العراق اليوم

ازدواجية الشخصية العراقية هي نتاج القيم المائية

الاخبار
مصدر الخبر / الاخبار

ملخص:
هذه الدراسة عن ازدواجية الشخصية العراقية تهدف الى كسر الفكرة الشائعة على أن ازدواجية الشخصية العراقية هي نتاج الصراع بين قيم البداوة وقيم المدينة. ومن مؤسس هذه النظرية هو الدكتور علي الوردي.
. ازدواجية الشخصية العراقية بكل ما تحمله من معاني هي خاضعة لقوانين المياه. تفرض عليه شحة المياه الترحال المستمر وطريقة عيش بسيطة ومنظومة من القيم والأخلاق التي تضمن بقاءه، فقوانين الماء الشحيح تولد الشخصية البدوية ومجتمع البداوة. اما اذا كان الماء متوفر، فيعكس خيره وربيعه على البيئة ومنها الانسان، فتفرض عليه قوانين المياه المتوفرة حياة الاستقرار والهدوء وتنتج شخصية معتدلة غير متطرفة ومسالمة مثل الشخصية المصرية والمجتمع المصري.اما اذا كانت المياه اكثر من متوفرة وتسبب الفيضانات والتلف المادي والبشري، فقوانين المياه تفرض عليه نمط من الحياة التي تضمن بقاءه وتحافظ على وجوده وتولد شخصية ازدواجية غير مستقرة تحمل في ثناياها ثنائية التهديد والمخاطرة مثل الشخصية العراقية والمجتمع العراقي.
المقدمة:
يهدف هذا البحث الى كسر الفكرة النمطية عن ازدواجية الشخصية العراقية، والى اظهار بعض الجوانب الخفية التي لم تعطى الاهتمام المناسب والحقيقي لها من قبل الباحثين والذي سبب ضبابية وعدم رؤية واضحة في فهم حقيقة مصادر ازدواجية الشخصية العراقية.
هذه الدراسة ترى أن تراث وثقافة الماء ـ وليست الصحراء ـ تمثل قاعدة ملموسة بالغة الأهمية في الثقافة ومنظومة القيم للشخصية العراقية؛ لأن الماء المكون الأساسي لبنية المجتمع العراقي في المجالات العلمية والمعتقدات الروحية من الأساطير والديانات السماوية. 
يُعد الماء أهم عنصر لاستمرار حياة الكائنات الحية بعد الهواء، فهو يشكل أكثر من 70 % من جسم الإنسان ومن سطح الأرض، لذا فان أغلب الحضارات على مدى التاريخ ابتداءً من حضارة بلاد الرافدين والفرعونية والاغريقية والرومانية والاسلامية في الأندلس وبغداد، والامبراطوريات الحديثة من التركية والانكليزية والأمريكية حالياً جلها بنيت على الماء. 
إن للماء تراث وثقافة يعكسها على المجتمعات المحيطة به، ولا يختلف المجتمع العراقي من المجتمعات الأخرى، من حيث ان الأرض التي يعيش عليها هي التي تشكل سمات شخصيته الأساسية، فالموقع والمناخ، وما تنعم عليه الطبيعة من وفرة المياه، هي حقائق ثابتة، تحدد قيمه ومسار تطوره وترسم له وجهة معينة، لذلك سوف نبدأ دراستنا عن ازدواجية الشخصية العراقية من هذه النقطة أي من البيئة الجغرافية المائية للعراق.  
تراث وثقافة الماء في العراق القديم والحديث نظمت على أساس تلبية الاحتياجات البشرية وتلبية قدراتها على التكيف مع التطور ومخاطر الفيضانات والغزوات الخارجية، وولدت منظومة القيم العقلية والروحية، من اكتشاف علوم الرياضيات والفلك والهندسة لإدارة وتوفير ونقل وخزن الماء، وبناء السدود والترع، اضافة الى اصدار الشرائع والقوانين لتنظيم المياه وفك النزاعات، وكان مألوفا أن يكرس كل الملوك والحكام في العراق جل اهتمامهم للمياه ونظم الري، وللحفاظ على نسق الضبط الاجتماعي خلال فترة الحكم العثماني، ازدادت مكانة مؤسستين أو مرجعيتين في العراق وهما: المرجعية القبلية، والمرجعية الدينية، وان اختلفتا خارجياً إلا أنهما متجانسان داخلياً، مرجعية القبيلة لتعوض عن الحاكم، والمرجعية الدينية لتعوض عن الدولة الحامية، ونرى ذلك بوضوح بعد سقوط الدولة العراقية نتيجة الاحتلال الأمريكي للعراق في 2003ميلادي ولا نرى مثل هذه الثنائية في أية دولة اقليمية مجاورة إلا في العراق.
كذلك فإن للماء تراث وثقافة في الصحراء تعكسه غلى المجتمع البدوي، فالبداوة تقليد ثقافي عربي على وجه التحديد يمثل الماء العنصر الهيكلي في حياة البدو الرحل ونصف الرحل، فقلة كمية الأمطار، وقلة انتظامها، وقصر المراعي، تفرض على البدو التنقل المستمر بحثاً عن الكلأ وفرض عليهم الماء نمط تقليدي من حياة الزهد وبساطة العيش والاكتفاء بما هو قليل والاحتفاظ بما هو اساسي للحياة وما هو خفيف للنقل والترحال، وكذلك فرض الماء نظام اجتماعي وحدته واساسه القبيلة، وقيم خاصة من الكرم، والشجاعة، والمروءة. 
في هذه الدراسة ليس الهدف منها قبول او نفي صفات الشخصية العراقية التي وصفوفها المهتمين في علم الاجتماع وخاصة من العراقيين، بل دراستها كظاهرة اجتماعية لا يمكن تحديدها بعامل واحد بل هناك عدة عوامل تدخل في تركيب هذه الشخصية والاختلاف في ترتيب الأولويات دون اهمال العوامل الأخرى، كما لبيئة الصحراء فرضت على البدوي تقاليده وعاداته وهذه ليست قائمة بحد ذاتها بل هي وليدة البيئة، كذلك العراق يورث ابناءه قيم وثقافات مصادرها المياه والهضاب والصحراء. 
استخدمنا في هذه الدراسة المنهج المقارن، أي لكي تكون الدراسة علمية يجب ان نقارن العراق ببلد شبيه له، واخذنا مصر وقارنا الشخصية المصرية بالشخصية العراقية للتشابه التاريخي والجغرافي بين مصر والعراق ومن خلال هذه المقارنة نستطيع ان نحدد مصادر ازدواجية الشخصية العراقية.
في الدراسات غير الأكاديمية وغير العلمية يسودها مفهوم الولاء والبراء، أي مثلاً أما مع علي الوردي او ضده، فالدكتور علي الوردي جاء بفرضية واخذها الآخرون كنظرية علمية، وما يميز النظرية العلمية، تكون علمية عندما تكون لها القدرة على تفسير وتوضيح كبير لظاهرة أو ظواهر متعددة وتفسيرها بأفضل طريقة بحيث تكون سهلة الادراك وواضحة، ومما يميز النظرية العلمية كذلك، بأن تكون قابلة للرفض والتغيير والا لم تكن نظرية علمية(1). فلولا نظرية أو فرضية علي الوردي، لما جاهدنا في ولادة فرضية أو نظرية جديدة وهي القيم العراقية حصيلة المياه وليست حصيلة الصحراء.
ومن الممكن القول بأن الشخصية العراقية تتكون من عجينة من الطين الحري السومري تتمازج فيها مكونات كثيرة متناثرة متقاربة ومتباينة.  
البداوة محور اهتمام كثير من الباحثين:
كان موضوع الصحراء والبدو محور اهتمام العديد من البحاث، وأفضل ما كتبوا عن البداوة وعن قيمهم واسلوب معيشتهم هم الرحالة والمستشرقين الأجانب، وبعضهم عاش معهم لسنين عديدة، وكتبوا مؤلفات وابحاث ودراسات حقلية ولا زال الكثير منها لم يترجم للعربية، كتبت جاكلين بيرين كتاب  (اكتشاف جزيرة العرب 1958)(2)، وكيرنان في كتابه (كشف اللثام عن جزيرة العرب1937)(3)، والأديب الفرنسي مونتين  (حضارة الصحراء1947)(4). ومن أفضل من كتب عن التقاليد البدوية وحالة الازدواجية الشخصية وفي ثلاث مجلدات هو الرحالة أوبنهايم في 1937 في كتابه ( البدو) ويقول: أظهر ما في الأعراب هو أنهم جماع الأضداد، فالنهب والكرم، والسلب والجود، والقسوة والنبل(5)، كذلك الرحالة أليوز موزيل، في كتابه الشهير  (أخلاق البدو1928)، ويتكلم عن ازدواجية الشخصية البدوية وهو عاش مع بدو الجزيرة وسلك سبيلهم في خشونة العيش ولقب بالشيخ موسى الرويلي نسبة الى عشيرة تنتمي الى قبيلة عنزة(6).
اما في العراق، فرواد علم الاجتماع في العراق وهم علي الوردي، عبد الجليل الطاهر، شاكر مصطفى سليم، حاتم الكعبي، ابراهيم خليل علاف، وغيرهم، وضعوا اللبنات الاولى لعلم الاجتماع في العراق، كل هؤلاء القوا نظرة خاصة على طبيعة الفرد والمجتمع العراقي، علي الوردي بنى نظريته على ان الفرد العراقي يقع  تحت تأثير نظامين متناقضين من القيم والمفاهيم (يقصد بها صراع قيم البداوة مع قيم المدينة)، مما يجعل سلوكه متناقضا(7). اما عبد الجليل الطاهر بنى افكاره على اساس ان الفرد العراقي مجموعة من الولاءات، الأمر الذي يؤدي الى حدوث الصراع النفسي والتي تتوزع بين القبيلة والطائفة والدين والحزب والعائلة(8). اما متعب مناف، فيعزو ازدواجية الشخصية العراقية الى المحيط العربي الاسلامي وكل منهما له قيمة خاصة(9). واخيراً أصدر قاسم حسين صالح كتابا سماه  الشخصية العراقية من السومرية  الى الطائفية(10). اما باقر ياسين، فقد بنى نظريته على أن شخصية الفرد العراقي تتميز بالثلاثي وهي، التناقض والتسلط والعنف(11). 
بصورة عامة هذه الدراسات توحي للقارئ بنواقص الشخصية العراقية ويسلط الضوء على الاعتلال النفسي والسلوكي وان كانت نواياهم علمية اكاديمية هي النقد الذاتي واصلاح الفرد والمجتمع، ولقد أظهروا الشخصية العراقية شخصية تبحث عن النزاعات الدموية، والعنف، والانشقاق، والهيمنة، والتسلط، والقسوة، وشخصية صعبة الطباع والانصياع، وسهلة التمرد والخيانة، أي بمعنى آخر: يرسمون صورة شبه معتمة لشخصية الفرد العراقي وكأنها شخصية مضطربة نفسياً.
إن أول من كتب وقال عن ازدواجية الشخصية العراقية هو الدكتور علي الوردي في محاضرة القاها في منتصف الخمسينات من القرن الماضي قال فيها: لجغرافية العراق أثر في تكوين الشخصية العراقية فهو بلد يسمح ببناء الحضارة بسبب النهرين ولكن قربه للصحراء جعل منه عرضة لهجرات كبيرة عبر التاريخ آخرها قبل 250 سنة، فازدوجت قيم البداوة والزراعة وان كنت غير واثق من هذه الدراسة لكن توجد قرائن: ان العراقي اكثر من غيره هياما بالمثل العليا، واكثر الناس انحرافا عنها، واقل الناس تمسكا بالدين، واكثرهم انغماسا في النزاع(12). وقد اعطى علي الوردي مصدر هذه الازدواجية هي الصراع بين قيم البداوة التي ورثها العراقي مع قيم المدينة وسماها التناشز.
أهم الاشكالات في نظرية علي الوردي:
1ـ عندما نقول ازدواجية الشخصية العراقية، هل المقصود منه كظاهرة اجتماعية عراقية تخص الأفراد من محافظة دهوك مرورا بأربيل وكركوك ووقوفا عند جنوب العراق الفاو؟
أم تشمل هذه الظاهرة مجموعة من العراق اما العرب، او الكرد، او التركمان، أم المسلمين فقط، أو الرجال دون النساء؟ 
أم هي ظاهرة اجتماعية فردية تتمثل في عدة أفراد؟
2ـ يحصل خلط كبير بين ازدواجية الشخصية العراقية، وبين انفصام الشخصية العراقية، والاثنان هما أمراض نفسية لكن انفصام الشخصية تحدث في واحد من مليون شخص، اما الازدواجية تحدث واحد بعشرة آلاف من الناس حسب التقارير الطبية، لانها اضطرابات نفسية حصل في الصغر نتيجة اضطراب جسدي أو عاطفي أو سلوكي(13).
3ـ عدم وجود بيانات رسمية عن عدد المهاجرين للعراق كانوا أفراد أو جماعات، هجرات قسرية كانت أو طوعية، من الجهة الغربية من العراق ام من الجهة الشرقية والشمالية، فحسب الدراسات الانثروبولوجية، كل جيل من المهاجرين يفقد ثلث من موروثه الثقافي والقيمي، أي بعد الجيل الرابع لا يحتفظ الأفراد من اصول مهاجرة بقيم اجدادهم الأولين (14). فإذا اعتبرنا ان عمر كل جيل هو ثلاثون سنة، معنى هذا بعد مائة عام لا يبقى وجود لقيم البداوة في العراق.
4ـ لماذا أصبح التركيز على الجانب الغربي من العراق أي حدوده مع الصحراء والتي تقدر حوالي 900كيلومتر، وهذه الصحراء تحجزها عن العراق نهر الفرات، بينما يهمل تأثير حدود العراق مع ايران وتركيا والتي تقدر حوالي 1700 كيلومتر، ولا توجد حواجز مائية، اضافة الى ذلك حكمت كل من ايران وتركيا العراق قرون عديدة وتركوا ارثاً تاريخياً وثقافياً كبيراً، فلماذا لم يأخذوها بنظر الاعتبار في الدراسات الاجتماعية ومنها ازدواجية الشخصية العراقية؟
المقارنة بين العراق ومصر:
يقول العالم الاجتماعي الفرنسي ايميل دوركايم: المقارنة هي الأداة المثلى للدراسات الاجتماعية(15). فلقد استخدمنا منهج المقارنة في هذه الدراسة للظاهرة الاجتماعية وهي ازدواجية الشخصية العراقية لإبراز أوجه الشبه والاختلاف بين البلدين، ونعتمد من خلال ذلك على مجموعة من الخطوات من أجل الوصول الى الحقيقة العلمية المتعلقة لهذه الظاهرة وهي ازدواجية الشخصية العراقية. 
1ـ أوجه الشبه بين العراق ومصر: 
أ. من الناحية التاريخية: كلاهما يمثلان حضارات قديمة امتدت لآلاف السنين وهي حضارة وادي الرافدين في العراق، والحضارة الفرعونية في مصر. 
فالشخصية العراقية والمصرية تأثرت بالحقب المتتالية للحضارات التي عاصرتها كل من العراق ومصر، والتي تمثلت في العراق بالحقبة السومرية والبابلية والأكدية والآشورية واليونانية والفارسية ثم الحقبة الاسلامية بمراحلها المختلفة، وفي هذه المراحل المتتالية غير العراق والعراقيون من لغتهم وديانتهم ثلاث مرات، فكانت أولا اللغة السومرية الأكدية بحروفها المسمارية، ثم يغير العراق لغته الى السريانية الآرامية وقد صاحبها تغيير للديانة المسيحية، ومع دخول العرب الى العراق في سنة 633 ميلادي والتحول للإسلام ثم أصبحت اللغة العربية هي اللغة التي يتكلم بها معظم العراقيين.
 كذلك مصر مرت بنفس الظاهرة التاريخية، فتأثرت الشخصية المصرية بالحقبة الفرعونية بمراحلها المختلفة وما تلاها من الحقبة اليونانية والرومانية ثم الاسلامية بمراحلها المختلفة وفي هذه المراحل غيرت مصر لغتها وديانتها ثلاث مرات مثل العراق، فكانت أولا اللغة المصرية القديمة بحروفها الهيروغليفية، ثم غيرت مصر لغتها الى اللغة القبطية وقد صاحبها تغيير ديانتها للمسيحية، ثم تحولت للإسلام وتغيرت لغتها الى العربية وصاحبها تغيير الدين الى الاسلام.
ب. من الناحية الجغرافية: تميزت كل من العراق ومصر بقيام حضاراتها عند الأنهار ومنها نهري دجلة والفرات في العراق، ونهر النيل في مصر. 
فتحيط بالعراق الصحراء من الجهة الغربية وتمثل الصحراء حوالي 55 بالمائة من المساحة الكلية للعراق، ويمر نهري دجلة والفرات من شماله الى جنوبه وكل ينابيع الأنهر والروافد تأتي من تركيا وايران حاملة معها ثقافات هذه الشعوب وتصب في العراق في جنوبه. ومن الشرق يحد العراق مع ايران بحدود حوالي 1400 كم ومن الشمال تركيا بحدود 300 كم، ومن الجنوب يطل العراق على حوض الخليج العربي . هذه التضاريس المختلفة والمتنوعة من هضاب، وجبال، وانهار، وصحراء انعكست على كافة صور حضارة وادي الرافدين وعلى التركيبة النفسية للإنسان العراقي فوجد في نفسه تشابها في العادات والتقاليد والثقافة من ناحية المأكل والمشرب والملبس والفن مع كثير من الشعوب الأخرى، أي الفارسية والتركية والبدوية والخليجية. نجد مثلا لسكان الموصل وسكان حلب في سوريا تشابه كبير، كذلك لسكان البصرة وسكان الكويت ودول الخليج تشابه كبير، كما لأكراد اربيل والسليمانية تشابه كبير مع أكراد تركيا وايران. كذلك مصر ينبع نهر النيل من أثيوبيا وتنزانيا حاملا معه ثقافات الشعوب الأفريقية ويصب في مصر. يمر نهر النيل من وسط الصحراء التي تمثل حوالي 90 بالمائة من المساحة الكلية لمصر، ومن الشمال يحدها البحر الأبيض المتوسط. كذلك مصر مثل العراق، هذه التضاريس المختلفة من البحار والأنهر والصحراء والسهول تركت بصماتها على كافة صور الحضارة المصرية وعلى التركيبة النفسية للإنسان المصري. فوجد في نفسه تشابها مع كثير من شعوب البحر الأبيض المتوسط ، فمن يدرس بتمعن التركيبة النفسية وعادات وتقاليد وثقافة وفن سكان الاسكندرية وبورسعيد ودمياط ليجدها تتشابه الى حد كبير مع سكان قبرص ومالطا واليونان وتركيا وغيرها من الدول العربية المطلة على البحر. اضافة الى ارتباط سكان الجنوب بالثقافة والفن الأفريقي.
2. أوجه الاختلاف بين العراق ومصر:
يروي الموسوعي العراقي مير بصري أن عميد الأدب العربي طه حسين سأل الشيخ محمد رضا الشبيبي وهما يتحاوران في احدى جلسات المجمع العلمي المصري: لماذا كان العراقيون دائما ثائرين لا يستقرون على حال ولا يرتضون حاكما؟ فقد قرأت  في تاريخ العراق منذ الفتح الاسلامي حتى الآن، وقلما وجدت حقبة خالية من الفتن والقلاقل؟ 
أجابه الشيخ الشبيبي بسؤال أغاظ طه حسين وقال: أتسمح بأن اسألك أنا أيضا؟ لماذا كان المصريون دائما خانعين خاضعين؟ لقد قرأت تاريخ مصر منذ الفتح الاسلامي وقبله أيضا دائما يسترضون حكامهم مهما جاروا وطغوا لكل متحكم فيهم حتى شجرة الدر؟(16). 
هذه الرواية تكشف بوضوح ـ ان صح فيها القول ـ بأن الشخصية العراقية شخصية متمردة ثائرة غير مطيعة على عكس الشخصية المصرية مطيعة غير متمردة وسهلة القيادة. 
حتى وان لم تذكر هذه الرواية، فالشخصية العراقية لها ميزتها وهويتها غير الشخصية المصرية المتعارف عليها منذ ان دخلها عمر ابن العاص خلال الفتح الاسلامي. 
إذن فما هو السبب؟
إن مصر تمثل الصحراء فيها حوالي 90 بالمائة من مساحتها وتحيط بنهر النيل من شرقه وغربه، وتحوي على مجاميع كبيرة من القبائل البدوية ويقدر عددهم حالياً بأربع ملايين بدوي رحل منهم بدو السويس، وبدو الشرقية، وبدو سيناء، وبدو مطروح وفي جنوب مصر يوجد 10 ملايين من البدو الرحل في السودان. 
بينما في العراق، الصحراء اصغر بكثير من مصر حيث تمثل حوالي 55 بالمائة من العراق، وهي محجوزة بمانع طبيعي هو نهر الفرات غربا وحسب مهدي العلاق رئيس الجهاز المركزي للإحصاء في العراق، ان التعداد السكاني في العراق الذي أقيم في عام 1997 أظهر وجود 100 ألف بدوي، ويؤكد العلاق أن هذا العدد في تناقص كبير(17). 
فإذا كانت مصر محاطة بالصحراء اكبر بكثير من العراق،  وهجرات البدو مستمرة ولا مانع امامها مثلما موجود في العراق، فالمفروض ان تكون الشخصية المصرية هي التي تعاني من الصراع بين قيم البداوة والمدنية وليس العراق؟ وان تكون الشخصية المصرية اكثر خشونة من الشخصية العراقية؟
لكن ما نراه هو العكس تماماً، إذن يجب ان نبحث في عامل آخر غير هذا العامل، وهو المياه.
إن العراق يشتهر بنظامه النهري الكبير، والذي يتكون من نهرين هما: دجلة والفرات، ومن عدة روافد وهي، الزاب الكبير والزاب الصغير، ونهر العظيم، ونهر ديالى ونهر الكارون. إذ يبلغ طول نهر دجلة 1468 كم، وطول نهر الفرات 1213 كم، والزاب الكبير 402كم، والزاب الصغير 400كمن ونهر ديالى 445 كم، ونهر العظيم 230 كم. وفي جنوبه أهوار  كبيرة ومتعددة وترتبط بالخليج. طول الشبكات المائية في العراق عدى الأهوار تقدر 3678 كم لمساحة تقدر 437072 كم مربع. 
اما مصر، فلها نهر واحد هو النيل والذي يبلغ طوله 1530 كم ولا يحوي على روافد، لمساحة مليون كيلومتر مربع. فإذا قارنا العراق بمصر من حيث الاحتواء المائي لوجدنا ان العراق يحتوي على اكثر من أربعة اضعاف من الماء مقارنة بمصر. وبما ان للماء تراث وثقافة، فتأثيرها يكون أكبر في العراق مما عليه في مصر. 
فهل كمية المياه هي السبب الوحيد ونحن نعلم أن مصر مطلة على البحر الأبيض المتوسط؟ طبعا هناك سبب آخر مهم وهو الفيضانات المدمرة.
في مصر يعود فيضان النيل بفوائد ايجابية لمصر لأنها تخصب التربة بتوفيرها بنقصان من مواد مغذية، ويأتي الفيضان في نهاية فصل الصيف أي خلال منتصف شهر آب، ويحتفل المصريون به كعيد سنوي لمدة اسبوعين  ويسموه بوفاء النيل، وهي دورة طبيعية سنوية هامة منذ العصور القديمة وتحتفل به ايضا الكنيسة القبطية.
اما في العراق، فالفيضان يعتبر كارثة تصيب العراق قديما وحديثا. فقد أبتلى سكان العراق بها منذ عصر فجر السلالات حتى سبعينات القرن الماضي وفي مدد متقاربة، وكانت تأثيراتها ونتائجها سيئة على حياة العراقيين وتسبب خسائر مادية من ضياع المحاصيل وتلفها، وخسائر بشرية غير قليلة فضلا عن تفشي الأمراض بين السكان، وفي عام 1831 صاحب الفيضان انتشار مرض الطاعون. أي لحد سبعينات القرن الماضي، ويعتبر الفيضان من أبرز التحديات للمجتمع العراقي لأنها تحدث في فصل الربيع أي في منتصف شهر نيسان وقبل حصاد المحاصيل الزراعية.
في مصر المياه نعمة وبشرى بقدومها، بينما في العراق المياه،  نعمة ونقمة، خير وشر في آن واحد،  تحي الأرض بعد موتها وتميت النسل والحرث، بشرى بقدومه ولعنة على حلوله، تطفي ظمأ العطشان وتغرق الزرع والحيوان، تعمر وتخرب، تبني وتهدم. تراث وثقافة الثنائية في مياه العراق عكست غلى ثقافة وسلوك المجتمع العراقي  في الشيء ونقيضه، وهي بنية ازدواجية الشخصية العراقية. 
لدعم هذه الفرضية سوف نأخذ ثلاثة عينات بحثية للمقارنة بين العراق ومصر.
المثال الأول: هو الامام الحسين(ع): رأسه في مصر وجسده في العراق. في عيون العراقيين، الامام الحسين يمثل صورة الثائر الخالد الذي يقض مضاجع الطامعين والطغاة على مدى العصور. وينادون الحسين بثأر الله وابن ثأره، ويا لثارات الحسين، فهو رمز لثوراتهم وخاصة الشيعة منهم.
اما الامام الحسين في عيون المصريين، هو رمز محبة أهل البيت، وهو شفيعهم يوم القيامة وهو حبيبهم وينادوه، مدد يا حسين مدد، مدد بلا عدد، مدد يا حامي مصر، مدد يا نور عيون مصر. فارتبط أهل مصر بالإمام الحسين بالمحبة والعشق.
المثال الثاني: المقارنة الأدبية والشعرية بين العراق ومصر: سوف نقارن بين شاعرين عراقيين وهما معروف الرصافي، وصدقي الزهاوي العراقيان مع شاعرين مصريين وهما أحمد شوقي، وحافظ ابراهيم المصريان.
كان كل من شوقي أمير الشعراء وحافظ ابراهيم شاعر النيل يكيلون المدح لملك مصر، على عكس الرصافي والزهاوي فقد كانا يذمان البلاط الملكي العراقي علماً بأن ملك العراق فيصل الأول كان من أكثر ملوك العرب تقشفاً وزهداً، وعلماً بأن أصول كل الشعراء ممن ذكرنا أبا واما أصول غير عربية تركية او كردية عدى حافظ ابراهيم كان اباه عربي وأمه تركية. 
فرغم التجانس والتشابه في الأصول والتربية العائلية  الا أن الشعراء العراق يسلكون سلوك الثائر المتمرد على عكس شعراء مصر يسلكون سلوك الطائع المطيع، وهذا يؤكد مفهوم الحوار الذي دار بين طه حسين والشيخ الشبيبي.
المثال الثالث: المقارنة بين كاتب وصحفي مصري حسنين هيكل مع كاتب وصحفي عراقي حسن العلوي.
هيكل كان رئيس تحرير صحيفة الأهرام، والعلوي كان رئيس تحرير مجلة ألف باء. وشهدتا كل من الأهرام والف باء لمعاناً كبيراً. كذلك هيكل والعلوي كان كل منهما صحفيا متمرسا ومثقفا ذاع صيتهما محليا وإقليميا ودوليا. هيكل والعلوي اتقنوا لعبة الصحفي في خدمة السياسة، كما اتقنوا أن يكون السياسي في خدمة الصحفي. 
أصبح هيكل بعد ثورة يوليو 1952 في مصر الصحفي المقرب من جمال عبد الناصر، كما أصبح العلوي في 1975 الصحفي المقرب من صدام حسين. رغم هذا التطابق والتشابه الكبير بين هيكل والعلوي من الناحية المهنية الا أن هناك تفاوت كبير في طريقة سلوكهما.
الذي يميز العلوي عن هيكل هو الازدواجية في شخصية العلوي بارزة كثيراً بمقارنتها بهيكل. فهو أي العلوي، ضد عبد الكريم قاسم رئيس وزراء العراق وبعد الاطاحة به في انقلاب 1963 كتب العلوي كتابا أنصف فيه عبد الكريم قاسم. وقد كان مع صدام حسين وأصبح ضده، وكتب كتاب العراق دولة المنظمة السرية. كان مع الشيعة وكتب كتابا رائعا لم يكتبه أحد سابقا وهو الشيعة والدولة القومية، وأصبح ضد سلوك الاسلام السياسي الشيعي وكتب كتاب شيعة السلطة. فهو شخصية مركبة من الشيء ونقيضه. هذه الشخصية المركبة لم تلد من الوعي الفردي بل من اللاوعي الفردي الذي ورثه من تراث وثقافة مياه وادي الرافدين.
اما حسنين هيكل، لم نجد في شخصيته هذا السلوك المتناقض، فقد كان مع عبد الناصر في حياته ومماته، وكان ضد الرئيس أنور السادات في حياته وبعد مماته ومن أشهر كتبه هو خريف الغضب.
هذه العينات البحثية تعزز من فرضية مصادر ازدواجية الشخصية العراقية هي التراث والثقافة المائية وليس لقيم البداوة من مكان فيها.
لقد وجدت أيضا هناك تشابه بين العراق وولاية تكساس الأمريكية، فخارطة تكساس تشبه لحد كبير الى خارطة العراق. من الجنوب تحدها خليج المكسيك. ومن الغرب المكسيك. ولاية منتجة للنفط وتنتج 3 ملايين برميل يوميا في 1972. وفيها نهر برازوز الذي يبلغ طوله 2060 كم، ونهر سابين طوله 893 كم، ونهر نيشيز طوله 885 كم. 
درجة حرارة الصيف تصل الى 49 درجة مئوية، اما الشتاء ناقص 4 درجة مئوية، وتعتبر من أكثر الولايات تعرضا للفيضانات والأمطار الغزيرة والتي تؤدي الى اغراق مدنها باستمرار ومنها العاصمة هيوستن ومدينة سان أنطونيو. وكان أكبر تحدي للسكان هو الفيضان وانعكس هذا التحدي على سلوك السكان هناك، وأفلام هوليود للكابوي هي شاهد على ذلك. وفي هذه الولاية اغتيل الرئيس الأمريكي جون كندي عام 1963.
أهم ما يميز مجتمعات المياه عن مجتمعات البدو الرحل:
البداوة، تعني  البدء، أي بدء الحياة البشرية، أي الحياة البدائية للإنسان، هي حياة تتميز بالتكرار بما فعله الآباء والأجداد منذ آلاف السنين، حتى القرآن الكريم ذم هذه الصفة ـ صفة التكرار ـ بقوله تعالى (( قالوا بل وجدنا آبائنا كذلك يفعلون )) سورة الشعراء آية 74. 
إن هذه البيئة ولدت مدرسة الحديث في المدينة المنورة وهم أهل النقل، اما مجتمع المياه وهو المجتمع العراقي، مجتمع الحداثة والابداع، فولدت الشخصية العراقية شخصية ذو قيم عقلية مبدعة، اكتشفت الكتابة والتدوين وولادة الأساطير والأديان، فولدت مدرسة الرأي في الكوفة وهم أهل العقل.
هناك صفة أخرى لا توجد في المجتمعات البدوية وهي التهديد والمخاطرة. المجتمع البدوي لا يخاطر في حياته حين يرى هناك تهديد. فسموا النهر نهراً لأنهم ينهرون ابناءهم من عبوره، واعتبروه مانعاً جغرافيا يقفوا عند حدوده، واعتبروا النهار نهارا لأنهم ينهرون ابناءهم من خطر لفحة الشمس، واعتبروه مانعا زمنياً. 
اما العراقيون، يعيشون في أرض مشاعة للفيضانات المدمرة والغزو، واعتاد العراقيون على تقبل بأس الطبيعة المخيف والبشر تقبلا قدريا فضلا عما لديهم من طاقات وابداعات فكرية وعقلية علمية عالية، سمحت لهم بالخروج من هذه الكوارث لكي يبدؤا حياة جديدة.  إن التهديد والتحدي والمخاطرة جعلت العراقيون متمسكين بأرضهم واعتبروا التحدي وسيلة للإبداع والحداثة كما اتصف بها اليابانيون، والتي تعتبر اليابان ارضا مشاعا للزلازل والبراكين والأعاصير الا أن اليابانيون اعتبروا هذه الكوارث هي اساس في ابداعاتهم العلمية والتقنية. فالشخصية العراقية شخصية تعشق المخاطرة على عكس الشخصية البدوية. وخير دليل على ذلك هي حرب الكويت. بالرغم من التهديد لصدام حسين، الا انه خاطر بحياة الناس بينما انور السادات في مصر في حرب اكتوبر 1973، عندما أحس بالتهديد، قال: (انا مش بحارب امريكا)، أي الشخصية المصرية لا تخاطر مثل الشخصية العراقية، وهذا مما يجعل العراقي ثائرا متمردا رغم التهديد.
اما الزمن، فمفهومه من الناحية الاجتماعية، يعرف بعلاقة الانسان بالزمن ورؤيته له، وطريقة تقسيمه وبناءه له، وتفاعله معه، وهذه الرؤية تنعكس غلى نمط حيات المجتمعات. فالمجتمعات البدوية، لهم مفهوم خاص  للزمن لأن حياتهم تتكرر برتابة دون أي تغيير يذكر من الخارج فتبقى طبائعهم وأخلاقهم ثابتة، والأيام والشهور بل السنين تكون شبه معدومة فلا تسمح بولادة الدولة والدين. الدولة تعد وتحسب للمستقبل الأيام، والدين أيضا، يعد الانسان لما بعد الموت، فالاثنان يحترمان الزمن.
اما مجتمعات المياه، مثل العراق، جاهدت في ايجاد طريقة ملائمة ودقيقة لضبط الزمن والتوقيت، لحاجتها الى تنظيم الأعمال الزراعية والتجارية التي كانت الأعمال الرئيسية في ذلك الوقت، وللسيطرة على مواسم الفيضانات التي كانت تحدث خسائر مادية وبشرية كبيرة، وما اكتشاف التقاويم والروزنامات الا لضبط الأيام والشهور والفصول والسنين، ومعرفة مواعيد الفيضانات والطقوس والأعياد الدينية.
اما مجتمعات المدينة، تمثل الصورة الأوضح لهذه الرؤية الصارمة للوقت، التي يتطلب بالضرورة الحضور في مكان ووقت محددين، فالوقت ملموس (قيمة للمال) ممكن استثماره، اغتنامه، صناعته أو تضيعه، لذلك يسيطر الوقت على تفاصيل حياتهم.
إن أبناء المدينة أعطوا أهمية و للأيام والشهور كثيرا، اما ابناء الريف فأعطوا للفصول والسنين كثيرا، اما مجتمع البادية فلا قيمة للوقت، فهم لا يحتاجون الى تقويم، فتقويهم هي الأحداث والكوارث، مثلا ولد فلان في عام الفيل، أو عام الرمادة.
الهوامش:
1.Luc Ferry : Philosophie du progres, Paris 2013
 Jacqueline Pirence : La decouverte de l Arabie,1958 .2 
R.Kiernan : The veiling of Arabia, London 1937  .3
R. Montagne: La civilization du desert, Paris 1947.4
M. Voin Oppenheim : Les budouins, Paris 1937.5
Alios Musil : The manners and customs of the Beduins, London 1928.6
 7. الوردي، علي.(2001). شخصية الفرد العراقي، الطبعة الثانية، منشورات دار ليلى، لندن 2001.
8. الطاهر، عبد الجليل.(1956). أصنام المجتنع. بغداد 1956.
9.مناف، متعب.(2010). تاريخ الفكر الاجتماعي، مجلد1. المركز العلمي العراقي، بغداد 2010.
10. حسين صالح، قاسم.(2016). الشخصية العراقية من السومرية الى الطائفية. دار العرب للنشر 2016.
11.باقر ياسين، باقر.(2010). شخصية الفرد العراقي. دار اراس للطباعة والنشر، العراق .2010
12. الوردي، علي.(2007). شخصية الفرد العراقي. دار الأوراق للطباعة والنشر 2007.
13. Nicolas Franck . La Schizophrene. Paris 2006
.14GerardPithon et RandjaniPonin . revu internationale de l educationfamilliale, no.38, 2015
15. Karl POPPER . Qu’est-ce que la méthode scientifique ?, Jacqu Lecomte, paris 2018
16. العامري، عصام فاهم.(2014). تساؤلات حول الشخصية العراقية، مجلة القدس العربي، حزيران 2014.
17. وزارة التخطيط- الجهاز المركزي للاحصاء في العراق، شعبة الموقع الألكتروني/ للجهاز المركزي للاحصاء.
د. عبد علي سفيح
مستشار سابق في وزارة والتربية والتعليم العالي الفرنسية

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

الاخبار

الاخبار

أضف تعليقـك