اخبار العراق الان

في أعمال الفنان فائق العبودي.. عراقة العلامة وحداثة الأشكال

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

بكل ما لهذه التسميات من شحنات دلالية في متخيل، ووجدان من يرتبط بهذه الجغرافية الولود، والمعطاء، بدءاً من ابتكار حروف الكتابة وسنّ القوانين، والبحث عن نبتة الخلود احتفاء بالحياة، ضد رهاب الموت والعدم، أرض أساطير البعث والخصب،أرض النبوءات المؤسسة، أرض التعدد اللغوي، وبرج بابل شاهد على ذلك ،تمددت فيها الحضارات حتى آخر ما يفخر به العرب في الزمن العباسي، الذي تشكلت فيه الهوية المتعددة، وانتجت لحظة لم تتكرر في التاريخ، فمن يجر وراءه هذه الأحقاب من التحضر لن يكون إلا مبدعاً، وفناناً تتلبسه روح الابتكار، والإتيان بما يدهش ويمتع.

ينتمي الفنان العبودي بالوراثة لهذه الجغرافية الممتدة في الزمن، وإلى كل الترسبات الراسية في ذاكرة المكان، فهو الجنوبي الأصل, البغدادي المولد الذي فتح عينيه في بيئة تحتفي بالفن، وتوليه أهمية كبرى ،حيث يتميز العراق الحديث بالاعتناء بالرسم، والتشكيل كجزء من التكوين في المدارس، ناهيك عن أن المدرسة العراقية في الفن رائدة بأسمائها المشهورة، التي بصمت المشهد العربي بأسلوبها المتفرد الأصيل، وبفتوحاتها التجديدية والتجريبية، في هذه الأجواء المشحونة بالإبداع، والريادة في مجالات الإبداع المتنوعة نشأ الفنان فائق العبودي، وتشربت ذاكرته البصرية بأساليب عديدة لفنانين اجترحوا طرقاً متنوعة في الإبداع الفني والتشكيلي، إضافة إلى هذه المرجعية الفنية القوية ،هناك مرجعيته البصرية التي أتاحها المعمار العراقي، بكل تنويعاته وتشكيلاته من خلال المراقد والأضرحة، وكل زينتها وزخارفها،والأبواب العتيقة ، والقباب، فهذه المكونات المعمارية للمدينة القديمة تترسخ في الذاكرة، وتفعل فعلها في الاختيارات الجمالية للفنان، فيستدعيها بطريقة لاشعورية عند ابتكار صور تجريدية لها، بغية خلق عالمه الموازي لعالم الأشياء المعروضة في الواقع.

إضافة لكل هذه العناصر المرجعية،هناك المتحف العراقي في بغداد الذي يضم عصارة الحضارات المتعاقبة، فوحده المتحف يولد لدى الفنان طاقة هائلة للإبتكار، والاستلهام، والتحاور الجمالي، والاستزادة من التدفق الروحي، والإشباع البصري، وتقوية الانتماء، والإحساس بالسند التاريخي.

يتميز الفنان فائق العبودي بهدوء يستضمرغلياناً، وحركية غير معلنة، تتجلى في تجافيه عن كل منجز، وكأنه قلق تجري من تحته ريح، وكأني به يردد مع المتنبي:

أريد من زمني ذا أن يبلغني

ماليس يبلغه من نفسه الزمن.

هذه الروح المتوثبة تنعكس في التنوع الذي يصاحب تجربته، التي يعكف على بنائها بتؤدة، ووعي جمالي، وفكري ضروري لإنضاج أعماله، ومنحها بعداً وجدانياً.

استطاع فائق العبودي أن يبتكر لنفسه أسلوباً خاصاً به لاتخطئه العين، قوامه تحقيق التناغم بين جمالية الرمز، والعلامة، واللون، وتنويع المساند، ومواد الإشتغال.

ينوع العبودي المواد، والخامات التي يشتغل عليها، بين خشب، وورق، وقماش، ويبحث عن تعتيق اللوحة إلى درجة أن المشاهد يتلبسه إحساس، وكأن هذه اللوحات أخرجت للتو من باطن الأرض، من ضمن لقى، وكنوز مطمورة، أعتقد أن هذا النزعة لتعتيق اللوحة يكمن من ورائها مفهوم فكري، حول مسألة الزمن التي حيرت العقل،وكانت محط تأمل فلسفي وأدبي وعلمي، كيف لنا أن نوقف سيلان الزمن الذي يجري ويجرنا معه؟ فجواب العبودي عن هذا السؤال المؤرق، هو الرصد الواعي لما يخلفه الزمن في الأشياء التي تبدو في اللوحة متآكلة، وباهتة، وممحوة، إن فعل المحي، والأثر يوظفهما العبودي بشكل فني يوازن فيه بين جمالية الأداء، وعمق الفكرة.

لقد هاجر العبودي من الشرق حيث الشمس، والعوالم العجائبية التي رصدتها مخيلة الكتاب المجهولين، للنص الخالد ألف ليلة وليلة ،إلى الغرب حيث تغرب الشمس، وكأنه في مهجره يحاكي مسار الشمس، التي ظل يحتفظ بها معه، فهو المقيم في سويسرا في لوزان تحديداً،إلا أن هواه الفني ظلّ مشدوداً إلى وجدانه، وذاكرته، التي تشبعت برموز، وعلامات حضارة عميقة، وسحيقة، فالرمز الذي تحفل به لوحة العبودي ضارب في القدم ،يحقق به مجموعة من الوظائف الجمالية والهوياتية.

فعلامات الكتابة السومرية هي في أساسها رسومات تجريدية، هذه العلامات مشحونة بعناصر هندسية، ويتم توظيفها كجزء بنيوي في اللوحة، باعتبارها رسماً، وتشكيلاً، يتغير كشف حجب الرؤية، وإزالة الرتابة، والألفة التي تحول دون رؤية البعد الجمالى لهذه العلامات ،ولو لم يتم فهم معناها فإنها تثير الدهشة، والاستغراب.

من العلامات المتواترة في لوحات العبودي ذلك الرمز الدال على الخصوبة المرتبط بعشتار وإنانا ، وقد تم اقتراض هذا الرمز في الثقافة الاسكندنافية، ولدى الأمازيغ في شمال افريقيا، وهو حرف الزاي لديهم، واتخذه الصوفية قديماً رمزاً للإنسان الكامل، بحيث تحول هذا الرمز إلى علامة كونية يشحنه كل شعب برمزيته الخاصة، والفنان العبودي استثمره جمالياً، وتعامل معه بطريقة جعلت منه مادة ينوع عليها أشكاله الفنية، وكأنه يسعى إلى استنفاذ كنهه، والغوص فيما وراء الحرف، فلوحات العبودي تحرر هذا الرمز بالتنويع فيه هندسياً، ويتخذ الرمز هيئات متعددة تتناغم مع اللون، الذي يوظفه العبودي بشكل مكثف،وينوع الأصباغ الحارة القوية، محدثاً بذلك نوعاً من الدهشة لدى المتلقي، فلوحة العبودي تراود المشاهد لتشبع عينه باللون، لذلك تحتشد اللوحة بالكامل، ولا تترك الفراغ،في رغبة ملحة لغمر القماش، أو الخشب، أو الثوب، أو باقي المساند الأخرى بالألوان. 

هناك شبه موسيقى هادئة تنبعث من ألوان العبودي، هدوء يحافظ للعين على راحتها، ليستدرجها لولوج النوافذ المطلة على عوالم الفنان، لترى كيف يصوغ الأشكال، أبواب مشرعة، رقُم في هيئة وسادات، لوحات توهم بالقدم مثل مخطوطات دبغها الزمن، وتآكلتْ بفعل التعرية، والكشط، زرابي مرقومة عليها آثار البلى، أعمدة مكتوبة بطريقة متاهية.

إذا كان كبار الفنانين الغربيين من أمثال فان غوغ، الذي اعتمد في بعض لوحاته الحرف الياباني، وأيضاً بعضاً من ثقافة اليابان لاعطاء لوحته بعداً غرائبياً، والانفتاح على الشرق من أجل أن يعطي فنه دافعاً تجديدياً، في لحظة عرف فيها الفن الغربي ركوداً، فإن العبودي استوحى ثقافته الشرقية المرتبطة بهويته ووجدانه، ليجعل منها رافداً فنياً لاينضب، وليقدم للغرب، وأيضاً للشرق شيئاً فيه طرافة، وجدّة، وخلق ألفة لدى المشاهد لعلامات، ورموز تحتاج إلى زمن كي تُقرأ وتفك شيفراتها، بهذا يحاول فن العبودي أن يروض عراقة العلامة في أشكال متجددة على الدوام لتبقى راسخة في ذاكرة المتلقي.

*كاتب وناقد ومترجم

المغرب

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك