذه الحرائق، وكم يصعب عليه حقاً كبح هذه اللعنات المتوالية! أحسَّ بدفقة هواء ساخنة تهبّ نحوه من الضفة المقابلة للنهر، محمّلة بطنين آلاف الأجنحة الذبابية.. أواه، أيها المسنّون الأشقياء، هل توحون لي باللحظة التي سينبت لكتفيّ جناحان يلحقانني بملائكة النار؟ أم إنّه إيحاء بالهبوط السريع على سلّم المدينة المنحدر الى دار المسنّين؟ ما الاتجاه الصحيح لملك الذباب؟ صار على يقين بأنّ اللقاء المرتقب مخاطرةٌ مخبوءة في عباءة درويش!

خاب ظنّه، فقد أخبرَه مديرُ دار المسنّين بأنّ خمسة مخلوقات وحيدة هي ما تبقّى من عشراتٍ تسللوا من الدار خلال الفوضى الأمنية الأخيرة، واختلطوا بالمتظاهرين؛ أما المرأة التي طلبَ الإذنَ بمقابلتها واستطلاع حياتها، فهي موجودة، لكنّها نائمة.

“قد يطول نومها أياماً” قال المدير. “إنها ليست مسنّة فقط، عاشت عشرين عاماً بعد تجاوز عمرها المئة، إنما هي أيضاً صندوق هائل من الأخبار والطلاسم”. ثم ختم قوله: “سأسمح لك بزيارتها، حين تستيقظ. تقتات فقط على الهلاوس والأحلام”.

اتصل مدير دار المسنّين ثانية ليُعلم الصحفيَّ باستيقاظ المرأة المسنّة: “نبيهة بنت حسن الكرخي. قُيّدت عندنا بهذا الاسم، وتُركت وحيدة لم يراجع قريب أو بعيد لتفقّدها. ستبقى يقظة مدة أسبوع قبل أن تعود الى سُباتها الشتوي المعتاد”.

ظلّت الأوضاع عينها على الجسر المقطوع، ركب الصحفيُّ قارباً نقلَه الى دار المسنّة الكرخية. عبَرَ النهرَ، منتصف النهار، تحت ستار الأدخنة وهتاف المتظاهرين المصرّين على عبور الجسر عنوة. رسا القارب على مسنّاة طويلة، ارتقاها وتوجه إلى بيت قديم ذي شرفات خشبية مطلّة على النهر. وجد مديرَ الدار بانتظاره، شخصية من أزمنة الطوارئ، يرتدي عباءة صوف فوق بذلته الممسوحة اللون والطراز. اعتمر سدارته، وقاده الى غرفة المرأة المئوية، يتبعه مُعينُ الدار النحيف: “حمودي، هل استبدلت عمّتك ثيابها؟”. “نعم، باشا” قال المُعين. “كما سرَفت صحنَ الشلغم المفضل لديها”.

عقّب المدير: “تُرِكت وحيدةً بلا قريب يراجعها أو بعيد. انقرض وارثوها، وكانت من أوائل من آوتهم الدار عند افتتاحها في هذا البيت. سترى أنها بذاكرة سلحفاة نابليون”. وضحك الرجلان: “تشير هويتها المدنية إلى ولادتها في سنة الفيضان الأكبر 1896”.

سينقله مرح المدير الى وكر الكرخية على عجل، إذ كان مشيهما أقرب الى الهرولة. وسيعرف أنّ عجلتهما عادة اكتسباها من مجاورة الأجساد، المسرعة هي الأخرى نحو نومها الطويل: “لولا تلك الحركات القليلة للشفاه لما حسبنا مسنّاً متمسكاً بحياته” قال المدير.

تركاه عند السرير الذي تستلقي المرأة المسنّة في وسطه، وأقفلا عجِليْن أيضاً، تعلو وجهيهما صفرةُ الخوف والعزلة الطويلة أسفل ضفة النهر. وقبل غيابه ألقى المدير بآخر وصاياه: “احذر إهانتها. فهي سيدة من الحاشية الملكية!”.

تأمل الصحفيُّ الجسدَ الضامر، القادم من أقصى سُباته، وانتظر أن تنطق الشفتان الذابلتان بصوت ملوكيّ. تفحّصتْه بعينين عمشاوين: “أنت الصحفي البهلول؟”

“الحقيقة، أنا ملك الذباب، جدّتي نبيهة”.

“وتعرف اسمي يا ملك… ماذا؟”

“الذباب… وأعرف أنّكِ أقدم مسنّة في بغداد”

“ما هذا الأقدم؟ سيارة الملك غازي؟”

“مثل هذا سيدتي. يقول المدير أنّ ذويك نقلوك الى هذه الدار في يوم سقوط قصر الرحاب ومقتل الملك الصغير، فيصل الثاني” 

“حقاً؟ وهل أخبركَ بقطيع الماعز؟”

“لا. هل كنتِ ابنة مزارع يملك الماعز؟”

“لا. أنا ابنة صائغ، لكن أبي زوّجني لمرافق الملك فيصل الأول. هل حدّثكَ المدير عن قطيع الماعز؟”

“لا. هل ترين نفسك راعية ماعز في المنام؟”

“ولماذا راعية؟ أحكي لك عن القطيع الذي صاغه أبي من الفضة وأهداه للملك الكبير في عيد جلوسه على العرش. كانت هذه التحفة آخر مصوغاته. فقد مات في دكانه مسموماً. هكذا وجدوه مُزرقَّ الأصابع” 

“شيء مؤسف. هل عشت مع زوجك في القصر؟”

“نعم. خدمتُ الملكة الأمّ خلال مرضها، بينما ظلّ زوجي مستشاراً للعائلة المالكة، وقتل معها. من يدري؟ فقد يعود قطيع الماعز فيعبر الجسر. سيسحق من يعترضه، وتستولي الدهماء من جديد على مقاليد البلد”

“هل رأيت هذا أيضاً؟”

“وما هو أكثر. لقد نصبوا فزّاعةً لإخافتنا”

“فزّاعة؟”

“ألم تشاهدها على مقربة من دارنا؟”

“لا. حقاً لم ألاحظها يا جدّتي”

“بناها مجهولون من القصب النامي على الضفة وألبسوها ثياباً ممزقة. ومن ذلك تخبّلت النساء في الدار. هربنَ. لأنهنّ شاهدنَها تحترق وتنشر دخانها على النهر”.

“حكاية عجيبة. سأنشرها في جريدتي”.

رفضت العجوز الضاوية تصويرها. رفعت عصا أخرجتها من فراشها وشهرتها بوجه الكاميرا. ظهرَ المديرُ والمعين فجأة وسحبا الصحفيَّ من الغرفة: “ألم أنبّهك على منع التصوير لسكنة دارنا؟ لا نريد للقصة أن تخرج من الدار”.

ابتعد القارب الذي انتظر الصحفيَّ مدة ساعة، وكان بصره غائصاً في تيار النهر، حينما لفتَ النوتيُّ نظرَه إلى جهة الدار خلفهما: غيمة سوداء ترتسم كفزّاعة ملتفّة بأسمالها وتحتوي دار المسنّين بذراعيها. 

بعد أيام من نشر مقابلة المرأة المسنّة، مع صورة مُختَلَسة لها، على الصفحة الأولى من جريدة “الضباب”، هوجم وكرُ الصحفيين وأُضرِمت النار فيه.

 كانون الثاني 2020

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك