اخبار العراق الان

عالم كورونا الجديد ١-٢

جريدة المدى
مصدر الخبر / جريدة المدى

المدارس والمطاعم والمقاهي، الجامعات تحولت الى العالم الافتراضي، وصار الأساتذة أشباحاً يعطون دروسهم عبر الأثير ومن خلف شاشات الحاسوب فقط. الناس محبوسون في بيوتهم خشية الاصابة بهذا الفايروس الذي لا تراه العين المجردة. ثمة هلع في الأسواق وصار الحصول على بعض البضائع أشبه بمعجزة. 

أنا من هؤلاء الكسالى، لم أخزن أي شيء في منزلي سوى طبقة بيض واحدة وعدد من أرغفة الخبز تكاد تنتهي غدا او بعد غد. يا له من عالم! أخشى أن نعيش قريباً أجواء مسلسل “الموتى السائرون”، حيث يقتل الناس بعضهم بعضاً من أجل علبة سردين نافدة الصلاحية. 

في الانثروبولوجيا الطبية Medical Anthropology، وهو اختصاص غزا الاكاديميات الغربية في الثلاثين سنة الأخيرة وصار حقلاً تم مأسسته أكاديمياً ليصبح واحداً من أهم الحقول التي تقدم داتا معلوماتية ثمينة للحكومات والمنظمات ذات الاهتمام بالمؤسسة الصحية والطبية، انهارت الحدود المعرفية بين الطب والانثروبولوجيا، فصارت الأخيرة تهتم بدراسة الأوبئة والامراض والظروف الصحية من توفر المستشفيات والأطباء والأدوية .. الخ وتأثيرها على نمط العلاقات الاجتماعية والثقافية للمجموعات البشرية التي تعيش في مكان واحد. تدرس هذه الانثروبولوجيا العكس أيضاً، أي تأثير السلوكيات المجتمعية والعقائد والثقافات بوصفها عوامل مهمة في صناعة الوعي الصحي على انتشار الأوبئة والامراض. 

فمثلاً، ما زال يمتنع جزء كبير من السكان الأصليين في أمريكا (الهنود الحمر) من أخذ اللقاحات الطبية لأسباب دينية وثقافية، وعندما تمتنع كتل بشرية كبيرة من اخذ اللقاحات، لن يكون خطر الإصابة بالأمراض شأناً خاصاً بهم فقط وانما سيتحول الى تهديد حقيقي لبقية الأعراق والقوميات التي تشاركهم أماكن سكناهم وعملهم ودراستهم. ففي الوقت الذي لا تستطيع فيه الحكومة فرض تلك اللقاحات على هذه المجموعة البشرية أو تلك، لا تستطيع ايضاً تجاهل خطورة الموقف على بقية المواطنين. لهذا تضطر مثلاً حكومة الولايات المتحدة الامريكية الى اتباع طرق غير مباشرة لفرض تلك اللقاحات على هكذا جماعات من خلال مثلاً عدم قبول الطلاب في المدراس ما لم يقدموا بطاقة اللقاحات التي توثق لقاحاتهم من اليوم الأول الذي ولدوا فيه. ومن لم يقدم هذه البطاقة، لن يقبل في المدرسة لأنه معرض للأمراض التي بدورها ممكن ان تنتقل الى بقية الطلاب أقرانه. 

واحد من اهم الانثروبولوجيين الطبيين العراقيين الحاليين هو الدكتور عمر الديوجي. كتابه أدناه Ungovernable Life طبعته جامعة ستانفورد وهي بالاصل اطروحته للدكتوراه في جامعة هارفارد. يتحدث الديوجي عن النظام الصحي العراقي منذ حرب عام 91 وكيف ان هجرة الأطباء وانهيار المؤسسات والمستشفيات الصحية منذ تلك الفترة قد أثرت بشكل كبير في الثقافة الصحية في العراق وتدني الوعي الصحي عموما. كان هؤلاء الأطباء جزءاً من عملية صناعة الدولة وواحداً من أهم مقوماتها في ظل نظام البعث السابق، ولكن بعد حرب الخليج، هرب الكثير من الأطباء بحثاً عن الأمان والوظائف في الدول المستقرة التي لا تستعمل الأطباء جنوداً في عملية صناعة الدولة والسلطة. فتراجعت بسبب هذا الامر الثقافة الصحية في البلد مقارنة ببداية الثمانينيات وظهور سلطة الدولة في فرض اللقاحات على الناس من خلال طرق عدة، أهمها الفرق الصحية الجوالة التي تطرق أبواب الناس وتعطيهم لقاحات الحصبة وما شابه.

انا الان أتابع ما يجري في العراق. ليس ثمة حكومة بمقدورها فرض حتى حظر تجوال حفاظاً على الناس من خطر الإصابة بفايروس كورونا، وليس هناك قوة في العراق اطلاقاً تستطيع منع عدد من الناس من زيارة ضريح او ممارسة طقس عبادي في حال أمرهم بذلك رجل دين مثلاً. كلنا نعرف هذا. لكن مع ذلك، ثمة انقلاب واضح عند الكثير من المتدينين الذين حتى الشهر الماضي كانوا يعيبون على مَن يحذّر من خطورة فايروس كورونا ويسفهون كلامه بهاشتاكات عاطفية “فطيرة” مثل “لا تلبس كمامة” .. “علي الحافظ” .. “لا تنشر الهلع”، وغيرها الكثير. اليوم نفس هؤلاء يقولون “لا تستخف بالفايروس” .. “ابقى في بيتك”!! 

لهذا التحول أسباب تخبرنا عنه الانثروبولوجيا الطبية من بينها ان هكذا فصيلة من البشر لا تفكر مع الأوبئة وفقا لنظرية الخيار العقلاني Rational Choice Theory وانما تقع دوما تحت تأثير العوامل الدينية والثقافية التي تحيط بها. ما دام هناك مرجع ديني نوّه لعدم إقامة التجمعات الدينية وصلوات الجمعة والزيارات في هذا الوقت، ستجد الكثير من هؤلاء المتدينين يشتمون الزوار وسيتحول الهاشتاك عندهم بسرعة البرق من “لا تنشر الهلع” الى “ابقى في البيت”. لم يكونوا يفعلوا هذا لو كان رجل دينهم الذي يتبعون دعا الى هذه الزيارات في زمن الكورونا. نفس الشيء، ما دام هناك بالمقابل رجل دين معتوه حُشِرَ خطأً في القرن الواحد والعشرين يغالي في تشجيعه على التجمعات والزيارات في زمن الأوبئة كي يثبت فقط أنه الأكثر حرصا على شعائر الدين من رجال دين آخرين يكبروه عمرا وعلما وحكمة، فسترى كميات كبيرة من البشر تتحدى السلطات وتذهب نحو ضريحها تحت هاشتاكات من قبيل “الكاظم هو الحافظ”. هذا السلوك الديني المخالف للعقل والمنطق والفطرة البشرية ليس مقتصراً على دين معين، وانما هو عناد الجهلة الذي تتقاسمه جميع الأديان بمستويات مختلفة ودرجات متعددة. ثمة راهب قبطي مصري جمع عددا كبيرا في صلاته الكنسية قبل أيام فقط ليقول لهم “وحدها الصلاة في الكنيسة تمنع عنكم فايروس كورونا”! أنه يمارس ذات الدور الذي مارسته المؤسسة المسيحية في أوروبا ابان انتشار الطاعون والتي كان باباواتها يقولون “لا يدخل الطاعون بيوت الله”، وكانت النتيجة ان الطاعون قصف ثلثي بيوت الله في أوروبا وقتل رهبانهم الكبار واحدا تلو آخر.

رجل دين كبير وعضو مجلس خبراء القيادة في ايران أصيب بالفايروس فسخر من هذا الفايروس ومن المهوّلين بأنه أكل من تربة الامام الحسين وها هو ذا يشفى ويشعر بتحسن، وان الشفاء يحتاج الى ايمان فقط. توفي بعد يومين من هذا التصريح!

رجل دين آخر اتهم الصين بانها تجبر المسلمين على شرب الخمر وتهاجم نقاب المسلمات فما كان من الله الا ان يسلط عليهم وعلى حكومتهم الكافرة فايروسا يفتك بهم. ما هي إلّا أيام فقط وأصيب هذا الرجل بالفايروس ليُنقل الى محجره الصحي بعدها وهو يقول الحمدلله على هذا البلاء لأنه رحمة من الله! كان هذا الفايروس قبل أيام فقط نقمة وغضب على الصينيين لكنه تحول فجأة الى رحمة من الله! هل كان رجل الدين هذا كافراً يجبر الآخرين على شرب الخمر حين أُصيبَ بالمرض! أنا شخصياً أتمنى له الشفاء العاجل وبأسرع وقت ممكن. لكنني أتمنى فعلاً ان ينتهي هذا الخطاب الديني البائس الذي لا يفسر طبيعة الكوارث والبلاءات على الأرض إلّا بثنائية الغضب والرحمة، غضب من الله عندما تقع هذه الكوارث بحق الآخرين، ورحمة واختبار منه عندما تقع بحقنا.   

عالم كورونا الجديد هذا يستحق المعاينة بعيون معرفية فاحصة بعيداً عن خزعبلات الدين. كيف سنعيش حياتنا فيما لو استمر تهديد الفايروس مدة طويلة؟ كيف ستغدو طبيعة علاقاتنا الاجتماعية؟ هل سيكون عالم ما بعد كورونا نفس عالم ما قبله؟ هل سيشفع لنا الدين في مواجهة الفايروس على الأرض؟ أم اننا جميعاً كائنات بلا حيلة أمام ورطة الطب وقصورها في إيجاد العلاجات واللقاحات!

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

جريدة المدى

جريدة المدى

أضف تعليقـك