اخبار العراق الان

في مديح العجوز

قناة الحرة
مصدر الخبر / قناة الحرة

حين يأتي ذكر اسم أوروبا، وبشكل خاص خلال الأشهر الفائتة من انتشار جائحة كورونا، سواء جاء هذا الذكر ضمن حديث عابر مع أحد ضيوف البرامج للتعليق على حدث ما، أو ورد ضمن صياغة بعض التقارير الإعلامية بأنواعها، أو ضمن منشورات وتعليقات وسائل التواصل الاجتماعي، يترافق ذكر اسم أوروبا بشكل مستمر بوصفها بالقارة العجوز، وكأن هذا الوصف، بات لازمة لا بد من ذكرها في كل مرة، أو بالأصح لقبا، التصق بها كوشم أبدي لا فكاك منه.

لا يعني وصف أوروبا بالقارة العجوز لكونها القارة الأكثر قدما زمنيا فوق سطح الأرض، أي تم تنصيبها جدّة للقارات (الختيارة)، لكن لسبب واحد ووحيد ومعروف، وهو ارتفاع نسبة معدلات الشيخوخة بين سكانها مع تناقص في معدلات الخصوبة، الأمر الذي أثار قلقا وخلق مخاوفا وتحذيرات من احتماليات تغييرات ديمغرافية جوهرية مستقبلية، وتضرر سوق العمل والإنتاج.

وهي مخاوف تعاني منها دول كثيرة في العالم، سبق للأمم المتحدة أن حذرت منها في تقريرها السنوي نهاية سنة 2019، حيث ذكرت أنها المرة الأولى في التاريخ التي يزيد فيها عدد كبار السن في العالم عن عدد الأطفال دون الخامسة، مما يعني شيخوخة العالم بأسره، ولا يخص أوروبا وحدها.

هذه العجوز ما زالت خلاقة، ويمكن أن يطلق عليها وصف القارة الناضجة أو الحكيمة، كقيمة فعلية لمنجزها، وليس إلى شيخوخة سكانها

إحدى الدول الكبرى التي يحوم حولها هذا الخطر أيضا، اليابان، والتي تقف على مسافة متقاربة من أوروبا من حيث ارتفاع نسبة عدد كبار السن وانخفاض عدد المواليد، لكن أحدا لم يطلق يوما على اليابان وصف الدولة العجوز، كما أن جميع التوقعات تشير إلى أن دولا متقدمة مثل كندا، وبسبب ارتفاع مستوى الخدمات الصحية فيها، والرعاية القصوى التي يحظى بها المواطن الكندي، سترتفع فيها معدلات كبار السن في المستقبل القريب، وبالتالي ستصبح دولة مضافة إلى قائمة الدول العجوز، مما يوحي أن من أطلق على القارة الأوروبية تحديدا هذا الوصف وألصقه بها، ربما كان يتقصد الغمز من قناة الأوربيين لغاية في نفس يعقوب.

هل ينطبق مفهوم “الشيخوخة” على أوروبا بشكل حقيقي؟

منذ أكثر من نصف قرن تقريبا وحتى اليوم، تخرج من جعبة هذه العجوز الأوروبية، أعظم الأفكار التي تشكل من حين إلى آخر منعطفات تاريخية، إما على شكل تيارات فكرية أو فلسفية أو تنويرية، قادرة على التأسيس لمتغيرات، تطال الفكر الديني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، أو تعيد طرح الأسئلة، وإنشاء حراك فكري، أو ثوري، يدفع أحيانا إلى تغيير ثوابت لا تخص الأوروبيين فقط، بل في مرونتها وقابليتها لأن تصير كونية، وإمكانية تبنيها من العديد من الدول والأفراد.

كما تخرج منها بين الحين والآخر، أفكار خلاّقة مرادفة، تمتص فحوى المتغيرات، يعيد إنتاجها نخبة من المبدعين من كتّاب الأدب، بحيث يساهم نشر مطبوعاتهم الأدبية، في تيسير نشرها، وتلقفها من عشاق الأدب والأفكار الجديدة عبر العالم.

حين تتغير الفصول، يترقب المهتمون في معظم دول العالم، دور الأزياء الأوروبية التقليدية والشهيرة، لتحدد كصانعة ومنتجة محترفة، الخطوط العريضة للموضة الفصلية أو حتى السنوية، والموضة ليس لونا أو قصا للقماش وتصميمه فقط، هي أيضا فلسفة وتعبير، يعكسان مرحلة زمنية، تسبر عمق متغيرات المجتمع النفسية والثقافية، والسياسة أحيانا، تُعكس بتصميم ولون الأزياء، وتساهم في أحد أشكال التغيير على الأرض.

هذا غيض من فيض عن حكاية هذه العجوز الأوروبية، التي راكمت بخبراتها العريقة كنوزا ثمينة، يصعب تعدادها هنا، لكن أهم ما يجب عدم تلافيه أو تجنب الاضاءة عليه، هو الذائقة الأوروبية، وتحديدا الفنية، التي تتجلى في نتاجها الثقافي الرفيع، ويتوزع بين الفن التشكيلي وفنون الحركة والغناء وغيرها، والسينما التي تعنى بنوعيتها الإنسانية، وتحرص على ألا يكون منتجا عابرا، ومهرجانات مثل مهرجان برلين، أو مهرجان كان، خير مثالين على ما تقدم.

هذه هي العجوز التي ما زالت خلاقة، والتي يمكن أن يطلق عليها وصف القارة الناضجة أو الحكيمة، كقيمة فعلية لمنجزها، وليس إلى شيخوخة سكانها. إضافة إلى أن أي دولة يرتفع فيها معدل عمر الانسان، هو دليل عافية، تؤكد أنها دولة تعنى بمواطنها، وتستحق الاحترام. 

منذ أكثر من نصف قرن تقريبا وحتى اليوم، تخرج من جعبة هذه العجوز الأوروبية، أعظم الأفكار التي تشكل من حين إلى آخر منعطفات تاريخية

أما فيما يخص نقص عدد المواليد أو انخفاض معدل الشباب، فهو أمر له حلوله الكثيرة، تجرب بعض الدول أن تطبقها، مع الأخذ بعين الاعتبار، ألا تكون الحلول على حساب كبار السن واعتبارهم عالة على المجتمعات.

كثيرا ما تم تداول هذه النقاشات منذ بدء جائحة كورونا في الانتشار، والتي دفع ثمنها كبار السن كأكبر عدد لضحايا الفيروس، مما عزز فرضيات المؤامرة التي تناقلها أو تبناها البعض في هذا السياق، مما أشاع حالة لاأخلاقية عامة، طالت مفهوم شيخوخة الأحياء، والتي يجب تقديرها، وليس المشاركة والمساهمة في تجريحها معنويا أو كسر قلوبها أو التلميح المستمر بعجزها، انطلاقا من احترام وتقدير مجمل الرحلة الإنسانية في الحياة، والتي يجب أن تكون موضع اهتمام وحرص ومحبة، في كل مراحلها العمرية.

قد يكون ألطف ما حدث خلال هذه الفترة التاريخية المصيرية التي ما زلنا نشهدها من انتشار جائحة كورونا، هو تلك الحالات المدهشة لبعض كبار السن ممن تجاوزوا التسعين من العمر، وتعافوا من إصابتهم بفيروس كورونا، الأمر الذي يعيد النظر في قوة الإنسان ومقدراته الحقيقية بعيدا عن سنه البيولوجي، كما يعيد النظر بالتالي، في مفهوم الشيخوخة برمتها، والتي يمكن، في كثير من الحالات أن تكون منتجة أو فعالة شأنها شأن جميع الأعمار، والأسماء والشواهد كثيرة في هذا الصدد، لساسة دول وزعماء أو شخصيات عامة ونجوم فن واقتصاد ومجتمع وغيرهم، عبر التاريخ، أو في وقتنا الحاضر، ممن تجاوزوا الثمانين من أعمارهم وما زالوا في قمة العطاء.

يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا

عن مصدر الخبر

قناة الحرة

قناة الحرة

أضف تعليقـك